فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 5777

نظرات في سورة القلم

العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ

السيرة النبوية, القرآن والتفسير

محمود بن عمر مشوح

الميادين

أبو بكر الصديق

1-الحروف المقطعة تنبيه إلى إعجاز القرآن. 2- حديث عن معجزة القرآن وأثره في النفس

البشرية. 3- الربط بين سورتي العلق والقلم. 4- استخدام القلم بالخير والشر فهل تدخل الأقلام

الشريرة وآثارها في قسم الله. 5- معرفة العرب الوافرة بالشعر والكهانة. 6- الرد على قريش

الجنون إلى النبي.

أما بعد:

أيها الأخوة المؤمنون, فلقد قضينا الجمعتين السالفتين في الحديث عن سورة العلق.

نحن اليوم نستقبل سورة القلم بعد أن أنجزنا الحديث عن سورة العلق, فماذا في هذه السورة مما كلف به النبي والمؤمنون, يقول الله تبارك وتقدس: ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرًا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين , هؤلاء الآيات هي فاتحة السورة الكريمة فلننظر فيها على سبيل الإجمال والاختصار.

أما قوله تعالى: ن هذا الحرف المفرد أحد الحروف المقطعة التي جاءت في بعض أوائل السور, إنما هي إشارات تنبيه لجذب انتباه السامع كما تقول: ألا, في فاتحة كلامك ليستجمع المستمع إليك شوارد ذهنه وعقله ويتهيأ لمعرفة ما سوف يلقي إليه من القول, هذه واحدة.

ثم هي تنبيه لكن من زاوية أخرى, فهي تنبيه ولفت نظر إلى اعجاز هذا الكتاب الكريم الذي بهتت العرب وهم يسمعون محمدًا صلوات الله عليه وآله يتلوه عليهم, كأن الله جلت قدرته يشير بهذه الحروف المقطعة إلى أن هذا القرآن الذي خلب ألبابهم وحير عقولهم مؤلف من ذات الحروف التي يتألف منها كلامهم ومنطقهم, الحروف التي تستعملها في ترتيب الكلمات التي نتفاهم بها في خطابنا فيما بيننا هي نفس الحروف التي استخدمت ونفس الأدوات التي استعملت لتأليف هذا القرآن الكريم.

ومع ذلك, مع أن المادة الأولية في الكلام الإلهي وفي الكلام البشري واحدة, فالفرق واسع جدًا بين طبقة الكلام الإلهي وبين طبقة كلام الناس, الفرق يشبه أن يكون كالفرق بين الخالق والمخلوق.

ومنذ أن نزل هذا الكتاب على رسول الله صلوات الله عليه وألقي في وجود العرب فرسان وأرباب اللسن والفصاحة بالتحدي أن يأتوا بمثله, أبو بسورة من مثله, وهذا التحدي قائم لم ينقطع والطاقة البشرية تقر على نفسها في كل جيل بالعجز عن الاتيان بمثل هذا الكلام, وكفى بذلك دليلًا على تنزه المصدر الذي نزل منه هذا الكتاب الكريم, ولا عجب فإن معجزة محمد صلى الله عليه وآله هي هذا الكتاب الذي عمل في زمنه بأبي هو وأمي, ومازال يعمل على توالي الأحقاب والأجيال لم ينقطع تأثيره ولن ينقطع تأثيره بحال من الأحوال, والرسول عليه السلام يقول في هذه الناحية: (( ما من نبي أرسله الله قبلي إلا وآوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر, وإنما كان الذي أويته وحيًا يتلى, فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ) ), معجزات الأنبياء من قبل, من فلق البحر وقلب العصا حية, وإبراء الأكمه والأبرص, وإحياء الموتى معجزات محكومة بظروفها وبشرائطها التاريخية لا تتكرر, ثم إن تأثيرها مقصور على الذين شهدوها في لحظة زمانية معينة وفي مكان معين لا تتعداهم إلى سواهم, لكن هذا القرآن يفعل في الناس فعل السحر, يقرأه العربي فينتفع, ويقرأه الأعجمي فينتفع, فيقرأه ابن القرن الأول فينتفع, ويقرأه ابن القرن الرابع عشر فينتفع, ويقرأه الناس إلى ما لا يعلمه إلا الله فلا يزيد الإنسانية إلا هداية وتقى.

وترون أنتم أن كل أمم الأرض التي كانت لها في الماضي دويّ وكانت لها مبادئ وأهداف تثور ثورة ويكون لها مد وتنتشر بين الناس ضمن شرائط محددة ثم يدركها جنوح حكمي نحو الانحلال, فتتقلص وتتراجع.

سوى هذا الإسلام منذ جهر به رسول الله يشهد مدًا متصاعدًا وتقدمًا مستمرًا, لا يعرف نكوصًا ولا تراجعًا.

منذ سنوات كان المسلمون في حدود خمس مئة مليون وهم اليوم يكادون يقربون من المليار, وكل يوم تطلع فيه الشمس على الدنيا يشهد هذا العالم أناسًا يدخلون دين الله وحدانًا وجماعات, بفضل القوة التي أُودعت هذا القرآن الكريم, هذه الفاعلية الخارقة مسحة ربانية وليس صناعة ألفاظ, ولو كانت صناعة ألفاظ لكان كلامي وكلامك مؤثرًا كتأثير الكلام الإلهي, ولكن الكلام الإلهي يفعل, وكلام الناس لا يفعل, هذا إعجاز محمد.

معجزته العظمى, وآياته الكبرى, هذا القرآن.

ن إشارة لحرف إلى أن ما تلفظون به من قول فمؤلف من هذه الحروف, ومع ذلك فأنتم عاجزون عجزًا مطلقًا عن أن تأتوا بمثل هذا القرآن, أو بقريب من هذا القرآن.

ثم قال: والقلم وما يسطرون , وتعرفون أن الله جل وعلا استجاش الهمم والدواعي نحو العلم في فاتحة سورة العلق اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم.

في السورة الأولى إشادة بهذه النعمة السابغة هي تعليم الإنسان بالقلم, وتعليمه ما لم يعلم, وفي السورة الثانية من القرآن ـ في سورة القلم ـ إشادة بالقلم وبآثاره, إشادة بالقلم وبالمعرفة.

لكن ههنا دقيقة يجب أن نتفطن لها, لا يجوز أن يغفل عنها قارئ؛ لأنها تتعلق بالكشف عن بعض أسرار الكتاب الكريم صياغة الآية والقلم والقلم وما يسطرون , الواو واو القسم, وما بعد الواو فقسم به, والقسم واقع على شيئين على القلم, وعلى آثار القلم, على السطر, على الكتابة, كأن الله جل وعلا يقول: والقلم وما يكتبون بالقلم.

القسم بماذا يكون عادة, لماذا يأتي القسم؟ يأتي القسم ليشد من عزيمة الإنسان على الفعل, أو على الترك, إن أردت أن أفعل شيئًا فأنا أقسم على فعله لأزيد موقفي في الفعل ثباتًا ورسوخًا, وإن أردت أن أترك ولا أفعل أقسم أن لا أفعل لكي أكف نفسي بزيادة عن الفعل, فالقسم من أجل الفعل, ومن أجل الترك يشد عزيمة الفاعل أو التارك.

وبماذا يقسم الإنسان؟ هل يقسم الإنسان بكل ما هب ودب من حقير وجليل؟ لا, القسم لا يكون إلا بما له مكانة وبما له منزلة وقداسة, ولذلك فنحن نقسم بالله, والله أكبر شيء وأجلّ شيء وأعظم شيء.

فحينما نلحظ أن الله يقسم بالقلم ويقسم بالكتابة نستدل بداهة على أن للقلم ولآثار القلم منزلة عالية وقدرًا رفيعًا, عند هذه النقطة نتمهل لنرى إذا كنا نقرر أن القسم لا يكون إلا بالأشياء العظيمة, الأشياء ذات الآثار القيمة الظاهرة في السموات والأرض, إن أقسمنا بالله فلما يغدونا به من نعمه, وإن أقسمنا بالكواكب والشمس والنجوم وقد ورد الإقسام بها في القرآن فلما تدل عليه من آثار رحمة الله جل وعلا بهذا الخلق وتسخير الكون لمصلحة الإنسان.

حينما يقسم ربنا جل وعلا بالقلم وبالكتابة فنحن نعلم أن القلم أداة ككل أداة في هذه الدنيا, يستخدمها العاقل البر الخير فتكون أداة رحمة وبر, ويستخدمها الفاجر الشقي فتكون أداة تدمير وتخريب, كل أداة يمكن أن تستعمل في الخير فتنتج خيرًا وبركة, ويمكن أن تستعمل في الشر فتنتج شرًا وفسادًا ودمارًا, فإذا كان الله يقسم بالقلم وما يسطر أي يُكتب بالقلم, فالقلم يكتب به كتاب الله وتكتب به أحاديث رسول الله , وتكتب به الدعوة إلى الخير والبر والرحمة كما تكتب به سائر السفاسف والموبقات والأشياء الضارة والدعوات الفاسدة, وما يحدث التخريب الهائل الخطير في المجتمعات البشرية.

فهل يتناول قسم الله جل وعلا آثار هذا القلم حتى وإن كانت فاسدة وشريرة؟ لا؛ لأننا قررنا أن القسم لا يكون إلا بما له منزلة عالية, والباطل الذي يكتب بالأقلام كسائر ما تسود به الصحف وما تقيؤه المطابع وتقيؤه الإذاعات وتقيؤه الجرائد على رؤوس الناس دمارًا وتخريبًا فباطل لا يجوز أن يتناوله القسم؛ لأنه في موضع المهانة والحقارة, يُجَل قسم ربنا جل وعلا عن أن يقع عليه وأن يتناوله بحال من الأحوال بعد ذلك نقول تأويل الآية لمن يريد أن يدرك كيف يقرأ ن والقلم وما يسطرون أي يكتبون به من خير وبر ومرحمة بين الناس, لا ما سوى ذلك مما يحدث الشقاق والبغضاء والفتنة والدمار بين الناس, هكذا ينبغي أن يتناول كلام الله جل وعلا لكي تستخلص منه زبدة ما أراد الله جل وعلا للإنسان أن يفهمه منه, ثم نتابع الآيات.

ما أنت والخطاب لمحمد ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرًا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين , ارجعوا بذاكرتكم إلى بواكير الدعوة أوائل الوحي حينما بدأ النبي يبادئ قومه من العرب بما أنزله الله إليه من كتاب وبما عمله إياه من أكلاف ومهمات, كان يتلو عليهم هذا القرآن فيسمعون كلامًا لا عهد لهم بمثله.

لاشك أن الأمة العربية في إبان البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم بلغت من نصاعة اللغة وقوة البيان بأساليب الأداء الذروة التي ليس بعدها شيء, والعرب كانت تفخر بأنسابها وتفخر بما تقوم به من مكرمات من قرى للضيف وفكاك للأسرى وعتق للرقاب وحمالات للديون وما أشبه ذلك, ولكنها ما فخرت أبدًا بشيء كفخرها باللسان, بالفصاحة وقوة الحجة.

فخر الأمة العربية, حينما تنزل الكتاب الكريم كان يتركز في الحقيقة بهذا اللسان, حينما ينبغ في القبيلة شاعر أو خطيب يستمع, كانت تقام الحفلات والولائم وتقام الزينات وتشعر القبيلة أنها حازت فخارًا ما بعده فخار بلى حتى لقد تحول هذا الفخار مع الزمن إلى وسيلة للذم والهجاء, ولقد قال شاعرهم يذم بني تغلب بعد أن غالوا بشاعرهم عمرو بن كلثوم:

ألهى بني تغلب عن كل مكرمة.

مع أن العرب تفخر أكبر فخرها باللسان, فلقد بهتت وهي تسمع القرآن, عرفت الشعر بكل أجناسه وبكل بحوره, وعرفت أقاويل الخطباء, ووعت في ذاكرتها الجبارة الشيء الكثير مما تاه به خطباؤهم في المناسبات, وعرفت ما يسجع به الكهان, فما انطق هذا القرآن على لون من أفانين القول التي كان العرب يعرفونها تحيروا فيها هذا واحد.

والشيء الثاني أن محمدًا قام يدعوهم إلى أمور صغيرها وكبيرها يخالف المألوف عند العرب ابتداءً من العوائد اليومية, وانتهاء في العقيدة في الألوهية جاء محمد عليه الصلاة والسلام ليقول لهم يا قوم أنتم لستم على شيء, أنتم على باطل مستحكم, وفي ضلال عريض, وطلب إليهم أن يغيروا تغييرًا جذريًا وحاسمًا كل الأشياء التي درجوا عليها وألفوها وتلقوها منحدرة إليهم من طريق أسلافهم, فماذا كان موقف العرب؟ أمن المعقول أن يقوم إنسان فرد ليست له عشيرة بذلك المكان التي ترد البغي والعدوان على أحد أفرادها, وليس من المال بالكثرة التي يشتري فيها الأعوان والأنصار من الإمعات والمهازيل, وليس صاحب ملك وسلطان يستخدم ملكه وسلطانه ليغير من مجرى الحياة الإنسانية, لم يكن على شيء من ذلك أبدًا, ومع ذلك كان يقول لهم بملء الفم: لابد أن تغيروا ما أنتم عليه, وستغيرون وستدخلون في هذا الدين طائعين أو كارهين من قبل منكم فبقبول الله قبل, ومن لم يقبل فسيدخل الإسلام داخرًا ذليلًا مكرهًا على ذلك؛ لأنه سيجد أنه لا سبيل أمامه سوى الإسلام, أية ثقة بالنفس هذه, أيقول هذا الكلام عاقل؟.

من هنا كانوا يتهمون الرسول بأنه مجنون, كانوا يرددون هذا الكلام ويلصقون به تهمة الجنون, هل كانت العرب أو القرشيون الذين نشأ بينهم محمد يعتقدون بجدية ما يقولون؟ بالتأكيد لا, الدعوة جاءته عليه السلام وهو في الأربعين من العمر, مضى زمن طويل: الصبا والشباب والكهولة حتى إذا شارف الشيخوخة جاء للناس بهذا النداء الإلهي, كل الوقت الذي مضى كان محمد عليه السلام مهوى أفئدة الشباب ومحط إعجاب الشيوخ, يكبرون فيه الخلق النبيل, ويكبرون فيه الاستقامة الرائعة, ويكبرون فيه العفة المتناهية, ويكبرون فيه من الأخلاق ما لا يجتمع في أحد من خلق الله جل وعلا, لم يكن عليه مغمز, ولا سبيل إلى أن يلحقه مطعن, إجماع من أهل مكة جميعًا أنه الصادق, وأنه الأمين, وأنه المرضي في جميع أخلاقه, ذلك رأي العرب, رأي خصوم محمد بمحمد.

فأية قيمة لتهمة سخيفة كهذه التهمة يلقيها العرب في أذن رسول الله مع ذلك, فلابد للاستكمال الصورة في أن نفكر قليلًا, ومن أن نرجع أيضًا رجعة بسيطة إلى الوراء.

تجربة الوحي ليست من التجارب العادية, بلى هي شيء خارق للعادة قلما يتعرض الناس إلا الآحاد في الأزمان بعد الأزمان لهذه التجربة, تجربة الاتصال بالملأ الأعلى وسماع الخطاب الإلهي وتحمل الرسالة التي تأتي من بارئ الكون, هذه التجربة في وقتها الثقيل الشديد على النفس خيلت لمحمد أن هذه الغرابة في الحالة وراءها شيء, حينما فجأه الوحي في حراء, جاء مرتعد الفؤاد عليه السلام إلى زوجه خديجة وقال لها: (( يا خديجة لقد خشيت على نفسي ) )ظن عليه السلام أنه خالطه شيء من الجنون.

وحين فتر الوحي جاء في بعض الروايات أن النبي كان كثيرًا ما يذهب يحاول أن يتردى من شاهق, يريد أن يرمي نفسه من جبل من هذه الجبال ليتخلص من هذه الحيرة التي تثقل على ضميره وعلى قلبه وعلى عقله, لماذا؟ لأن الهاجس الذي وقع في نفسه أول أمر تنامى وتزايد حينما انقطع عنه الوحي رجح لديه عليه الصلاة والسلام أن ما رآه وما سمعه فليس من الملك, وإنما هو قد يكون من الشيطان, فالنبي عليه الصلاة والسلام إذًا كان في وضع شعوري ونفسي وعقلي يحتاج معه إلى أن يشد من عزمه وأن يثبت على أن هذا الذي جاءه لا طريق له إلا الله, ولم تحمله إليه إلا ملائكة الرحمن, وأنك يا محمد بالفطرة التي فطرت عليها, بالاستقامة التي نشأت عليها أبعد ما تكون عن الجنون, فقوله جل وعلا: ما أنت بنعمة ربك ـ يعني بحمد ربك وتوفيقه إياك بمجنون.

تحمل أولا هذه الآية الرد التثبيت لشخص النبي بغية طرد الوساوس التي يمكن أن تنتاب النبي وهو في هذه الحالة التي يشعر معها بأن شيئًا ما غريبًا عما اعتاده الناس قد جاء, وهذه التهم التي تنهال عليه من قومه قريش, فتشكل ما يشبه ضغط الرأي العام, تقول له باستمرار أنت مجنون, أنت مجنون, أنت مجنون, فإذًا أول غرض لقول الله جل وعلا: ما أنت بنعمة ربك , ونعمته هي هذه الرسالة, ويستحيل عقلًا وعادة أن يكلف المجانين بحمل الرسالات الإلهية, بل يستحيل عقلًا ومنطقًا وعادة أن يكلف المجنون بحمل كلام عادي ليوصله إلى أحد من الناس ما أنت بنعمة ربك بمجنون , ولكن هذا الكلام له مرجع آخر يعود على قومه المشركين, ما هو الجنون؟ اسألوا أنفسكم ما معنى أن يكون الإنسان مجنونًا؟ الجنون ـ بكل بساطة ـ انفلات زمام العقل, حينما يفلت من يدك زمام عقلك فأنت مجنون, وإذا دخلت في هذه الحالة فما هي الآثار التي تترتب على الجنون؟ غيبوبة في العقل تؤدي إلى تصرفات لا واعية. ولا محسوبة, كذلك يكون الجنون.

التفتوا إلى العرب هؤلاء الذين يتهمون محمدًا عليه السلام بالجنون إذا كانت العبرة للآثار, فأي الناس أولى بوصف الجنون النبي الذي يدعو إلى صحوة لا صحوة بعدها, وإلى محاسبة دائمة ومرهقة, وإلى أن يزن الإنسان كل قول, وإلى أن يزن الإنسان كل تصرف, وإلى أن يحسب حساب النتائج, ما أطاقت القدرة البشرية هذا الحساب, أم هؤلاء السابون الغافلون الذين تدفع بهم أمواج الحياة إلى حيث لا يدرون, أي فرق بين الجنون الذي لا يفكر في عاقبة قول ولا فعل, وبين أمة أطبقت على الجنون لا تفكر في غدها, ولا تفكر في واقعها, ولا تفكر بتصرفاتها, وإنما هي تسير مدفوعة بقوة العادة والاستمرار, لو نظرنا إلى الآثار والنتائج لوجدنا أصحاب محمدًا يمثلون قمة الصحوة الإنسانية, قمة الوعي البشري, قمة الحساب الدقيق لكل ما يصدر عن الإنسان من قول ومن عمل, ومن نية وإرادة ودافع, والأمة العربية التي أصرت على عنادها واستكبارها وتأبيها على الحق هي أولى بأن توصف بأنها مجنونة, المجنون الذي يسفه نفسه فلا يحسب حساب واقعها ويومها وغدها, وحسابها.

وكذلك كانت هذه الأمة كما تتقاذف موجات الرياح كثبان الرمال في هذه الجزيرة العربية, تنقل الكثيب من هنا إلى هناك, ومن هناك إلى هنالك, كذلك كانت موجة الزمن ودوامة الحياة تدفع هؤلاء العرب إلى حيث لا يفكرون ولا يقدرون, فهؤلاء هم أولى بأن يكونوا هم المجانين.

ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرًا غير ممنون الأجر الممنون هو المقطوع, أو الضعيف, نقول: حبل متين أو ممنون, إذا كان حبلًا ضعيفًا يكاد يتقطع, فمراد الله جل وعلا أن لك يا محمد جزاء ما حملت من أمانة وجزاء ما كلفت من رسالة أجر من الله جل وعلا دائم لا ينقطع, كثير لا يدركه ضعف.

وهذا الوعد من الله جل وعلا لنبيه عليه السلام بالأجر المتابع الكثير على حمل الرسالة وعد قائم لكل من نهج نهج محمد وسار على طريق محمد , دعوة الخير التي هي الإسلام, ولا شيء غيرها, ولا شيء غيرها, أجرها دائم لا ينقطع؛ لأن خيرها مستمر ما دامت السموات والأرض, الكلمة الخيرة تفعل فعلها إلى آخر الدنيا وإلى آخر الزمان, قد لا تحس آثارها ولكنه واقع تقع مسؤولية عدم احساسها بآثارها على ضعف الوسائل التي ندرك بها هذه الآثار.

وإنك لعلى خلق عظيم سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله فقالت للسائل:"ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى, قالت: فإن رسول الله كان خلقه القرآن, انظر إلى محامد الصفات, إلى كامل الخلال التي وردت في القرآن, يتصف بها الكائن الأسمى, تجدها في رسول الله."

ولا أريد أن أقف عند هذه الناحية؛ لأن أحاديثنا المقبلة سوف تتضمن بإذن الله نماذج كثيرة من هذا الخلق العالي الذي مهد طريق محمد نحو قلوب الناس وعقول الناس فستبصر يا محمد ويبصرون هؤلاء المعاندون من قومك بأييكم المفتون , والمفتون هو المجنون, سوف ترى في أي الفريقين أنت, أم هم الجنون والمجانين, وفعلًا لقد أبصر رسول الله وأبصر المشركون أيضًا حين فتح مكة أن محمدًا عليه السلام كان في منتهى العقل, وأنهم هم كانوا في منتهى السخافة والجنون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.

سبيل الله عند من؟ عند رسول الله, وسبيل الشيطان عند من؟ عند أعداء الله من المكذبين والزائفين, فاثبت يا رسول الله على المنهج الذي وضعك الله عليه, ولا تلتفت إلى ما يقوله من حولك قومك وما يرومونك به من تهم باطلة وأكاذيب لا معنى لها.

وفقنا الله وإياكم والمسلمين لما يحبه ويرضاه, وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت