فهرس الكتاب

الصفحة 4863 من 5777

عيد الفطر 1427هـ: تباشير تلوح في الأفق

العلم والدعوة والجهاد

قضايا دعوية

وليد بن وصل المغامسي

جدة

مسجد الإمام أبي حنيفة

1-شدة حال المسلمين في غزوة الأحزاب. 2- حقد المنافقين. 3- البشارة العظيمة. 4- سر تهجم الغرب على الإسلام والمسلمين. 5- روح التفاؤل. 6- كلمات للمرأة المسلمة. 7- قصة تبرج المرأة في تركيا.

أما بعد: معاشر الإخوة الكرام، إننا نخطب، فمن شاء فليبق، ومن شاء فلينصرف ولا تثريب عليه؛ فقد كان رسولنا إذا انتهى من صلاة العيد يقول: (( إننا نخطب، فمن أحب أن يستمع الخطبة فليستمع، ومن أحب أن ينصرف فلينصرف ) ).

أيها الإخوة الفضلاء، أقلب معكم صفحات تاريخنا المجيد، وأذهب بكم إلى العام الرابع لهجرة النبي إلى المدينة النبوية، المدينة محاصرة من جميع أطرافها، الجيوش العربية المعتبرة تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، وكأن العرب رمتها عن قوس واحدة، واليهود من داخل المدينة نكثوا عهودهم وغدروا بالمسلمين، المنافقون وجدوها فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم، وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة، وقد أزاحوا عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، أي: أن الجبهة الداخلية في وضع خطير، والمسلمون في حال كرب وضيق وخوف شديد، حتى اضطربت مشاعرهم، واختلجت قلوبهم، وذهبت حالتهم المعنوية كلّ مذهب. ولا شك أن الأمر مرعِب والخطب جلل والكرب مزلزل، يصوره لنا كتاب ربنا في هذه الآيات القصيرة المعبرة: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:10، 11] .

وفي هذه الساعات الرهيبة والرسول مع أصحابه في الخندق حتى إنهم لم يكونوا يأمنون أن ينقضّ عليهم المشركون من قبل الخندق أو أن تميل عليهم يهود في أية لحظة، وهم قلة بين هذه الجموع التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة، وبهم من الخوف والجوع ما الله به عليم، ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف. في تلك الساعات العصيبة واللحظات اللهيبة كان النبي يستشرف النصر من بعيد ويراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول التي حفرت الخندق، ويبث النبي في تلك القلوب التي خالط بشاشتها الإيمان واهتدت بنوره الثقة واليقين، ويحدثهم حديث الواثق المطمئنّ عن المستقبل الرائع لهذا الدين وعن الغد المشرق للإسلام والمسلمين، يحدثهم عن فتح بلاد كسرى وبلاد قيصر وبلاد اليمن، حديث المتفائل الموقن بموعد الله، حديثا أثار أرباب النفاق وهم دائما كذلك يغيظهم ويحرق قلوبهم الحديث عن مستقبل هذا الدين، فقال أحدهم في ضيق وحنق مصوّرًا حالة المنافقين جميعًا: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.

نعم، إنه سم الحقد والتشاؤم الذي تلفظه قلوبهم السوداء المنتنة في كل مكان وزمان لإفساد كل عمل يقوم به المنتمون لهذا الدين العظيم، ولكن ترياقه بإذن الله هو بثّ اليقين بمعية الله تعالى وتوفيقه للمتوكلين الصادقين، وتعميق الإحساس بقدرة الله تعالى وعظمته، وبنصره الذي يلوح في الأفق.

نعم أيها الإخوة المؤمنون، بشارة عظيمة وتفاؤل كبير في أحلك الظروف وأقسى الأزمات، وكما بشرهم صلوات ربي وسلامه عليه بأبي هو وأمي بفتح بلاد قيصر وكسرى وقد كان يبشرنا نبينا بفتح آخر، يبشرنا نبينا بأن هذا الدين سوف يضيء نوره كل بقعة وكل زاوية في هذه الأرض بعزّ عزيز أو بذل ذليل، فعن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزًا يعزّ الله به الإسلام، وذلًا يذلّ به الكفر ) ).

نعم أيها الإخوة في الله، سيعمّ هذا الدين أرجاء الأرض كلها، شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، سهولها وجبالها، صحاريها وتلولها، سيدخل كل بلد وكل مدينة وكل قرية وكل بيت حتى وإن كان من مدر ووبر بعز عزيز أو بذل ذليل.

ولا شك ولا ريب أن موعود رسول ربنا بدأت تباشيره تلوح في الأفق، وأنواره تسطع من بعيد؛ لأنه دين الفطرة، وسمتُه البارزة وعلامته المسجّلة نشرُ الحق وهداية الخلق. انظروا إليه وهو ينساب رقراقا في جنبات الأرض، انظروا إليه وهو يحتضِن كلَّ يوم ثلّة من الضالين وجمعا ممن كانوا بالأمس أعداء للدين، انظروا إليه وهو يحيي بنوره قلوب قوم كانوا من قبله قوما كافرين، انظروا إليه وهو يشعل جذوة من همم أبنائه الغافلين، وإلا فما سرّ تهجّم الغرب على ديننا؟! ما سرّ تهجم أحبارهم ورهبانهم على نبينا ؟! ما سرّ الاستهزاء بنبيّنا وديننا في الصحف النرويجية والفرنسية والدنمركية وغيرها؟! ما سرّ تشويه مبادئ الإسلام في دولهم؟! ما سرّ الحرب الشعواء على الإسلام والمسلمين في كل مكان تحت ما يسمّى بحرب الإرهاب والإسلام الفاشي؟! ما سرّ الإيعاز لأربابهم ومستولدِيهم من المنافقين في بلادنا بتشويه مفاهيم الإسلام والاستهزاء بأهله وإسقاط علمائه ودعاته؟! وما سر الهجمة الجبانة على الحجاب في فرنسا وبريطانيا؟! وما سر الإسلام الجديد المفصَّل على الطريقة الأمريكية الذي يراد لنا أن نلبسه؟! ما سرّ الهجمة الشرسة على الشرفاء من أبناء فلسطين الذين جاؤوا عبر صناديق الاقتراع التي هي بضاعة الغرب وواحدة من صادراتهم ومحلّ الثقة والتقدير لمن يفوز عبر بوابتها؟! إلا أنّهم يكفرون بالحرّيّة والديمقراطيّة إذا طارت أسهمها للمسلمين, وينكرون العدل والمساواة إذا اتجهت رياحها نحو المسلمين، ما سر كل هذا؟! إنه العودة الصادقة من المسلمين إلى دينهم وكتاب ربهم، إنه الإسلام الذي بدأ يغزوهم في ديارهم ويعتنقه بنو جنسهم.

نعم أيها الإخوة، ما فتئت مراكز الأبحاث والدراسات عندهم تحذر من سرعة انتشار الإسلام في مجتمعاتهم، وما كلّ مفكريهم من دقّ نواقيس الخطر من اجتياح الإسلام لدولهم، ونياحهم بأن القارة الأوروبية ستصبح خلال عدة عقود قارة إسلامية، ووالله إن ذلك خير لهم في دنياهم وأخراهم، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64] .

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

أيها الإخوة النبلاء، ما أحوجنا ونحن في عيد من أعياد هذه الأمّة لبثّ روح الأمل في نفوسنا، وما أجمل أن تتعانق فرحتنا بالعيد مع إيماننا بوعد الله ورسوله لتحرق أنوار اليقين في قلوبنا كل ظلام نسجه اليأس أو صبغه الشيطان في قلوب المسلمين، وما أروع أن نتذكر بفرحتنا بالعيد فرحتنا بعزّ هذا الدين وظهور أهله وانتصار أوليائه، ما أجمل أن نتذكّر بفرحتنا بالعيد فرحتنا بصَغار أعداء الدين وذلهم، ما أجمل أن نجعل من تلك الجراح النازفة ثغورًا تبتسم بالعز والتمكين في القريب العاجل، وأن نجعل من هذه الدماء التي تراق في كل مكان ينبوعا يسقي شجرة الإسلام لتورق وتزهر من جديد، ما أجمل أن تكون هذه الأيام قنطرة عبور لنا نحو التفاؤل الإيجابي المقرون بالجد والعمل والمثابرة؛ التفاؤل الإيجابي الذي يجعلنا نبذل الغالي والرخيص لنشر هذا الدين؛ التفاؤل الإيجابي الذي جعل صحابيا كعمير بن الحُمام يلقي التّمرات من يديه ويسارع إلى جنّة عرضها كعرض السموات والأرض ويغمس نفسه في العدو؛ التفاؤل الإيجابي الذي جعل صحابيا كسعد بن معاذ يهتزّ لموته عرش الرحمن؛ التفاؤل الإيجابي الذي جعل صحابيا كأبي أيوب الأنصاري قد تجاوز التسعين من عمره ينفر في سبيل الله مستشهدا بقول الله: انفِرُوا خِفَافًا وَّثِقَالًا ويدفن على أسوار القسطنطينية؛ التفاؤل الإيجابي الذي جعل صحابيا أعرج كعمرو بن الجموح يقاتل في أحد ويقول: والله، إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة؛ التفاؤل الإيجابي الذي جعل نبينا يشيد أعظم حضارة عرفها التاريخ وأعظم أمة بسطت العدل والقسط في جنبات الأرض، التفاؤل الإيجابي الذي يجعلنا نوقف أنفسنا في سبيل الله عز وجل ونتمثل قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

أيتها الأخوات الفاضلات، اقتداء بنبينا وحبيبنا الذي كان يختصّ النساء بكلمات في خطبة العيد أخصكن بهذه الدقائق.

إنني لا أريد فيها أن أذكّركنّ بسيرة خديجة رضي الله عنها وأرضاها التي ألقى الله عليها سلامه من فوق سبع سموات وبشرها ببيت في الجنة، ولا أريد أن أذكّركنّ بسيرة مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها وصدقت بكلمات ربها وكتبه، ولا أريد أن أذكركنّ بامرأة فرعون التي قالت: رب ابني لي عندك بيتا في الجنة، إنما أريد أن أذكرك أيتها الأبية بأنك حجر الزاوية في المجتمع، وأنكِ قبس في البيت مضيء وجوهرة تتلألأ، أنت مربية الليوث القادمة والحصن المنيع ضدّ تيارات التغريب والفساد وتيار الرذيلة، يعلم ذلك جيدا؛ لذلك هم يشنّون عليك حربًا ضروسًا لا هوادة فيها، يشنون حربا على دينك وعلى أفكارك وعلى مبادئك وعلى حجابك وعلى عفافك.

أيتها الأخت المؤمنة، قلبي صفحات التاريخ الموثقة فهي أصدق من ينبئك عن أهداف هؤلاء المجرمين والمستقبل المظلم لمن تمشي في ركابهم، أتعلمين ـ أيتها الأخت العفيفة ـ أن المرأة التركية كانت إلى أواخر الخلافة العثمانية ملتزمة بدينها وحجابها؛ حتى إن المرأة التي ترتدي العباءة المطرّزة أو النقاب الشفاف مستهجنة ومخالفة لقانون الدولة، وإن شئت فارجعي إلى الفرمان الصادر عام 1895م الذي يؤكد على منع العباءات المطرزة والنقاب الخفيف والشفاف، ويؤكد على التزام الحجاب الشرعي، وذلك بعد ظهور بعض النساء الماجنات المفتونات بالغرب. وتمر الأيام ويسيطر يهود الدونمة وأربابهم من المنافقين على إعلام الدولة ومؤسساتها الثقافية ويعيثون فيها فسادا وانحلالا؛ أجلبوا بخيلهم ورجلهم على المجتمع المسلم الذي لم يقف سدا منيعا أمام فسادهم وخبثهم، حتى استطاعوا أن يغيروا ملامح الدولة التركية المسلمة إلى دولة مفتتنة بالغرب وحياته البائسة، إلى أن توّجوا انتصارهم في عام 1923م عندما دعت الصحف التركية المشهورة النساء التركيات المسلمات للمشاركة في مسابقة ملكات جمال العالم، مستخدمة كل أساليب الدعاية والإغراء في ذلك، حتى تقدمت أشقاهن وشاركت في تلك المسابقة وبطريقة أو أخرى فازت هذه الفتاة التركية المسلمة بلقب ملكة جمال العالم وسط حفاوة غربية عجيبة ومستغربة. أتعلمين ـ يا أختاه ـ ماذا حصل بعد ذلك؟ صعدت هذه الشقية إلى المسرح وهي ترتدي المايوه، وحضر رئيس اللجنة الأوربية وألقى خطبة أدعوك للتأمل والتدبر فيها. كان مما قاله في خطبته:"أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوروبا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400 سنة، إن كريمان خالص ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة، ها هي كريمان خالص حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا بالمايوه، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا". ثم أخذ يستطرد في الحديث فقال:"ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني سليمان القانوني من فنّ الرقص الذي ظهر في فرنسا عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخّل لإيقافه خشية أن يسري في بلاده، ها هي حفيدة السلطان المسلم تقف بيننا ولا ترتدي غير المايوه، وتطلب منا أن نعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أعجبنا بها مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبل الفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلترفع الأقداح تكريمًا لانتصار أوربا".

أرأيت ـ أختاه ـ نهاية الطريق الذي يريدك هؤلاء أن تسيري فيه وقعر المستنقع الآسن الذي يسعون لإغراقك فيه؟!

أيتها الأخت الأبية، إنني أدعوك للاقتداء بسير المؤمنات الصالحات اللاتي سطرنا سيرا يشرف التاريخ بحملها ويتبختر الزمان بروايتها، كسيرة الصحابية أم شريك التي آمنت وعذبت وجوعت وألقيت في الحر وهي في شبه إغماء من الجوع والعطش، ولما حاولوا ردها إلى الكفر قالت: اقتلوني ولن أعود للكفر أبدا، وبينما هي في حالة إغماء أحست بشيء رطب على فمها وهي مقيدة ومربوطة في الشمس، فنظرت فإذا دلو من السماء نازل لكي تشرب منه؛ سقاها الله كرامة لها، ولما عرف قومها الحقيقة عرفوا أنها على الحق وأنهم على الباطل، ففكوا وثاقها وحبالها وقالوا لها: فلننطلق إلى رسول الله لنعلن إسلامنا. وسيرة تلك المرأة التي استوقفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فوقف لها فقالت له: يا عمر، كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب. وهو واقف يسمع لكلامها، فقيل له في ذلك فقال: والله، لو حبستني من أول النهار إلى آخره ما تحركت من مكاني، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟! وغيره من السير العطرة التي ملأت الدنيا عبقا وعطرا.

أسأل الله عز وجل أن يحفظك من كل سوء ومكروه، وأن يجعلك سدّا منيعا في وجه كل مفسد وجبلا ثابتا شامخا في وجه رياح الفتن والتغريب.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت