الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر, اليوم الآخر
محمد بن إبراهيم حسان
المنصورة
غير محدد
1-الحساب والقضاء يوم القيامة 2- القصاص بين البهائم 3- القصاص بين العباد يوم القيامة
4-القصاص بين المؤمنين 5- حُرمة الدماء
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أحبتى في الله:
نحن اليوم بتوفيق الله جل وعلا على موعد مع اللقاء السادس عشر من لقاءت هذه السلسلة العلمية الكريمة.
تذكر معى أخى في الله أننا كنا قد توقفنا بمشيئة الله جل وعلا في اللقاءت الثلاثة الماضية مع مشهد الحساب، وتعرفنا على أهم قواعد العدل التى يحاسب الله بها عباده يوم القيامة، وتعرفنا على أول أمة ستقف بين يدى الله للحساب، وتعرفنا على أول من يقضى الله بينهم، وتعرفنا على أول ما يحاسب علية العبد بين يدى الله، فإذا فرغ الله جل وعلا من حساب العباد فيما يتعلق بحقوقه أذن لدواوين المظاليم أن تنصب للقصاص وأداء الحقوق، وهذا هو موضوعنا اليوم مع حضراتكم بإذن الله تعالى.
وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعا فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية:
أولًا: القصاص بين البهائم.
ثانيًا: القصاص بين العباد.
ثالثًا: حرمة الدماء.
رابعًا: القصاص بين المؤمنين.
أخى في الله أعرنى قلبك وسمعك وجوارحك جيدا فإن الموضوع جد خطير، والله أسال أن يجعلنى وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أولًا: القصاص بين البهائم
فى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى قال: (( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ) )وفى رواية (( لتأدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء( • ) من الشاة القرناء )) ( [1] ) .
تدبر أيها المسلم وإياك أن تغفل.
وفى مسند أحمد بسند صحيح من حديث أبى ذر رضى الله عنه أن النبى رأى شاتين تنتطحان فقال المصطفى لأبى ذر (( هل تدرى فيما تنتطحان؟ ) )قال: لا قال المصطفى: (( ولكن الله يدرى وسيقضى بينهما يوم القيامة ) ) ( [2] ) .
أيها المسلمون: إن القول بحشر البهائم والدواب والقصاص لبعضها من بعض يوم القيامة هو الحق الذى ندين لله به.
وهذا هو ما ذهب إليه جمهور أهل السنة، فلا ينبغى البتة أن ترد الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب بدعوى أن العقل لا يستوعب القصاص بين الدواب.
قال الإمام النووى رحمه الله: إذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجراءه على ظاهره مانع من عقل أو شرع وجب أن تحمله على ظاهره، فلا ينبغى على الإطلاق تأول هذه الأحاديث ليرد هذا الحكم ألا وهو حكم القصاص بين البهائم والدواب، فإن قيل الشاه غير مكلفة لاعقل لها فكيف يقتص منها يوم القيامة؟ الجواب نقول قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: 107 ]
وقال تعالى لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: 23] .
وليعلم العباد علم اليقين أن الحقوق لا تضيع عند الله جل وعلا فإن كان هذا هو حال الحيوانات والبهائم والدواب، فكيف بذوى الألباب والعقول من الشريف والوضيع والقوى والضعيف والكبير والصغير؟!!!
أإذا كان الله يأخذ الحق للدواب والبهائم والحيوانات فهل يترك الله حق العباد وبصفة خاصة حق من وحدوا رب الأرض والسموات؟!!
ثانيًا: القصاص بين العباد يوم القيامة
أحبتى في الله:
لا يظن أحد أن ظلمه للعباد من ضرب أو سب أو شتم أو تزوير أو أكل مال بالباطل أو أكل مال يتيم أو استهزاء أو سخرية أو غيبة أو نميمة أو جرح كرامة سيضيع سدى!!
كلا كلا !! بل إن الظلم ظلمات يوم القيامة، أما والله إن الظلم شؤم ولازال المسيىء هو الظالم:
ستعلم ياظلوم غدًا إذا التقينا عند الإله من الملوم ؟!
يا من دعاك منصبك.. يا من دعاك كرسيك.. يا من دعتك صحتك.. يا من دعتك قوتك وقدرتك على ظلم الضعفاء والفقراء والمستضعفين من العباد تذكر قدرة الله جل وعلا، واعلم يقينا بأن الملك هو الذى سيقتص للمظلوم من الظالمين فاحذر الظلم بجميع أنواعه سواء كان صغيرًا أو كبيرا فإنه ظلمات يوم القيامة.
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
لا تظلمن إذا كنت مقتدرا
يدعو عليك وعين الله لم تنم
تنام عيناك والمظلوم منتبه
ففى الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبى لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وصاه بالوصايا الغالية، وكان من بين هذه الوصايا أن قال له المصطفى: (( اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) ) ( [3] ) .
انتبهوا أيها الأحباب إن دعوة المظلوم ترفع إلى الله دون حاجب فهى تصعد مباشرة، ولذلك ورد في الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى أن الحبيب النبى قال: (( أن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ).
وقرأ النبى قول الله تعالى وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود: 102] ( [4] ) .
قد يغتر الظالم بظلمه سنوات وهو يظلم عباد الله، والله يمهله والله يستره بستره وبحلمه عليه فيتمادى الظالم في غيه وظلمه ونسى هذا المسكين أن الله يمهل ولا يهمل.
أين الجبابرة؟!.. أين الأكاسرة؟!.. أين القياصرة؟!.. أين الفراعنة أين الطغاة؟!.. أين الظالمون وأين التابعون لهم الغى؟!.. بل أين فرعون وهامان وقارون؟!
وذكرهم في الورى ظلم وطغيان
أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم ؟!
أونجى منه بالسلطان انسان
هل أبقى الموت ذا عز لعزته
الكل يفنى فلا إنس ولا جان
لا والذى خلق الأكوان من عدم
حذر النبى الأمة من عاقبة الظلم، تدبروا معى جيدا هذا الحديث الرقراق الذى رواه ابن ماجه وابن حبان والبيهقى وأبى يعلى الموصلى والحديث حسن بشواهده من حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن النبى قال لأصحابه لما رجعت مهاجرة الحبشة عام الفتح إلى رسول الله قال لهم: (( ألا تحدثونى بأعاجيب ما رأيتم في الحبشة ) )فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جالسون مرت بنا عجوز من عجائز رهبانهم تحمل قلة ماء على رأسها، فمرت هذه العجوز على فتى منهم فقام الفتى ووضع إحدى كفيه بين كتفيها ودفعها وخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إلى الشاب وقالت له: سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسى وجمع الله الأولين والآخرين وتكلمت الأيدى والأرجل بما كانوا يكسبون فقال المصطفى (( صدقت، صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم ) ).
أى وربى كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم ؟! إى وربى كيف يقدس الله أمة لا تحترم فيها الكرامات ؟! لا تصان فيها الأعراض والأنساب ؟! كيف يقدس الله أمة تسفك فيها الدماء ويتهم فيها البرىء ويبرأ فيها الظالم ؟!
أمة بهذه الأخلاقيات الفاسدة محكوم عليها في الدنيا بالدمار ومحكوم على أفرادها من أهل الظلم في الآخرة بالنار.
أيها المسلمون حذر النبى من عاقبة الظلم يوم القيامة، فأمر الظالمين أن يتحللوا في الدنيا قبل الآخرة من المظالم.
تدبر كلام رسول الله ففى صحيح البخارى من حديث أبى هريره رضى الله عنه، أن النبى قال: (( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شىء منه فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه ) ) ( [5] ) .
يا عباد الله قد يستطيع الظالم الآن أن يفلت بطريق أو بآخر، ولكن الظالم لن يفلت يوم القيامة فمحال أن يدخل أحد الجنة وعنده مظلمة لمسلم أو عنده مظلمة لأحد، لابد أن يطهر الله أهل الظلم حتى لو كانوا من أهل التوحيد والإيمان في أرض الموقف في ساحة الحساب على بساط العدل بين يدى الرب جل وعلا، فمن كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها اليوم، اذهب إلى أخيك وتحلل من المظلمة أيا كانت، كأخذ مال بظلم أو غيبة أو نميمة أو إساءة جوار أو جرح كرامة أو انتهاك عرض أو سب أو قذف أو شتم أو غش في بيع أو شراء أو في أى صورة من صور الظلم اذهب إلى من له المظلمة وتحلل منها الآن قبل أن تقف بين يدى الملك العدل جل جلاله لذلك سأل النبى يوما أصحابه كما في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة فقال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: (( إن المفلس من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار ) ) ( [6] ) .
اللهم سلم سلم!! اللهم سلم سلم!!
أيها الموحدون بالله عليكم تدبروا هذا الحديث جيدا وأن تعيشوا معه بالقلوب والوجدان، فإن المشهد يخلغ القلب لو تدبرناه وعيناه، لقد صلى وزكى وصام بنص الحديث ولكن مع ذلك يدخل النار لما ؟! لأنه لم يمسك لسانه لأنه.. لم يكف يده.. لأنه استغل منصبه وكرسيه في ظلم العباد وفى إحراج وإهانة خلق الله من الضعفاء المستضعفين!!
أستحلفكم بالله أن تتدبروا هذا الحديث وأن تعيشوا معه بالقلوب والوجدان، فإن الحديث يكاد يخلع القلب إن تدبرناه ووعيناه، تصوروا معى هذا المشهد في أرض المحشر ها هو الظالم في أرض المحشر يقف بين يدى الله في ذل وخشوع وانكسار، شخص ببصره لا يرتد لأعلى ولا لأسفل ولا يمنة ولا يسرة بل قفز قلبه من جوفه، الشمس فوق الروؤس تكاد تصهر العظام والزحام يكاد يخنق الأنفاس، والعرق يكاد يغرق الناس وجهنم أتى بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها تزفر وتزمجر غضبًا منها لغضب الجبار جل وعلا.
لأن الله قد غضب هذا اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله.
وفى هذه اللحظات !! وفى هذا الكربات !! ومع هذا الهول العصيب!! يرى الظالم وقد أحيط بمجموعه من الناس.. يا ترى من هؤلاء؟ هؤلاء هم الذين ظلمهم في الدنيا، فها هو ظلم من ظلم وقد نسى، فها هم المظلومون يظهروا له يوم القيامة، ويتعلقون به ويجرونه جرًا ليقفوه بين يدى الله جل وعلا، هذا يجره من ظهره وهذا يجره من لحيته وهذا يجره من يمينه وهذا يجره من يساره.
فإذا أوقفوه بين يدى الملك وأذن الله لدواوين المظالم أن تنصب وللقصاص أن يبدأ، يقول هذا: يارب هذا شتمنى، والأخر يقول يارب وهذا ظلمنى، والآخر يقول: يارب هذا اغتابنى، والأخر يقول: يارب هذا غشنى في البيع والشراء، والآخر يقول: يارب هذا وجدنى مظلومًا وكان قادرًا على دفع الظلم فجامل ونافق الظالم وتركنى، والأخر يقول: يارب هذا جاورنى فأساء جوارى.
سترى كل من ظلمته في الدنيا نسيته، أو تذكرته متعلقًا بك بين يدى الملك جل وعلا يطالب بحقه، وأنت واقف يا مسكين ما أشد حسرتك في هذه اللحظات وأنت واقف على بساط العدل بين يدى رب الأرض والسموات، إذا شفهت بخطاب السيئات وأنت مفلس عاجز فقير مهين لاتملك درهمًا ولا دينارًا، لا تستطيع أن ترد حقًا ولا تملك أن تبدى عذرًا، فيقال: خذوا من حسناته، فتنظر إلى صحيفتك التى بين يديك فتراها قد خلت من الحسنات التى تعبت في تحصيلها طوال عمرك، فتصرخ وتقول: أين حسناتى ؟! أين صلاتى ؟! أين زكاتى؟! أين دعوتى ؟! أين علمى ؟! أين قرآنى ؟! أين برى ؟! أين طاعتى ؟! أين عملى الصالح ؟! أين ؟! أين ؟! أين....؟!
أتعرف أين هى يا مسكين ؟! لقد نقلت إلى صحائف من ظلمتهم في الدنيا والآن فنيت حسناتك، وبقى أهل الحقوق ينادون على الله جل وعلا أن يعطيهم حقوقهم من الظالم، فيأمر الحق سبحانه أن تأخذ من سيئات من ظلمتهم في دنياك لتطرح عليك فتنظر إلى صحيفتك فترى الصحيفة قد شحنت بالسيئات، فتصرخ وتقول: يارب هذه سيئات والله ما اقترفتها والله، فيقال لك: نعم إنها سيئات من ظلمتهم في الدنيا من خلق الله ومن عباد الله، فتمد عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعلك تنجو في هذه اللحظات ولست بناج، لأن الله قد حرم الظلم على نفسه وحرم الظلم بين العباد، فيقرع النداء سمعك ويخلع النداء قلبك كما قال الحق تبارك وتعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ [إبراهيم:42-52] .
أيها الظالم: أيها اللاهى: أيها الساهى:
يوم القيامة والسماء تمور
حتى على رأس العباد تسير
وتبدلت بعد الضياء كدور
فرأيتها مثل السحاب تسير
فرأيتها مثل الجحيم تفور
وخلت الديار فما بها معمور
وتقول للأملاك أين تسير
طى السجل كتابه المنشور
وتهتكت للعالمين سطور
يخشى القصاص وقلبه مذعور
كيف المصر على الذنوب دهور؟
ولها على أهل الذنوب زفير
لفتىعلى طول البلاء صبور
مثل لنفسك أيها المغرور
إذا كورت شمس النهاروأدنيت
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت
وإذا الجبال تقلعت بأصولها
وإذا البحار تفجرت نيرانها
وإذا العشارتعطلت وتخربت
وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت
وإذا الجليل طوى السماء بيمينه
وإذا الصحائف نشرت وتطايرت
وإذا الوليد بأمه متعلق
هذا بلا ذنب يخاف جناية
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت
أيها المسلمون اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، فسوف يقتص الملك العدل الحكيم العليم الخبير للمظلومين، في يوم لاينفع فيه مال ولا بنون، وإنما أخذ من الحسنات ورد من السيئات.
إن عين الله يقظى لا تنام
أيها المظلوم صبرًا لا تهن
فعدل الله دائم بين الأنام
نم قرير العين واهنأ خاطرًا
ومن أعظم الأمور عند الملك، ومن أظلم الظلم سفك الدم بغير حق وهذا هو عنصرنا الثالث.
ثالثًا: حرمة الدماء
إن حرمة الدماء عند الله عظيمة، لذا كان أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء.
ففى الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبى قال: (( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) ) ( [7] ) .
أرجو أن ينتبه إخواننا إذ أنه لا تعارض بين هذا الحديث: (( أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة في الدماء ) ).
وبين الحديث الصحيح الذى رواه أصحاب السنن وفيه يقول المصطفى: (( أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ) ) ( [8] ) .
إذًا كيف نزيل هذا التعارض بين الحديثين ؟!
قال أهل العلم: أما الصلاة هى أول حق لله يقضى الله فيه، وأما الدماء فهي أول حق يقضى الله فيه للعباد، ولذلك جمعت رواية النسائى بين الأمرين في لفظ واحد فقال المصطفى: (( أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة وأول ما يقضى فيه بين العباد في الدماء ) ).
فالله هو خالق الإنسان وواهب الحياة له، فلا يجوز لأحد أن يسلب الحياة إلا خالقها وواهبها، أو بأمر شرعه هو سبحانه وتعالى في نطاق الحدود، يقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ [الأنعام:151] .
والله لو سمعت الأمة هذه الأحاديث التى سأذكرها الآن ما رأينا هذه البرك من الدماء هنا وهناك، إذ أننا نرى الآن الدماء لا حرمة لها، يُقتل كل يوم العشرات بل المئات بل الألوف بدون مبالغة وهذه من علامات الساعة كما قال الصادق المصدوق (( بين يدى الساعة يكثر الهرج ) )قالوا: وما الهرج يارسول الله؟ قال (( القتل القتل ) ) ( [9] ) وفى لفظ (( لا يدرى القاتل فيما قتل ولا يدرى المقتول فيما قتل ) ).
الله عز وجل يقول: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ [ الأنعام: 151] .
وهذا الحق واضح محدود لاغموض فيه ولا لبس، حدده المصطفى فقال -والحديث رواه البخارى ومسلم من حديث ابن مسعود - قال: (( لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا الله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) ) ( [10] ) هذه هى الحالات الثلاثة التى يحل فيها دم المسلم.
الحالة الأولى: القصاص (النفس بالنفس) :
والقصاص يقوم به ولى أمر المسلمين، أو من ينوب عنه، إذ أن الأمر ليس متروكًا للأفراد حتى يتحول المجتمع إلى فوضى، القصاص فيه حياة المجتمع، فإن القاتل إن علم أنه سيقتل سيفكر ألف مرة قبل أن يتطاول على النفس التى خلقها رب الأرض والسماء، لذا نجد أن حياة المجتمع في القصاص أليس الله هو القائل: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة: 179 ] .
والله لو وقفتم على حجم القضايا التى عُرضت على المحاكم في العام الماضى لانخلعت القلوب، فإن عدد القضايا أمام المحاكم زاد على ثلاثين مليون من القضايا، وهذا عدد ضخم ما يقرب من نصف هذا الشعب ترى لما ؟! لأن الحدود ضاعت، لأن الظالم أو القاتل يستطيع بماله أو بسلطانه أن يقدم رشوه لرجل فاسق ضال مضل ويخرج من جريمته النكراء، والأمم لا تضيع إلا بهذه المجاملات الباطلة.
قال النبى لأسامة يوم أن تقدم ليشفع في امرأة مخزومية شريفة سرقت (( والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها أنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ) ) ( [11] ) .
الحالة الثانية: الثيب الزانى
الثيب: هو المحصن الذى رزقه الله بزوجة في الحلال الطيب، فترك زوجته في الحلال، وراح يرتع في مستنقع الرذيلة الآثم العفن، فدنس العرض وانتهك الشرف، فهذا يقتل رجمًا حتى الموت، وقد يستصعب الإنسان منا هذا الحكم، ولكنه سيقول يقتل ثم يقتل ثم يقتل إن مست كرامته أو انتهك عرضه أو دنس شرفه.
الحالة الثالثة: الردة:
إن الذى يترك دين الإسلام بعد أن منَّ الله به عليه، هذا يقتل لقول النبى r كما في صحيح البخارى من حديث ابن عباس: (( من بدل دينه فاقتلوه ) ) ( [12] ) .
ولقول النبى في الحديث الذى نحن بصدده: (( التارك لدينه المفارق للجماعة ) ).
هذه هى الحالات الثلاثة التى يجوز فيها لولى الأمر المسلم، أو من ينوب عنه أن يسفك الدم في حدود الشرع التى حددها الله جل وعلا.
أما فيما عدا ذلك فإن قتل النفس البريئة أمر تشيب له الرؤوس.
اسمع وتدبر قول الله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [ النساء: 93 ] .
الله أكبر !! انظروا إلى حرمة الدماء!
فى صحيح البخارى من حديث ابن عمر أن الحبيب النبى قال: (( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ) )قال: وقال ابن عمر (( إن من ورطات الأمور التى لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حل ) ) ( [13] ) .
وفى الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود والحاكم والنسائى وصححه الألبانى في صحيح الجامع أن الحبيب النبى قال: (( كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا ) ) ( [14] ) .
وفى الحديث الذى رواه النسائى وصححه الألبانى في صحيح الجامع من حديث بريدة أنه قال: (( قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ) ) ( [15] ) .
وفى الحديث الذى رواه النسائى والبخارى في التاريخ وصححه الألبانى من حديث عمر بن الحمق الخذاعى أن الحبيب النبى قال: (( من أمن رجلًا على دمه فقتله فإنا بريء من القاتل وإذا كان المقتول كافرًا ) ) ( [16] ) .
هذه حرمة الدماء عند رب الأرض والسماوات، لذلك كانت الدماء هى أول شىء يقضى فيه الله بين العباد.
بل اسمع إلى هذا الحديث البليغ العجيب لمشهد القتيل مع قاتله في أرض المحشر، والحديث رواه النسائى بسند حسن يقول النبى: (( يجئ المقتول متعلقًا بالقاتل يوم القيامة وأوداجه تشخب( • ) دما بين يدى الله فيقول: يارب! سل هذا فيما قتلنى؟ حتى يدنيه من العرش ))فذكرو لابن عباس التوبة، فتلى هذه الآية: وَمن يَقتُل مُؤمِنًا متَعَمِّدًا قال: (( ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة؟ ) ) ( [17] ) .
رابعًا: القصاص بين المؤمنين:
هل يحدث قصاص بين أهل التوحيد والإيمان ؟!! نعم.. نعم.. ألم أقل لك أيها الأخ الكريم أنه لن يدخل الجنة أحد ولو كان موحدًا لله مطيعًا لله متبعا لرسول الله أبدًا، وعنده مظلمة لأخيه.
اسمع لحبيبك النبى محمد هذا الحديث الذى رواه البخارى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبى قال: (( إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بالدخول إلى الجنة، فو الذى نفس محمد بيده، لأحدكم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا ) ) ( [18] ) .
أيها الأحبة الكرام بذلك أكون قد أنهيت الحديث في الجملة عما يحدث يوم القيامة في ساحة الحساب، وبقى أن نتعرف في اللقاء المقبل بإذن الله إن قدر الله لنا البقاء واللقاء عن صنف مبارك كريم من هذه الأمة الميمونة يدخل الجنة مباشرةً بلا عذاب ولا حساب.. فيا ترى من هؤلاء؟!!
الجواب في اللقاء القادم بإذن الله تعالى.
• الجلحاء: التى ليس لها قرون.
( [1] ) رواه مسلم رقم (2582) فى البر ، باب تحريم الظلم ، والترمذى رقم (2422) فى صفة القيامة ، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص.
( [2] ) رواه أحمد في المسند ، رقم (21330) .
( [3] ) رواه البخارى رقم (4347) فى المغازى ، باب بعث أبى موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ، ومسلم رقم (19) فى الإيمان ، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ، وأبو داود رقم (1584) فى الزكاة ، والترمذى رقم (625) فى الزكاة ، والنسائى (5\52،55) فى الزكاة.
( [4] ) رواه البخارى رقم (4686) فى تفسير قوله تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى.. الآية ، ومسلم رقم (2583) فى البر والصلة ، باب تحريم الظلم ، والترمذى رقم (3109) فى التفسير وابن ماجة رقم (4018) فى الفتن.
( [5] ) رواه البخارى رقم (2449) فى المظالم ، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلمته، والترمذى رقم (2421) فى صفة القيامة.
( [6] ) رواه مسلم رقم (2581) فى البر ، باب تحريم الظلم ، والترمذى رقم (2420) فى صفة القيامة ، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص. وهو في صحيح الجامع (87)
( [7] ) رواه البخارى رقم (6861) الديات فما فاتحته ، ومسلم رقم (1678) فى القسامة ، والترمذى رقم (1396) فى الديات.
( [8] ) رواه النسائى ( 7/ 83 ) فى تحريم الدم ، وهو في صحيح الجامع (2527) .
( [9] ) رواه البخارى رقم (7061) فى العلم ، باب ظهور الفتن ، ومسلم رقم (2672) فى العلم ، باب رفع العلم وقبضة وظهور الجهل ، وأبو داود رقم (4255) فى الفتن.
( [10] ) رواه البخارى رقم (6878) فى الديات ، باب قول الله تعالى: ( النفس بالنفس والعين بالعين ) ومسلم رقم (1676) فى القسامة ، باب ما يباح به دم المسلم ، وأبو داود رقم (4352) فى الحدود ، والترمذى رقم (1402) فى الديات ، والنسائى (7/90، 91)
( [11] ) رواه البخارى رقم (6787) فى الحدود ، باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع ، ومسلم رقم (1688) فى الحدود ، باب قطع السارق الشريف وغيره ، والترمذى رقم (1430) فى الحدود ، وأبو داود (4373) ، والنسائى (8/74،75) .
( [12] ) رواه البخارى رقم (6922) فى استتابه المرتدين ، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، ومالك في الموطأ (2/736) فى الأقضية ، والترمذى رقم (1458) فى الحدود ، باب ما جاء في المرتد ، وأبو داود رقم (4351) فى الحدود ، والنسائى (7/104،105) .
( [13] ) رواه البخارى رقم (6862) فى الديات في فاتحته.
( [14] ) رواه أحمد في المسند رقم (16849) والنسائى (7/81) فى تحريم الدم في فاتحته وهو في صحيح الجامع.
( [15] ) رواه النسائى (7/ 83) فى تحريم الدم ، باب تعظيم الدم ، وهو في صحيح الجامع (4361) .
(1) صححه شيخنا الألبانى في الصحيحة رقم (441) وهو في صحيح الجامع (6103) .
( • ) أوداجه: عروق عنقه.* تشخب: تسيل
( [17] ) رواه الترمذى رقم (3032) فى التفسير ، والنسائى (7/85، 87) فى تحريم الدم وأخرجه أحمد في المسند (23004، 23058) وهو في صحيح الجامع (8031) .
( [18] ) رواه البخارى رقم (2440) فى المظالم ، باب قصاص المظالم.
لم ترد.