فقه
النكاح
عمر بن محمد السبيل
مكة المكرمة
المسجد الحرام
1-طريق السعادة. 2- نعمة الزواج. 3- الترغيب في الزواج. 4- اختيار الزوجة الصالحة. 5- التحذير من المرأة السوء. 6- اختيار الزوج الكفء. 7- التحذير من عضل النساء. 8- الحث على تسهيل أمور النكاح. 9- بركة الزواج في صلاح الزوجين. 10- بركة الزواج في يسر المؤونة.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، فإن في تقواه السعادة في الدنيا، والفلاح في الأخرى، فاتقوا الله تعالى في أنفسكم وأهليكم وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ ?لَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَ?لأَرْحَامَ إِنَّ ?للَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1] .
عباد الله:
السعادة في هذه الحياة مطلب عظيم، ومقصد جليل، يسعى إليها كل حي، ينشدها بكل وسيلة، ويطلبها في كل سبيل، غير أن السعادة والطمأنينة في هذه الحياة لا تحصل إلا بما شرع الله عز وجل لعباده، وما أرشدهم إليه من طاعته ومرضاته، والأخذ بما وضع الحق جل وعلا من سنن، وما شرع من أسباب.
وإن مما شرع الله عز وجل من أسباب السعادة وجبل النفوس عليه الارتباط برباط الزوجية، فإنه من أعظم أسباب السعادة في هذه الحياة، وحصول الطمأنينة والسكينة، وهدوء البال وراحة النفس، متى ما تحقق الوئام بين الزوجين، وكتب التوفيق لهما، ولذا امتن الله تعالى على عباده بهذه النعمة فقال سبحانه: وَمِنْ ءايَـ?تِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْو?جًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـ?تٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21] .
وفي الحديث عند الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح أن رسول الله قال: (( أربع من السعادة ) )وعدّ منها (( الزوجة الصالحة ) ) [1] ، وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة ) ) [2] .
فالنكاح من سنن المرسلين، وهدي الصالحين، وقد أمر به ربنا جل وعلا في كتابه بقوله: فَ?نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ?لنّسَاء مَثْنَى? وَثُلَـ?ثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَو?حِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـ?نُكُمْ ذ?لِكَ أَدْنَى? أَلاَّ تَعُولُواْ [النساء: 3] ، كما رغب فيه سيد المرسلين بفعله، وحث عليه بقوله: (( وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ) [3] ، ووجه شباب الأمة إلى المبادرة بالزواج حيثما يجد أحدهم القدرة على تحمل المسؤولية، والقيام بشؤون الحياة الزوجية، حيث قال: (( يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء ) )رواه البخاري ومسلم [4] .
وأرشد مريد النكاح إلى اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين القويم، والخلق الكريم، والمنشأ الطيب، الودود الولود، فقال: (( تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ) )أخرجاه في الصحيحين [5] .
وروى أبو داود والنسائي عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله قال: (( تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم ) ) [6] .
وما عناية رسول الهدى ، وحثه على اختيار المرأة الصالحة إلا لما يؤمل منها من قيام بالحقوق الزوجية، ورعاية شؤون الزوج، وتربية الأولاد، وبناء الأسرة على أسس من التقوى والإيمان.
أما حين تكون الزوجة ضعيفة الديانة، سيئة الخلق، فإنه لا يؤمَّل منها بناء أسرة صالحة، ولا يتحقق بسببها هناءٌ ولا سعادة، بل قد تكون سبب عناء وبلاء على الزوج، ولذا جاء التحذير من الانخداع بجمال المرأة الظاهر، دون نظر إلى الجمال الحقيقي، والمتمثل في الدين ومكارم الأخلاق، وطيب المعشر، فقد روي عنه قوله: (( لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين ) )رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما [7] .
فما هذه التوجيهات النبوية ـ يا عباد الله ـ إلا مظهر من مظاهر عناية الإسلام بأمر النكاح، وتوجيه الزوج نحو ما يحقق له حياة هنيئة، وسعادة زوجية.
أما فيما يتعلق بالزوجة فإن من عناية الإسلام بأمرها ما وجه إليه أولياء أمور النساء من ترغيبهن في النكاح، والحرص على تزويجهن بالأكفاء، وقبول الخاطب إذا خطبهن، والحذر من ردّه متى كان صالحًا في دينه، مستقيمًا في أخلاقه، فقد جعل رسول الله ذلك هو المعيار للقبول أو الردّ، دون اعتبار لغير ذلك من معايير تواطأت عليها بعض المجتمعات، وتعارف عليها بعض الناس، مما لا أصل له في دين الإسلام، بل ربما ترتب عليها من المفاسد والأضرار ما لا يعلمه إلا الله، ولذا قال: (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) )رواه الترمذي وابن ماجه [8] .
وإن مما يُؤسَى له ـ يا عباد الله ـ أن يَعمَد بعض الأولياء إلى عَضْل [9] من تحت ولايته من النساء، من بنات وأخوات، لأطماع مادية، أو لعادات اجتماعية، لا أصل لها في شريعة الإسلام، فيلحق بمولياته من عظيم الضرر، وشديد الحسرة والألم ما الله به عليم.
ألا يتقي الله أولئك الأولياء بهذا الصنيع الذي يستوجب غضب الله تعالى عليهم، ومساءلتهم عنه يوم القيامة، فقد قال: (( كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ) ) [10] .
أيها المسلمون:
لقد شرع الله عز وجل النكاح لمصالح الخلق، وعمارة هذا الكون، ففي النكاح مصالح عظمى، ومنافع كبرى، وإنه بقدر عناية المجتمع وحرص الأمة على أمر النكاح، والسعي في تزويج الناشئة، وتسهيل سبل النكاح، وتيسير أسبابه، يتحقق للأمة ما تؤمل من سعادة أبنائها، وحصول الأمن والطمأنينة في مجتمعاتها.
غير أن الواقع المؤلم أن كثيرًا من المجتمعات المسلمة اليوم قد ابتعدت عن هدي الإسلام، وتشريعاته الداعية إلى تسهيل سبل النكاح، وتيسير أسبابه، حيث يغالي البعض في طلب المهور العالية، والتكاليف الباهظة، ويسرفون في إقامة الولائم والحفلات، ويبذلون في سبيل ذلك الأموال الطائلة، التي تبدد مال الأغنياء وتثقل كاهل الفقراء، مما كان عائقًا لكثير من الشباب عن الإقدام على الزواج، لعجزهم عن أعبائه وتكاليفه، ومما ترتب عليه أيضًا حرمان كثير من الفتيات عن حقهن المشروع في الزواج، وعضلهن عن النكاح بالأكفاء، فكم في المجتمعات المسلمة ـ يا عباد الله ـ من فتيان وفتيات قد حيل بينهم وبين ما جبلوا عليه من الرغبة في النكاح، وبناء الأسرة، والعيش تحت ظلها الوارف [11] ، بسبب تكاليف الزواج الباهظة، أو بسبب ما للعوائق من العادات والتقاليد الاجتماعية المخالفة لهدي الإسلام وتعاليمه، مما أدى إلى مفاسد وأضرار عظمى في بعض المجتمعات المسلمة، وانحراف بعض الناشئة عن طريق العفاف والفضيلة.
ألا فلتتقوا الله ـ عباد الله ـ ولتتضافر منكم الجهود، ولا سيما من ذوي التأثير في المجتمع من العلماء والوجهاء، والمصلحين والمفكرين، وحملة الأقلام ورجال الإعلام، في الحث على تسهيل أمور النكاح، وتيسير أسبابه ووسائله، ونشر الوعي العام بذلك في المجتمعات المسلمة، تحقيقًا لمصالح الأمة، ودرءًا للأضرار والأخطار عنها، فقد قال الله عز وجل: وَأَنْكِحُواْ ?لأيَـ?مَى? مِنْكُمْ وَ?لصَّـ?لِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ ?للَّهُ مِن فَضْلِهِ وَ?للَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور: 32] .
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان في صحيحه [4032] والبيهقي في الشعب (7/82) من حديث سعد بن أبي وقاص، وصحح الألباني سنده على شرط الشيخين: السلسلة الصحيحة [282] . وأما لفظ أحمد في المسند (1/168) فهو: (( من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة... ) )إلى آخر الحديث، وصححه الحاكم (2/162) .
[2] أخرجه مسلم في كتاب الرضاع [1467] .
[3] أخرجه البخاري في كتاب النكاح [5063] ، ومسلم في كتاب النكاح [1401] من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري في كتاب الصوم [1905] ، ومسلم في كتاب النكاح [1400] من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري في النكاح [5090] ، ومسلم في كتاب الرضاع [1466] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[6] أخرجه أبو داود في كتاب النكاح [2050] ، والنسائي في كتاب النكاح [3227] ، وصححه ابن حبان [4056، 4057 ـ الإحسان ـ] ، والحاكم (2/162) ، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ في الفتح (9/111) ، والألباني في صحيح سنن أبي داود [1805] .
[7] أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح [1859] ، والبيهقي في السنن الكبرى (7/80) ، والبزار في مسنده (6/413) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب [1209] .
[8] أخرجه الترمذي في كتاب النكاح [1084] ، وابن ماجه في كتاب النكاح [1967] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم (2/164ـ 165) ، وتعقبه الذهبي بأن فيه عبد الحميد بن سليمان قال فيه أبو داود: كان غير ثقة، وفيه أيضًا ابن وثيمة لا يعرف. ثم اختلف في إسناده، فنقل الترمذي عن البخاري أنه يرجح انقطاعه. ولكن للحديث شواهد يتقوى بها. ولذا حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة [1022] .
[9] العضل هو التضييق ومنع المرأة من الزواج ظلمًا.
[10] أخرجه البخاري في كتاب الجمعة [893] ، ومسلم في كتاب الإمارة [1829] ، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[11] أي الواسع.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على فضله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه سبحانه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.
صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى في كل ما تأتون وتذرون، وتلمسوا أسباب الخير والبركة في كل ما تريدون وتقصدون.
ولتعلموا أن أقوى الأسباب في حلول البركة في الزواج، وحصول التوفيق فيه صلاح الزوجين واستقامتهما على طاعة الله ومرضاته، وتحليهما بآداب الإسلام وشمائله، وتيسير مؤونة النكاح وتكاليفه، والبعد عن مظاهر الإسراف فيه، فذلك كله من أقوى العوامل، وأجدى الوسائل في حصول السعادة والتوفيق في الحياة الزوجية، فقد قال في معرض التوجيه للأمة للأخذ بأسباب البركة والتوفيق في النكاح: (( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة ) )رواه الإمام أحمد وغيره [1] ، وروى أهل السنن عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم به رسول الله ) [2] .
فاتقوا الله عباد الله، ولتعلموا على العناية بتزويج الناشئة، وتيسير أسباب النكاح عليهم، كي يقدموا عليه بارتياح وطمأنينة، ويقيموا أسرًا صالحة، تكون لبنة عاملة في الأمة، إذ بهذا تصلح المجتمعات وتسعد الأمة، ويتحقق لها ما تؤمل من عزّ أبنائها، ورقي مجتمعاتها، واستقامة شؤونها وصلاح أحوالها.
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم بذلك المولى جل وعلا فقال: إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد إمام المتقين، وسيد الأولين والآخرين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعملون، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك يا أكرم الأكرمين.
[1] أخرجه أحمد (6/145) ، والنسائي في الكبرى (5/402) والبيهقي في السنن (7/235) ، من حديث عائشة رضي الله عنها. وصححه الحاكم (2/178) ، ووافقه الذهبي، وفي سنده ابن سخبرة لا يدرى من هو. ولذا ضعف الألباني هذا الحديث في السلسلة الضعيفة [1117] .
[2] أخرجه أحمد (1/40 ـ 41، 48) ، وأبو داود في كتاب النكاح [2106] والترمذي في كتاب النكاح [1114] ، والنسائي في كتاب النكاح [3349] ، وابن ماجه في كتاب النكاح [1887] ، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"وصححه ابن حبان [4620 ـ الإحسان ـ] ، والحاكم (2/175 ـ 176) ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود [1852] .