فهرس الكتاب

الصفحة 3213 من 5777

خطوات عملية في أوقات المحن(2)

الرقاق والأخلاق والآداب

الفتن

علي بن عمر بادحدح

جدة

سعيد بن جبير

1-الاستزادة من الطاعات أهم خطوات الإصلاح. 2- التهاون في الصلاة سبب طول النقم. 3- الصيام تهذب شهوات النفس ويصلحها ويُربيها. 4- في البذل والإنفاق تمحيص النفوس. 5- المداومة على الدعاء من أسباب تنزل النصر.

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، قد يكبر الجرح، ويكثر النزف، وتعظُم البلية، وتتضاعف الرزية، ولكننا ينبغي أن نعي أن البكاء لا يشفي، وأن الدمع وحده لا يروي، وأن الحزن ـ وإن عظُمَ ـ لا يُغني، وأنه لا بد من أن نعود إلى نفوسنا لنشحذها همةً وعزيمة، وإلى قلوبنا لنملأها إيمانًا ويقينًا، وإلى عقولنا لحشوها رشدًا وبصيرة وهداية، وإلى أحوالنا لنُشيع فيها إصلاحًا وإحسانًا واستقامة.

لا بد أن لا نكون متأثرين بردود الأفعال، ويكون كل حدثٍ يمر وكل مصيبة تحل سحابة صيفٍ، تنقشع فتعود العقول إلى غيها، وتعود الألسنة إلى لغوها، وتعود النفوس إلى لهوها، وتعود الأوضاع إلى حالها، لا يتغيّر من ذلك شيءٌ، فلا يحصل من أثر الخير الذي نرجوه ما نأمّله من رحمة الله، وما ننتظره من نصر الله، وما نتوق إليه وندعو به من هزيمة أعداء الله، لأن سنن الله جلّ وعلا ماضية، ولأن قدره غالبٌ سبحانه وتعالى.

نقف اليوم مع خطوات عملية لنهضة الأمة، ولئن طال حديثنا فيه فإنه أمر جديرٌ بذلك.

إن مشكلتنا الكبرى أننا نُغالط أنفسنا ولا نصارحها، ونجاملها ولا ننصحها، وأننا كثيرًا ما نبحث عن الأخطاء هنا وهناك، ونُعلّق المسؤوليات على هذا وذاك، ونرمي أعداءنا بفاحش القول وعظائم التُهم، ولا ننظر إلى أنفسنا لنرى قصورنا، ولنعرف الوهن الذي يأتي من قِبلنا، ولننظر إلى الثغرات التي يجوس الأعداء من خلالها عبرنا.

نحن نريد كما أسلفت مرات وكرّات، أن يكون ما يمر بنا من قدر الله عز وجل محرّكًا لنا نحو ما يريده الله جلّ وعلا منّا.

وقد ذكرنا ما يتعلّق بالفكر والنفس، لأنه أساس المنطلق، ولأنه قاعدة الارتكاز، ولأنه نور المستقبل الذي يُبصّرنا للطريق الهادي، والموصل لمرضاة الله سبحانه وتعالى.

وأما الخطوات العملية في الجانب العملي فكثيرة، ولكنني أوجز المهم منها في هذه القواعد، التي أحسب أننا نحتاج إلى مزيد من الحديث عنها.

أولًا: كثرة الطاعات، ونحن نعرف أن الخير إنما يُستجلب من الله بالتقرّب إليه، وأن من أراد رحمته تعرّض لها بطاعته، وأن من أراد مغفرته سعى إليها بمناجاته، وأنه لا يُمكن أن ننال من رحمة الله، ولا من نصره، ولا من عزه شيئًا ما لم ننصر الله جلّ وعلا، ما لم نُقبل عليه، ما لم نُحسن صلتنا به، ما لم نُعلّق حبالنا به، ما لم نُنزل توكلنا عليه، ما لم نُفضي بحوائجنا وذلنا وتضرّعنا بين يديه.

ما لم يكن أمرنا كذلك، فستظل قلوبنا مشرّقة ومغرّبة، وستظل آمالنا مخيّبة ومضيّعة، مرةً نعلّقها بمجرمين يتحدثون بألسنتنا، وفسقة يتصدرون في ديارنا، ومرةً نعلّقها بأعدائنا من اليهود أو النصارى، ومرةً قد نظن أن في أنفسنا قوة، وأن بين أيدينا أسبابًا تُغنينا عن صلة الله عز وجل، فحينئذٍ نؤتى كما أُتينا هنا وهناك.

ليست بغداد ولا أفغانستان، وليس ما قبلها وما بعدها، وإنما هو هذا الأمر الذي ينبغي أن نحرص عليه.

وأقولها في البدهيات وفي الأصول والأساسيات، لأنها التي جاء بها محمد ، لا يقل أحدٌ منّا: هذا نعرفه، فإن تقصيرنا فيه ظاهرٌ، وأقولها من بدايتها ومن أولها، ومن ألفها وبائها، حتى ننتهي إلى يائها، حافظ على أداء الفرائض من الصلوات.

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] .

هذه العبادة والشريعة والركن والفريضة، التي هي صلة العبد بربه، كما أخبرنا النبي بالمبادرة والمحافظة، استجابةً لأمر الله عز وجل، كما روى مسلمٌ في صحيحه من حديث المصطفى: (( ما من امرئٍ مسلمٍ تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيُحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفّارة لِما قبلها من الذنوب، ما لم تؤتِ كبيرة، وذلك الدهر كله ) ).

ولعلّي أقولها صريحة: من أعظم أسباب ضعفنا وذلنا، أنه قد كثر فيما بيننا هجر الصلوات، وعدم أدائها بالكلية، فضلًا عن التفريط والتقصير والتأخير، وغياب القلب وذهاب العقل في أثناء أدائها.

فإذا كانت هذه الركيزة وتلك الفريضة، التي أخبر النبي أنها من آخر ما يُحلُ من عُرى الدين، فكيف بنا بعد ذلك نسأل: أين نصر الله الغائب المرتقب؟ أين الخير والعز والتمكين الذي تتوق إليه النفوس؟ إنه أمرٌ واضحٌ وبيّن.

احرص على شهود الجماعات، أين هذه الجموع الغفيرة في الصلوات؟ أينها مع النداء والأذان؟ أينها في الصفوف الأولى؟ كيف نريد أن نتقدم لمواجهة أعدائنا ونحن لا نُبادر ونتقدّم لطاعة ربنا؟ كيف نتنافس في ميادين الجهاد لقتال عدونا، ونحن لا نتنافس في السبق إلى مرضاة ربنا وأداء فرائضه سبحانه وتعالى؟

إنه لا بد لنا أن نعي وعيًا عميقًا أن هذا مرتبطٌ بذاك، وأنه مقدمة له، وأنه سببٌ مُعينٌ عليه، وأنه الذي يكون بإذنه سبحانه وتعالى بداية لِما يأتي بعده من الخير: قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم:31] .

والله جلّ وعلا قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النور:56] .

والمقيمين الصلاة بصيغة الجمع والجماعات، التي هُجرت إلا من رحم الله.

حتى قال ابن مسعود ـ مقالته في عهده وزمانه، مُحذرًا ومنبهًا ومذكرًا ومُرجِعًا إلى العهد الأول، الذي بناه وعلّمنا إياه رسول الله فماذا يقول ابن مسعود؟ يقول ـ: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث يُنادى بهن، فإن الله تعالى جعلهن لنبيكم من سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يُصلي هذا المتخلّف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم) .

ويُخبرنا عن العهد الأول: (ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) .

كيف نواجه أعداءنا، ونستنزل نصر ربنا، وفينا نفاقٌ، أخبر ابن مسعود بأنه كان أمرًا واضحًا جليًا معروفًا معلومًا عند جيل الصحابة: (وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق) ، ويخبرنا أنها من سنن الهدى، التي بها الهداية، وأن تركها تركٌ لسنن الهدى، وأن ترك سنن الهدى مقدمة للضلال والغي والانحراف، الذي تلّفعت به أمتنا ردحًا من الزمن، وما يزال فئامٌ من أبناء الإسلام يعيشون في ظلامه وغياهبه، ويدرجون في ضلالاته ومتاهاته، بعيدًا عن هدى الله، بعيدًا عن الصلة بالله، بعيدًا عن طاعة الله، بعيدًا عن بيوت الله، بعيدًا عن الأخوة في الله، بعيدًا عن استماع آيات الله.

كيف نرشد؟ كيف نصلح؟ كيف نستطيع أن نقوى ونعز؟ كيف نستطيع أن نجابه ونقاوم، وفينا مثل هذا الخلل الأعظم الكبير؟

إنه خطابٌ قد قاله الله جلّ وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله في سنته، وتواصى ويتواصى بذلك كل أهل الإسلام في كل زمانٍ ومكان.

ولعلّي أعيد ما قلته، قد يقول القائل: مالنا نتحدث في هذه الأصول، وتلك البدَهيات المعروفة، وأقول: هل أغنى عرفانها والعلم بها عن التحقق والالتزام بها؟ أين نحن من ذلك؟ ونحن لا نرى إلا خللًا وضعفًا وتقصيرًا وتفريطًا وابتعادًا وإغرابًا، عن كل هذه الأمور الأساسية المهمة.

ولعلّي أشير إشارةً قد أكثرت من الحديث فيها من قبل، لئن لم يقو أحدنا أن يُغالب راحته، وأن يجاهد نفسه، ويخرج في غلس الليل ليشهد صلاة الفجر، مبكرًا إليها، مقدمًا بين يديها سنتها التي هي خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف نزعم أننا نسطيع أو أننا نريد أن نجاهد أعداءنا، وأن نصنع كذا وكذا: أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] .

تشهده الملائكة، وينام عنه لا أقول الآلاف ولا مئات الآلاف، بل أحسب أنهم ملايين من المسلمين.

يصب الأذان سمعه في ضوء الفجر، ولا يُصب في آذانٍ كثيرة، قد بال فيها الشيطان، كما قال رسول الهدى عندما أُخبر عن ذاك الذي لا يُصلي حتى يصبح قال: (( ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ) ).

أخبر أهل العلم في شرح هذا الحديث، بأن المراد بأنه تمّكن منه تمكنًا، حتى جعله موضعًا لقاذوراته ونفاياته.

نحن قد نكون ـ أنا وأنت ـ من هذا الصنف في بعض الأحوال، وبعض من المسلمين لم يعد في قائمة حياته وبرنامجه اليومي أن يُصلي صلاة الفجر في وقتها، فضلًا عن أن يؤديها في جماعة، بل صار وقت الدوام والعمل أو السفر والارتحال أعظم عند كثيرٍ من الناس من طاعة الله، وعبادة الله وأداء فريضة الله.

ثم نشكو من بعد ذلك، ولا نطلب الشفاعة التي نلتمسها في طاعة الله عز وجل، ولا نطلب الوقاية والحماية التي أخبر بها رسول الهدى في حديث جندب بن عبد الله عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (( من صلّى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يَكُبّه على وجهه في نار جهنم ) )رواه مسلم.

ثانيًا: صيام التطوع: وهذا بابٌ واسع من الصيام، فإنه عبادةٌ وتربية وطهارةٌ وتزكية، إنه قوة إيمانية، إنه قدرة على مواجهة صعوبات الحياة، وتهذيب شهوات النفس، إنه ضربٌ من ضروب القوة المعنوية المهمة، والاستعلاء الإيماني الفريد، والقدرة على حزم الأمر، وإمضاء الإرادة، وشحذ الهمة في أمرٍ من الأمور.

ونحن نحتاج إلى ذلك حاجةٌ عظيمة، لأن الصيام جُنة كما أخبر النبي ، ولأنه شفيعٌ لأصحابه يوم القيامة مع القرآن، ولأنه كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: (( ما من عبدٍ يصوم يوم في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا ) ).

لِم لا يجعل هذا ديدنًا لنا، لِم لا نجعل من هذه الأحداث ردًا لنا إلى مزيدٍ من الطاعات، أليس قد أخبر النبي بهذا، وقام به، وعمله، وانتدب إليه، واتبعه عليه أصحابه، فكان كثير منهم يدمنون ويديمون ويواصلون الصوم في كثيرٍ من الأيام، وخاصةً الأيام الفاضلة فكانوا حينئذٍ خِفافًا لينطلقوا إلى طاعة الله، وليلحقوا بالصفوف في الجهاد في سبيل الله.

ونحن إذا جاء هذا النداء، وقد مُلئت بطوننا، وقد ثقلت أجسامنا، وقد عظُمت شهواتنا، وقد شُغلت بهذه الملذات أفكارنا، فلا نكاد ننطلق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [التوبة:38] .

ينبغي أن نُدرك أن ضعفنا من قلة عبادتنا، والصوم عبادةٌ فيها الخفة والقوة المُحلّقة نحو مرضاة الله سبحانه وتعالى، في حديث عثمان بن أبي العاص عن رسول الله: (( الصيام جُنة من النار، كجُنة أحدكم من القتال، وصيامٌ حسنٌ ثلاثة أيام من كل شهر ) )رواه ابن خزيمة في صحيحه.

فلا أقل من أن نحرص على هذا، فيكون لنا منه زاد.

وثالث ما نذكره في كثرة الطاعات: الإنفاق في مصالح المسلمين ونُصرتهم.

ولئن كان هذا الإنفاق سببًا من أسباب المادة، فإنه قبل ذلك سببٌ من الأسباب المعنوية الإيمانية، التي يُمحّص بها الإيمان، والتي تُبتلى بها النفوس، حتى قال النبي كما روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة: (( شر ما في رجل شُحٌّ هالِع، وجُبنٌ خالِع ) ).

وأخبر النبي أنه لا يجتمعان في قلب عبدٍ الإيمان والشُح، وقال الله جلّ وعلا: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] .

إنها النفوس المرتبطة بالأموال، المتعلّقة بالملذات، كيف نستطيع تهذيبها؟ كيف نستطيع أن نجعل فيها تعظيم أمر الله، ونُصرة دين الله، وإعانة عباد الله، قبل أن تكون مُسّخرة لشهوات البطون والفروج والملّذات والترف والنعيم؟

ما بالنا ننفق أموالنا في شهواتنا، ولا يكاد أحدنا تجود نفسه إلا بأقل القليل على مضضٍ وتردد، إذا دُعي للإنفاق في سبيل الله، ويقول: أريد الجهاد في سبيل الله، ولا يُجاهد بماله ليكون ضربًا من ضروب الجهاد، كما روى أبو داود والنسائي في سننهما من حديث رسول الله: (( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) ).

ونعلم كثيرًا من الآيات التي تُقدّم الأموال على الأنفس، فهل جاهدنا بأموالنا؟ وهل أدينا ما هو فرضٌ علينا أولًا، وما هو زائد على الفرض، لننصر ديننا، ونُعلي راية ديننا، أم أننا ما زلنا نبخل بذلك؟

هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38] .

ليس أحد بأعز على الله عز وجل من أن يمضي فيه أمره، وأن تجري عليه سنته.

إن الله جل وعلا اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم.

والرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا كما في الصحيح أنه: (( من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ) )رواه مسلم.

ألست تكفل يتيمًا قد مات والده مجاهدًا مستشهدًا في سبيل الله؟ ألست تعين حينئذٍ على مواجهة أعداء الله؟ ما بالنا ننفق أموالنا لنقوي أعداء الله، ولنجعل الأموال في أيديهم، ليستعينوا فيها على حرب الإسلام وأهله؟

نداء نقوله بالعقل والقلب، وقبل ذلك بالدين والشرع، المدخنون كم ينفقون من الأموال؟ هذا ينفق قليلًا، وهذا ينفق قليلًا، وإذا بنا نقول وتقول الأرقام: إن عشرات الملايين من الريالات تنفق في بلدنا هذا على الدخان، أفهذا عقل عند من يرون أنهم مستهدَفون من أعدائهم؟! أفهذا تصرف حكيم عند من يقولون: إنهم يريدون أن يصلحوا أحوالهم، وينصروا أمتهم، أفهذه حكمة أو عقل يدل عليه؟! وانظر إلى ما وراء ذلك من السرف والترف في الزواج وفي غيره، وانظر إلى الإنفاق في البذخ وفي غير هذه الأبواب المعروفة، التي يشعر المرء كأن شيئًا منها لم يتغير، وكأنما ما جرى وما قد يجري لا يخصنا بشيء، ولا يغير من واقعنا شيئًا.

هل نحن غيّرنا بعض ما نصرفه على كماليات لا فائدة منها، ولا حاجة إليها، فضلًا عن محرمات ومكروهات وموبقات، نصرف فيها الأموال لندفعها إلى أيدي الأعداء، ولنشتري منهم، ولنأخذ منهم هذه المهلكات والمدمرات؟ ثم نقول بعد ذلك: إننا أمة مستهدفة، ونريد أن نواجه، وأن نقاوم، ذلك أمر عجيب، بخل في الطاعات وسرف في المحرمات!

ولسنا نريد أن نقول ما كان عليه أسلافنا، لسنا نريد أن نذكر، وإن كان التذكير معروفًا ومهمًا، فعثمان يوم جهز جيش العسرة، يوم جعل كل ما في يده في خدمة دينه ونصرة أمته، وإعلاء إسلامه ومواجهة أعدائه، يوم نعرف ذلك فينا، يوم نغيّره في واقعنا، ننتظر أن يكون وراء ذلك ما وراءه.

لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10] .

مجرد التقدم في هذا الباب، يجعل هناك فرقًا في المراتب، واختلافًا في الدرجات، وينبغي لنا أن ندرك هذا وأن نعرفه.

ولعلّي هنا أختم بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي تجمل لنا في حديث النبي الذي ترويه هذه الجوانب التي ذكرتها: (( ثلاث أحلف عليهن: لا يجعل الله عز وجل من له سهم في الإسلام، كمن لا سهم له، فأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة.. ) )رواه أحمد.

هذه الأسهم أين حظنا منها؟ وأين نصيبنا؟ أول هذه الخطوات العملية كثرة الطاعات في هذه المجالات والفرائض، فإنها بداية التصحيح.

رابعًا: استدامة الدعوات، وليس الدعاء إذا حلّت المصائب ولا إذا نزلت النكبات، بل كما ورد في حديث النبي الذي رواه أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (( من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء عند الرخاء ) )رواه الترمذي والحاكم وصححه.

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل:62] .

إنه الله سبحانه وتعالى الذي قال لنا: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] .

أين نحن من دعائنا قبل الصلوات، وفي أثناء الصلوات، وبعد الصلوات؟ أين دعاؤنا في المجتمعات والمنتديات، أن تفتتح بالدعوات، وأن تختم بالدعوات؟ أين نحن من دعائنا في السكون والخلوات، في جوف الليل وقبيل الفجر، وفي الساعات الأخيرة من هزيع الليل الأخير، يوم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: (( هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من داعٍ فأجيبه ) )، ليس في يوم النكبة، ولا في زمن المحنة، في كل يوم، فأين الغافلون، ونحن إلا من رحم الله منهم؟ وأين الداعون المتضرعون، ونرى كيف كان اليقين بهذا الدعاء، يوم كان الإيمان في القلوب راسخًا، ويوم كان الصلاح والاستقامة في الأحوال الباطنة والظاهرة بيّنًا، فكان أحدهم يدعو جازمًا وموقنًا بإجابة الله للدعاء، حتى اشتهر من بين الصحابة رضوان الله عليهم من كان مجاب الدعوة، كما في قصة سعد بن أبي وقاص.

وسعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ادَّعت عليه امرأة زورًا وبهتانًا أنه أخذ شيئًا من أرضها، فلما كُلِّم في ذلك قال: كيف هذا، وأنا سمعت رسول الله يقول: (( من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طُوِّقه في سبع أراضين يوم القيامة ) )ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، واجعل قبرها في دارها، فعمي بصرها، وسقطت في بئر لها في دارها فماتت.

وأبو معاوية الأسود في مواجهة مع الروم، خرج علج من علوجهم، فكان من أشدهم أذىً على المسلمين، فجاء إليه بعض المسلمين فقالوا: هذا فعل كذا وكذا، فادع الله عليه، فأخذ حربته ودعا فقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] ، ثم قال: أين تريدون؟ قالوا: المذ كير، فرموا بها فما أخطأ موضعهم الذي قالوه، فقتل الله عدوه سبحانه وتعالى.

إن بعض الناس ما زلوا يقولون: وما نفع الدعاء، دعونا فلم يجب الله دعاءنا، وما علموا أنهم ما استوفوا شروط إجابة الدعاء، وأنهم قد دنسوا طريق الدعاء والقبول إلى الله عز وجل بكثير من ضعف اليقين وخور الإيمان، إضافة إلى الإعراض عن الطاعات، والوقوع في المعاصي والسيئات، ونحن نقول هذا حتى نعظم الإيمان في قلوبنا، ثقة بالله سبحانه وتعالى، وإفضاء إليه في مكنون نفوسنا وضعف حالنا، كما كان رسول الله يفعل عند كل مواجهة لعدوه، وعند كل خطب يحل به، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنا البلاء.

ولعلّي ـ أيها الإخوة الأحبة ـ أؤكد أننا نحتاج إلى مثل هذه المعاني، بالأصول والقواعد والأركان والفرائض، أن نكون صرحاء مع أنفسنا، فلسنا في غنى عن التذكير بهذا والتواصي به، بل نحن في حاجة إلى التقريع عليه، والتوبيخ على التقصير فيه، بل نحن في حاجة إلى أن يحزم الأمر، ولو بشيء من الشدة والغلظة، حتى نؤدي هذه الواجبات، ونقوم بتلك الأركان، وليس هذا هو الأمر العملي الذي نتحدث عنه فحسب، فإن الذي ذكرناه الآن إنما هو الدائرة الأولى، الدائرة الأولى في ذات نفسك، ولنا دوائر من بعد دائرة الدعوة والتربية والإصلاح لعموم الأمة.

ودائرة رابعة مهمة، وهي دائرة الوقاية والمقاومة لأعداء الله، وينبغي أن نأخذ الأمور أولًا بأول، فإذا عجزنا عن الأصول، فنحن في الفروع أعجز، وإذا تركنا الواجبات فنحن للتطوعات أترك.

وهكذا، ولئن كنا نريد لأنفسنا الخير، فلنكن على أهبة الاستعداد لنعرف ونصارح أنفسنا بواقعنا، حتى لا يقال: إنه قد كان منا ما كان، ونحن نطلب النهايات، ولم نأتِ بالبدايات، ونرجو النتائج، ولم نأتِ بالمقدمات، ونريد المسببات، ولم نأخذ بالأسباب، فلعلّ الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه ردًا جميلًا.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت