فهرس الكتاب

الصفحة 4268 من 5777

التحذير من السحرة والمشعوذين

الإيمان, التوحيد, الرقاق والأخلاق والآداب

الشرك ووسائله, الكبائر والمعاصي, نواقض الإيمان

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

الرياض

جامع الإمام تركي بن عبد الله

1-مشروعية التداوي. 2- طلب العلاج لا ينافي التوكل. 3- طرق معرفة الساحر. 4- حكم إتيان السحرة والكهان. 5- من شبهات المشعوذين. 6- قصص في السحر والشعوذة. 7- كيفية الوقاية من السحر. 8- خطورة استغلال الخادمات في عمل السحر.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عباد الله، من حكمة الله جلّ وعلا ابتلاؤه بعض عباده بأنواع من الأمراض والأسقام، وهذا الابتلاء لتكفير السيئات، وحطّ الخطايا، ورفع الدرجات، لمن صبر ورضي، واطمأنّ لقضاء الله وقدره.

وربّنا جلّ وعلا شرع لنا تعاطي الأدوية النافعة، الأسباب النافعة، لعلاج أي مرض ما من الأمراض، يقول: (( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه مَن علمه، وجهله مَن جهله ) ) [1] ، وقال: (( تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام ) ) [2] ، وما جعل الله شفاءنا فيما حرّم علينا. والمؤمن حينما يتعاطى أسباب العلاج يتعاطاها مع ثقته بالله ورضاه بقضاء الله وقدره، وعلمه الكامل أن هذه الأسباب لا أثر لها إلا بإرادة الله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29] .

أيها المسلم، فتعاطي المسلم للأسباب لا ينافي توكّله على الله، بل فعله للأسباب من توكّله واعتماده على ربّه، ولكنّ المؤمن حقًّا ينأى بنفسه عن تلكم الأدوية الضارّة، عن تلكم الوسائل الخبيثة، عن تلكم الأسباب المؤذية التي تفسد الإيمان، وتطفئ نورَ الإيمان من القلب.

أيها المسلم، نسمع في أحيان كثيرة عن بعض متعاطي السحر والشعوذة الذين خدعوا الناس وضلّلوهم بما يدّعون عندهم من معرفة العلاج بسائر الأدواء، وأنّ كل داء لا يستصعب علاجه عندهم. هؤلاء السحرة الظَّلَمَة أكلة أموال الناس بالباطل، هؤلاء السحرة الضالون المضلون، الخارجون عن منهج الله المستقيم، لا يجوز للمسلم أن يأتيهم، لا يحلّ له أن يقصدهم ليتعاطى الشفاء على أيديهم، فليس عندهم شفاء، وإنما عندهم الفساد والبلاء، يدّعون الإصلاح وهم المفسدون على الحقيقة: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .

أخي المسلم، العلاج مطلوب ومُرَغَّبٌ فيه، لكن شريطة أن لا يتنافى مع إيمانك، ولا يكون مُصادِمًا لعقيدتك السليمة، وهي توحيد الله وإخلاص الدين له، والبعد عن الشرك قليله وكثيره.

أخي المسلم، قد تتساءل وتقول: كيف لي علم بأنّ هذا الذي يدّعي الرُّقية أنه ساحر، أنه مشعوذ، أنه كاهن، أنه عَرَّاف، أنه مفسد في الأرض؟ نقول: يُعلَم ذلك بحاله ووصفاته الطبّية وحاله في تديّنه وعدم ذلك، فالسحرة والمشعوذون أوّلًا لا دين عندهم، إيمانهم ضعيف أو معدوم، هم قوم غَلَبت عليهم شِقْوَتُهُم وحب الدنيا والتفاني لأجلها، فلا يبالون بعد ذلك ما يصنعون، تعرفهم بِسِيماهُم، فهم أدنس مَلْبَسًا، وأنْتنُهُم رائحة، وأقذرهم مسكنًا، نعم لأن لهم اتصالًا بالشياطين، والشياطين مأواها الحُشُوش والأماكن القذرة، تعرف هذا الساحر والمشعوذ عندما يأتيه المريض، فأوّل سؤال يسأله: اسمك، واسم أمك، اسم أبيك، اسم زوجتك، اسم أخيك، اسم أختك، اسم عائلتك، ثم يفتح لك أيضًا ملفًّا فيقول: حالك كذا وكذا، وفي بيتك كذا وكذا، ولك اتصال بفلان وفلان، إلى آخر ذلك من الأمور المُغَيَّبَة التي يكتسبها من طريق قرينه الشيطان الجني.

ثم وصفاته الطبّية العلاجية وصفات كلها خاطئة، فيأمرون بالذبح لغير الله، ويخصّصون حيوانًا خاصًّا، يقول: اذبحه لغير الله، لا تستقبل به القبلة، لا تذبحه الذبح الشرعي، وإنما يُذبَح خَنْقًا ونحو ذلك. وأيضًا يعطي حُجُبًا فيها مربّعات، طلاسم وكلام لا يُفهم، وألفاظ لا يُدرى ما هي، يأمره بالتكلّم بها والدعاء بها، وفيها استغاثة بالشياطين والتجاء إليهم. يعطيه أوراقًا معيّنة، وأعشابًا معيّنة، يقول: احرقها وتداوَ بدخانها عند غروب الشمس أو عند طلوعها وأوقات معيّنة يحددها له. ربما أمره بالانزواء عن الناس والانفراد عنهم وقتًا، وربما أمره بأن يُلوّث بدنه وملابسه بالنجاسات، وربما زَيّن له تمزيق القرآن، أو التغَوُّطَ على المصحف أو البول عليه، وربما أمره، وربما أمره... لكن كثير من أولئك قد يخفون ما تدعوهم إليه السحرة رجاء أن يكون عند هذا المشعوذ شفاء، وليس عنده والله إلا البلاء، وإن شُفِيت على يده مرّة تعلّقَ قلبك به، ووثقت به، وظننت أنه الطبيب المداوي والمعالج النافع، ولكنّه أفسد دينك، وقضى على إسلامك وهو خير لك من كل ذلك.

أيها المسلم، هؤلاء السحرة حرام على المسلم قصدهم، حرام عليهم إتيانهم، يقول: (( من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) [3] ، ذلك أنهم يدّعون علم المُغَيَّبات، والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ [النمل:65] ، وفي لفظ: (( من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا ) ) [4] ، هذا الساحر مفسد، حدّه في الشرع القتل، فروي قتله عن ثلاثة من الصحابة: جُنْدُب بن عبد الله، وبَجَالَة وحَفْصَة رضي الله عنهم [5] ، وكتب عمر إلى عُمّاله: (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة) [6] ، فوجودهم بلاء، وإتيانهم ضرر، وفساد الدنيا والآخرة، قوم لا خَلاق لهم، وقوم لا دين لهم، إن نظرت إلى دينهم وجدتهم لا دين عندهم، ولا قِيَمَ فضائل عندهم، عندهم البلاء والضرر العام في الدنيا والآخرة.

أيها المسلم، العلاج مطلوب، والسبب مطلوب، ولكن بأي سبب وأي علاج؟ فعلاج فيه منافاة لدين الإسلام هذا ضرر له ولا خير فيه.

كم تأتيهم النساء يطلبن منهم أن يقرّبوهم إلى أزواجهم، ويدّعون قدرتهم على تحبيب المرأة لزوجها والرجل لامرأته! وكل هذا من الباطل، فالمحبة [في القلوب] الله الذي يقذفها لا هؤلاء الضالين. وقد يأتيهم بعض الجهلة ليستعين بهم إلحاق ضرر بهذا وهذا، فبعض النسوة قد تأتيهم لتحثّهم على أن يصنعوا لزوجها ما يُبغّضُ به ضَرّتها، ويُقْبِل بقلبه عليها. وقد يأتيهم قوم من باب العدوان؛ ليلحقوا الضرر بالآخرين، والله يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:58] .

أيها المسلم، إن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فأخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشرك والباطل إلى نور التوحيد، وخَلّصَهم من الخرافات بالحجج الواضحة البيّنات، فيا أيها المسلم، احذر هؤلاء، فلا خير فيهم.

إننا نسمع أحيانًا بوجود سحرة ومشعوذين في مكان كذا وكذا، إنما هي مصيبة في الأمة، والواجب اجتِذاذ هؤلاء، وأن لا يكون لهم شأن، وأن لا يقصدهم المسلم، وأن يعلم أنه إن قصدهم فقد أفسد دينه، فهم لا خير فيهم، ولا علاج عندهم، وإن تظاهروا بما تظاهروا به. أحيانًا يقولون: إن لنا قُرَنَاء من الجن المسلمين يعينوننا، ويبينون لنا، ويكشفون لنا الحقائق، وكل هذا من الجهل والضلال، فإن الشياطين لا يعينون السحرة إلا إذا ذلّ الساحر للشيطان، عبده من دون الله، وأطاعه من دون الله، وارتكب كل الخسائس والدنايا في سبيل إرضاء الشيطان حتى يرضيه فيعينه على الشر والفساد، فيستمتع الجن بالإنس بعبادة الإنس لهم، بسجودهم لهم، بذبحهم لهم، بعبادتهم إياهم، بارتكابهم الرذائل والدنايا لأجل إرضاء الشيطان حتى يعينه على تنفيذ مراده، فأمر بين الشيطان وبين فاسق وظالم وبَشَر لا خير فيه ولا منفعة فيه، فعلى المسلم أن ينتبه لنفسه، وعليه أن يسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، وإذا ابتُلِي فليصبر، وليتعاط الأسباب المأذون فيها شرعًا، ولا يأتي سببًا الله حرّمه عليه، والله أخبرنا عن السحرة أنه لا خَلاق لهم: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102] .

فيا أخي المسلم، نصيحة لله أن تبتعد عن هؤلاء، ولا تثق بهم، ولا تسَتَّرَ عليهم، ولا تستعن بهم، ولا تجعلهم أهل علاج وشفاء، والحذر الحذر منهم، فلا خير فيهم ولا في دوائهم، بل عندهم الداء العُضَال، وليس عندهم دواء ولا شفاء، اطلب الشفاء من رب العالمين، يقول الخليل عليه السلام: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80] ، فاسألوا الله الشفاء من عنده، واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور، وإياك أن تأتي أولئك، أو تثق بهم، أو تحسن الظن بهم مهما قالوا، ومهما تظاهروا، فلو تظاهروا بالتقوى والصلاح وأنت تعلم سيرتهم السيئة ووسائلهم الضارة فلا تثق بهم، فليس عندهم خير.

وليحذر أرباب الرُّقْيَة أن يكذبوا على الناس، أو يخدعوا من يأتيهم بأنواع الخرافات ليبتزّوا أموالهم، ويكثروا السواد عندهم، فلا خير في السحر لا لمن يقدر عليه ولا لمن يدّعيه وهو غير قادر عليه، وليحذر أهل الرُّقْية من هذه الخرافات، وليرقوا المرضى بكتاب الله والمأثور من سنة محمد ، وليحذروا الأكاذيب والأباطيل التي يخدعون بها من يأتيهم ليقوّوا ثقة الناس بهم، ويستلبوا أموالهم، والله يعلم أنهم لا يحسنون شيئًا من هذا، فليتق المسلم ربه في أحواله كلها.

أسأل الله لي ولكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم عافنا في ديننا وأهلينا وأبداننا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا، وأمّن رَوْعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا، ونعوذ بعزّتك أن نُغْتال من تحتنا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه أحمد (1/377) ، وابن ماجه في الطب (3438) مقتصرًا على جزئه الأول، والحميدي (90) ، والشاشي (752) ، وأبو يعلى (5183) ، والطبراني في الكبير (10/163) والأوسط (7036) ، والبيهقي في الكبرى (9/343) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وقد اختلف في رفعه ووقفه، قال الدارقطني في العلل (5/334) :"ورفعه صحيح"، وصححه الحاكم (8205) ، وقال الهيثمي في المجمع (5/84) :"رجال الطبراني ثقات"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (451) .

[2] أخرجه أبو داود في الطب (3874) ، والبيهقي في الكبرى (10/5) ، وابن عبد البر في التمهيد (5/282) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وليس عند ابن عبد البر"عن أم الدرداء"، وثعلبة حديثه حسن في الشواهد، انظر: السلسلة الصحيحة (1633) . وفيه اختلاف آخر فقد أخرجه الطبراني في الكبير (24/254) فجعله من مسند أم الدرداء، قال الهيثمي في المجمع (5/86) :"رجاله ثقات".

[3] أخرجه أحمد (9290، 9536) ، وأبو داود في الطب (3904) ، والترمذي في الطهارة (135) ، والنسائي في الكبرى (9017) ، وابن ماجه في الطهارة (339) ، والدارمي (1136) ، وابن الجارود (107) ، والحاكم (1/8) ، وقال الترمذي:"وضعف محمد ـ يعني: البخاري ـ هذا الحديث من قِبَل إسناده"، ونقل المناوي في الفيض (6/24) تضعيف البغوي وابن سيد الناس والذهبي لهذا الحديث، ووافقهم على ذلك. وله شاهد من حديث جابر أخرجه البزّار (9045 ـ كشف الأستار) ، وجوّده المنذري في الترغيب (3/619) ، وقال الهيثمي في المجمع (11715) :"رجاله رجال الصحيح خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وصححه الألباني في غاية المرام (285) .

[4] أخرجه مسلم في السلام (2230) عن صفية عن بعض أزواج النبي بنحوه.

[5] انظر: تفسير ابن كثير (1/145) .

[6] أخرجه الشافعي في مسنده (1/383) ، وابن أبي شيبة في المصنف (5/562) .

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

عباد الله، يتنوّع خداع السحرة للناس، فيوحُون إليهم قدرتهم على كل شيء، بل ربما قالوا: نحن نحيي الموتى، ونعيد الميت إلى الحياة، ونفعل ونفعل! في زمن جُنْدُب بن عبد الله صاحب النبي كان رجل ساحر عند بعض أمراء ذلك الزمان، وكان يقول لهم: إني أُزِيل رأس الإنسان من جسده، ثم أعيده ثانيًا، وأجرى شيئًا من هذا، والحاضرون معجبون؛ لأن هذا يقتلع الرأس، ثم يعيده ثانية؛ لأنه خيّل على أنظارهم ذلك، فجاء جُنْدُب بن عبد الله سيفه في ردائه، فلما أبصره ضرب عنقه بالسيف، وقال: ليعد رأسه إن كان صادقًا! فتفرّق القوم، وعلموا أن ذلك خداع وضلال [1] ؛ لأن السحرة لا يمكن أن يكافح شرهم إلا ذكر الله.

سُحِر النبي ، سحره اليهودي لَبِيد بن الأعصم، فلما سحره في مِشْط ومِشَاطة، وجعله في بئر يقال لها: بئر ذَرْوَان، خُيّل إلى النبي أنه فعل الشيء وما فعله، وأنه لم يفعله وقد فعله، لكنّ الله عصم الوحي من أن يطَّرَق إليه سحر الساحرين، فرأى النبي في منامه مَلَكين، قال أحدهما: ماله؟ قال: مَطْبُوب، أي مسحور، قال: من سحره؟ قال: لَبِيد بن أعصم في كذا وكذا، فأمر النبي فأخرج ذلك السحر من ذلك البئر [2] . وأنزل الله على نبيه سورتي: قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، فيقول: (( ما استعاذ مُسْتعِيذ بمثلهما، وما سأل الله أحد بمثلهما ) ) [3] . وكان إذا آوى إلى فراشه جمع كفّيه فقرأ فيهما: قل هو الله أحد ، وقل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس ، يمسح بهما رأسه ووجهه وما استطاع من جسده ثلاث مرات [4] . وكان يقول: (( من قرأ آية الكرسي كل ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح ) ) [5] ، وفي أحد المنتديات التي للشرك وأمثاله كان ساحر يروج على الناس هذا الباطل، وأنه يحيي الموتى، ويبتدع الأشياء وإلى آخره، فكان رجل من الحاضرين يقرأ آية الكرسي فبطل سحر ذلك الساحر، وانفضّ المجتمع من غير أن يستطيع ذلك الساحر أن يظهر سحره؛ لأن القرآن الكريم هو أعظم ما يبطل سحر الساحرين، ويقضي عليهم.

إخوتي الأعزاء، أيها المسلم، إن البعض من النسوة أو البعض من ضعفاء العقول من الرجال ربما استغلّوا بعض الخادمات عندهم لكي يأخذوا منهن استعانة للسحر والشعوذة، ثم يُصاب البيت وأهله بهذه الأضرار العظيمة، والنتيجة غالبها إما من المرأة أو من الرجل. أو يكون عند ذلك الرجل فساد وانحلال خلقي مع تلك الخادمات حتى يذهب هيبته من قلبها، فتصنع له من الشر والبلاء عقوبة من الله على انحراف الأخلاق وسوء الأعمال، فليتق المسلمون ربهم، وليكونوا على حذر من هذه الأمور كلها، وليباشروا أمورهم الخاصة بأنفسهم، وليحذروا من أن يسلّموا أشياءهم الخاصة وفرشهم الخاصة لكثير من هؤلاء الذين لا تعلم حقيقة أمرهم، ولا تستطيع فهم كثير من الأمور، فإن المرأة إذا أهملت بيتها، وأهملت فراش زوجها، وأهملت أولادها، واستهانت بتلك الأمور، وألقت بالثقل والمسؤولية على هؤلاء الذين لا يُدرَى عن تربيتهم ولا عن ما هم عليه، فربما أفسدوا ودمّروا البيوت، فيندم الناس ولات حين مَنْدَم.

فيا أيها الإخوة، الحذر الحذر من هؤلاء وأمثالهم، ولنستعذ بالله من شرهم، ولنكثر من الأوراد التي يحفظ الله بها العبد من كيد شياطين الجن والإنس.

أسأل الله لي ولكم العافية في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.

[1] أخرجه البيهقي في السنن (8/136) .

[2] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3268) ، ومسلم في السلام (2189) من حديث عائشة رضي الله عنها.

[3] أخرج نحوه النسائي في الاستعاذة (5432) ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (5020) من حديث ابن عابس الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (( يا ابن عابس، ألا أدُلّك ـ أو قال: ألا أخبرك ـ بأفضل ما يتعوّذ به المتعوّذون؟ ) )قال: بلى يا رسول الله. قال: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، هاتين السورتين ) ).

[4] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (5018) عن عائشة رضي الله عنها.

[5] جاء هذا في الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق (3275) عن أبي هريرة في قصته مع الشيطان الذي أراد أن يسرق من زكاة رمضان، فأرشده إلى أن يقرأ آية الكرسي كل ليلة، وفي آخره قال: (( صدقك وهو كذوب )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت