العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القرآن والتفسير, القصص
ياسر بن محمد بابطين
جدة
جامع الأمين
1-أهمية الإيمان وفضله عند الشدائد. 2- الميزان الحق. 3- قصة أصحاب الأخدود.
أما بعد: أيها المؤمنون، يا طرف الجسد الذي تكوي الصهيونية طرفه الآخر، يا بقية الدم الذي يريقه اليهود في فلسطين ولبنان، أيتها القلوب المحترقة غيظا وألَمًا لِما يحلّ بها هناك وإن كانت الأجساد هنا، حين تشتد وطأة الظلم على المستضعفين ويجثم الليل على طريق المظلومين فليس للقلوب بلسم كالإيمان، الإيمان الذي يقطر من آي القرآن، فيغسل القلوب بماء اليقين، ويغرس فيها الأمل الذي يستشرف الغد الحقيقي في ظل العدالة الكبرى يوم يقوم الناس لرب العالمين، فهلُمَّ نقف وقفات سريعة مع قصة قصها الله على المؤمنين المستضعفين في مكة، نستلهم بعض معانيها، ونستشرف بعض آفاقها؛ لنكون في ظل المحنة التي نعيشها اليوم كما يريد ربنا أن نكون.
يقول تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ [سورة البروج] .
إنها قصة فئة آمنت بربها، ثم تعرّضت للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق الإنسان في أن يؤمن بالله العزيز الحميد، قلوبٌ امتلأت بحبّ الله وإيثار الله والرضا بالله، ارتفع الإيمان بها على الفتنة فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة، ولم تفتن عن دينها وهي تحرق بالنار حتى تموت.
وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخيِّرة الكريمة كانت هناك قلوب جاحدة مجرمة لئيمة، جلس أصحابها على النار يتلهّون بمنظر الحياة تأكلها النار، والأناسي الكرام يتحوّلون وقودًا وترابًا. وكلما ألقي في النار فتى أو فتاة شيخ أو عجوز أو حتى تلك الأُمّ التي تحمل رضيعها، كلما ألقي مؤمن ومؤنة ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة، وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء.
وفي حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان، وأن هذا الإيمان لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان، فالآيات وروايات القصة لا تذكران أنّ الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة كما أخذ قوم نوح، وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ، فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
في حساب الأرض تبدو خاتمة الصراع بين الحق والباطل في قصّة الأخدود أسيفة أليمة؛ عُذّب فيها المؤمنون وحرِّقوا، ونجَا الظالمون وأفلتوا، إن حساب الأرض يحيك في الصدر شيئا أمام هذه الخاتمة الأسيفة. ولكن القرآن يعلِّم المؤمنين شيئًا آخر، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى، ويبصّرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها، وبمجال المعركة التي يخوضونها.
إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام أو متاع وحرمان ليست هي القيمة الكبرى في الميزان، وليست هي السلعة التي تقرر حساب الربح والخسارة، ثم إن النصر ليس مقصورًا على الغلبة الظاهرة، فهي ليست إلا صورة واحدة من صور النصر الكثيرة.
إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة، وإن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان، وإن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة.
إن الناس جميعًا يموتون، وتختلف الأسباب، ولكنهم لا ينتصرون جميعًا هذا الانتصار، ولا يرتفعون هذا الارتفاع، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى تلك الآفاق، إنما هو اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت، وتنفرد دون الناس في المجد، المجد في الملأ الأعلى، بل وفي دنيا الناس أيضًا.
ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها، وليس هو الحياة الدنيا وحدها، وشهود المعركة ليسوا هم الناس وحدهم، إن الملأ الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها، ويزنها بميزان غير ميزان الأرض، وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق. وبعد ذلك كله هناك الآخرة، وهي المستقر وخاتمة طريق الدنيا ونهاية مطاف أهلها.
فالمعركة إذًا لم تنته، وخاتمتها الحقيقية لم تجئ بعد، والحكم عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح؛ لأنه حكم على الشطر الصغير منها والشطر الزهيد.
هكذا تكون قد اتصلت حياة الناس بالملأ الأعلى، واتصلت الدنيا بالآخرة، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر والحق والباطل والإيمان والطغيان، ولم تعد الحياة الدنيا هي خاتمة المطاف، ولا موعد الفصل في هذا الصراع، ولا القيمة العليا في الميزان.
لقد انفسح المجال في المكان، وانفسح المجال في الزمان، وانفسح المجال في القيم والموازين، واتسعت آفاق النفس المؤمنة، وكبرت اهتماماتها، فصغرت الأرض وما عليها والحياة الدنيا وما يتعلق بها، وكبر المؤمن بمقدار ما رأى وما عرف من الآفاق والحيوات.
نتألم كثيرا حين نرى إخواننا يُقتّلون تِباعا في وحشية وهمجية يغذيهما الحقد الصهيوني الصليبي، نحزن كثيرا على الأبرياء الذين تراق دماؤهم لأنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، نذرف الدمع على قوافل الشهداء في طول العالم وعرضه، ونتمنى لو كانوا مكاننا في الأمن والدعة والرخاء، أما هم فإنهم أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يودّ أحدهم لو رد إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة أخرى لما يرى من الفضل والكرامة عند رب العالمين.
لقد ربى القرآنُ المستضعفين في مكة على هذه المعاني الجليلة، لا لييأسوا من الجولة الأولى على هذه الأرض، أو يكفوا عن الإعداد للنصر والفتح القريب، وينتظر كل واحد منهم منزله من الجنة يوم يُقتل شهيدا، كلا، فإن الله جل في علاه قد وعدهم بالنصر هنا وهناك، في الدنيا والآخرة، إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ، لكننا يجب أن نرى آفاق المعركة كاملة، ونعي صورَ النصر كلها، فلا يغرنا تقلب الذين كفروا في البلاد لأنه مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ، ولا تهزّنا التضحيات ولا ما يسمونه خسائر في الأرواح أو الممتلكات، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ، ولا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، ولا تضحية تضيع عند الله، فلا ضير إذًا أن تذهب أجيالٌ ولمَّا ترَ النصر الموعود، ولما تذق ثمرة المقاومة والكفاح الطويل، فالمهم أنها بذلت وستلقى عند الله ثوابها في مقام كريم.
تبدأ هذه السورة بقسم وثيق الصلة بهذا المعنى العميق الذي تغرسه الآيات في قلوب المؤمنين، فتربط بين السماء وما فيها من بروج هائلة، واليوم الموعود وأحداثه الضخام، والحشود التي تشهده والأحداث المشهودة فيه. تربط بين هذا كله وبين هذا الحادث الذي جرى على هذه الأرض، فتلتقي السماء ذات البروج واليوم الموعود والشاهد والمشهود. تلتقي جميعا في إلقاء ظلال الاهتمام والاحتفال والاحتشاد والضخامة على الجو الذي يعرض فيه بعد ذلك حادث الأخدود، وتوحي جميعا بالمجال الواسع الشامل الذي يوضع فيه هذا الحادث، وتوزن فيه حقيقته، ويصفى فيه حسابه، إنه مجال أكبر من مجال الأرض، وأبعد من مدى الحياة الدنيا وأجَلها المحدود.
ثم تبدأ الإشارة إلى الحادث بإعلان النقمة وغضب الله على الفعلة وفاعليها، قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ، الوقود الذي يؤجّجها من الحطب وأبدان الناس، وتلتحم لحظة اللعن والغضب بلحظة الجريمة البشعة؛ لأن الله لعنهم، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ، فقد لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين, يشاهدون أطوار التعذيب وفعل النار في الأجسام في لذة وسعار, كأنما يثبتون في حسهم هذا المشهد البشع الشنيع.
ثم تأتي حقيقة الصراع في قوله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. إنها حقيقة ينبغي أن يتأمّلها المؤمنون في كل أرض وفي كل جيل.
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة، وليست شيئًا آخر على الإطلاق. إن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان، ولا يسخطون منهم إلا العقيدة. إنها ليست معركة سياسية ولا اقتصادية ولا عنصرية، ولو كانت شيئًا من هذا لسهل وقفها، وسهل حلّ إشكالها، ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان، إما جاهلية وإما إسلام.
ولئن كانت الصليبية والصهيونية فيما مضى تحاولان أن تخدَعانا عن حقيقة المعركة لننصرف عن سلاح النصر الحقيقي فيها، فماذا بقي وقد سقطت الأقنعة وانكشف النقاب عن وجه الكيد والحقد الذي يؤجّج الصراع في كل شبر يوحّد الله، وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ.
أقول ما تسمعون...
بعد أن عرضت الآيات أحداث القصة عرضًا سريعا مشحونا بالإشارات إلى ما يخفى على عيون البشر ويغيب عن أذهانهم وهم يستعرضون الحدَث، بعد هذا يشير السياق إلى ملك الله في السماوات والأرض وشهادته وحضوره تعالى لكلّ ما يقع في السماوات والأرض الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
إنها لمسةٌ تُطمئن قلوب المؤمنين, وتهدّد العتاة المتجبرين، فالله كان شهيدا، وكفى بالله شهيدا.
إن الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدنيا ليس خاتمة الحادث، وليس نهاية المطاف، فالبقية آتية هناك، والجزاء الذي يضع الأمر في نصابه ويفصل فيما كان بين المؤمنين والطاغين آتٍ لا محالة؛ لذا تنقل الآيات رحى المعركة إلى الجولة الأخيرة منها، الجولة التي لم تشهدها هذه الأرض، الجولة التي يُصفَى فيها الحساب من كل جبار غرّته دنياه وغره حِلم الله وإمهاله.
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، فتنوهم ومضوا في ضلالتهم سادرين، لم يندموا على ما فعلوا، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ، وما أوسع رحمة الله وهي تظلّ هذا الخطاب المليء بالغضب والنقمة والتهديد من الجبار المقتدر، لتفتح باب الأمل أمام التائبين النادمين وإن كانوا في ماضيهم طغاة جبارين، أما إذا لم يتوبوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ، وينص على الحريق وهو مفهوم من عذاب جهنم، ولكنه ينطق به وينصّ عليه ليكون مقابلا للحريق في الأخدود، وبنفس اللفظ الذي يدلّ على الحدث، ولكن أين حريق من حريق في شدته أو في مدته؟! حريق الدنيا بنار يوقدها الخلق، وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق. حريق الدنيا لحظات وتنتهي, وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله. ومع حريق الدنيا رضا الله عن المؤمنين والانتصار والرفعة، ومع حريق الآخرة غضب الله والارتكاس الهابط الذميم.
هذه خاتمة الطغيان تقابلها خاتمة الإيمان يحفها رضا الله وإنعامه، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ، ولئن كانت النجاة من عذاب الآخرة فوزا فكيف بالجنات تجري من تحتها الأنهار?! إنه ليس فوزا فحسب، ولكنه الفوز الكبير كما يصفه العلي الكبير سبحانه.
بهذه الخاتمة يستقر الأمر في نصابه، وهي الخاتمة الحقيقية للموقف، فلم يكن ما وقع منه في الأرض إلا طرفا من أطرافه، لا يتم به تمامه، وهذه هي الحقيقة التي غرستها الآيات لتستقر في قلوب المؤمنين المضطهدين في مكة حين نزلت الآيات، ثم في كل وقت ومكان يفتن فيه المؤمنون، حتى تستقر في قلوب المؤمنين في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان، وفي قلوب كل من يؤلمه مصاب المؤمنين هناك.
ثم يعقب سبحانه على الحدث بعد أن تكاملت صورته فيقول: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ، وإظهار حقيقة البطش وشدته في هذا الموضع هو الذي يناسب ما مرّ في الحادث من مظهر البطش الصغير الهزيل الذي يحسبه أصحابه ويحسبه الناس في الأرض كبيرا شديدا، فالبطش الشديد هو بطش الجبار الذي له ملك السماوات والأرض، لا بطش الضعاف المهازيل الذين يتسلّطون على رقعة من الأرض محدودة, في رقعة من الزمان محدودة.
وتلقي كلمة (رَبِّكَ) المضافة إلى المخاطب ظلالا من الأمن والاطمئنان يحفّ ذلك المؤمن الذي يستنصر ربه ذا البطش الشديد.
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ، ففي كل لحظة بدء وإنشاء, وفي كل لحظة إعادة لما بلي ومات، وفي ظل هذه الحركة الدائبة الشاملة يبدو حادث الأخدود مسألة عابرة في واقع الأمر وحقيقة التقدير، إلا أن بعده إعادة في ظل العدالة الحقيقية يوم يقوم الأشهاد.
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ، الحبيب لعباده المؤمنين الرؤوف بهم، ألا هانت الحياة، وهان الألم، وهان العذاب، وهان كلّ غال عزيز, في سبيل لمحة رضا ونفحة حبّ يجود بها المولى الودود ذو العرش المجيد.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، فهو يريد مرّة أن ينتصر المؤمنون به في هذه الأرض لحكمة يريدها، ويريد مرة أن ينتصر الإيمان على الفتنة وتذهب الأجسام الفانية لحكمة يريدها، يريد مرة أن يأخذ الجبارين في الأرض، ويريد مرة أن يمهلهم لليوم الموعود؛ ولذا يُذَكِّر جل في علاه بمشاهدَ أراد فيها أن يُهلك الطغاة في الدنيا، فأهلكهم وهم مدججون بالسلاح محفوفون بالقوى، ولكنها قوى البشر الهزيلة الضعيفة أمام قوة القوي العزيز ذي البطش الشديد، هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ، هل أتاك حديثهم?! وكيف فعل ربك بهم ما يريد?! ما يريد هو وحده لا ما يريد العباد، فلله حكمة وراء كل أمر يقضيه وقدر يجريه، فهو مدبر هذا الكون كله، المطلع على أوله وآخره، المقدر لأحداثه، وهو وحده الذي يعرف الحكمة المكونة في غيبه المستور.
لقد أغرق فرعون ذا الأوتاد بين الأمواج التي أفسحت الطريق لينجو المؤمنون، وأهلك ثمود بالصيحة فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا ، ونجى صالحا والذين آمنوا برحمة منه، ومع كل هذه الحقائق التي شهد بها التاريخ الماضي والواقع الحاضر وسيشهد عَليها الغد الموعود إلا أن الكفر سادر في غيه مغرور بما بين يديه، ولكن الله تعالى بالمرصاد، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ.