فهرس الكتاب

الصفحة 3699 من 5777

عوائق في طريق الجنة

الرقاق والأخلاق والآداب

الجنة والنار, الفتن

عبد الرحمن بن عبد الجبار هوساوي

الظهران

جامع جامعة الملك فهد

1-حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. 2- وصف الجنة. 3- بيان الأمثلة على معنى قوله عليه السلام: (( وحفت النار بالشهوات ) ). 4- وصف النار. 5- التذكير بسرعة انقضاء المكاره والشهوات.

أيها الإخوة، تحدّثنا عن الفروق بين نعيم الدنيا والآخرة، وعرفنا أنه لا وجه للمقارنة بين النعيمين؛ لأن الفرق كما بين الثرى والثريا، وكما بين السماء والأرض، لكن السؤال: كيف السبيل للوصول إلى ذلك النعيم؟ وهل الطريق معبد مفروش، أم أن فيه عوائقَ وعقبات تحتاج إلى تخطّي وتجاوز؟

لقد أجاب رسول الله عن ذلك بجوامع الكلم، فقال كما في الصحيحين من حديث أنس قال: (( حفت الجنةُ بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ) ).

إن الحياة كلها ابتلاء وامتحان كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] ، وقال: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7] ، والنجاح في هذا الابتلاء يكون بتحمل المكاره ومقاومة الشهوات.

أيها الإخوة، لقد قدر الله ـ وهو أحكم الحاكمين ـ في الأزل أن يكون طريق الجنة محفوفًا بالمكاره، وطريق النار مفروشًا بالشهوات؛ ليعلم ـ وهوعلام الغيوب ـ من المخلص الصادق ومن الدعيّ الكاذب، من يؤثر مرضاة الله ومحابه، ومن يؤثر أهواء نفسه وشهواته.

ولقد أطلع الله جبرائيل عليه السلام على هذه المكاره والشهوات يوم خلق الجنة والنار، روى الترمذي وأبو داود والنسائي وابنُ حبان والحاكم عن أبي هريرة عن رسول الله قال: (( لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال له: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: فوعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه فقال: وعزتك، لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ) ).

أيها الإخوة، لقد قام جبريل عليه السلام بأربع رحلات، اثنتان إلى الجنة ومثلها إلى النار، وفي كل مرة يقدم تقريرًا إلى ربه وهو أعلم به. بدأ بزيارة الجنة بتكليف من رب العالمين، وكانت مهمته الاطلاعَ على النعيم الذي أُعد لأهل الجنة. فماذا رأى؟ وكيف كان تفاعله؟ لقد رأى ذلك النعيم الذي أخبرنا الله ببعضه في كتابه وسنة رسوله، لقد رأى قصورًا ليست كقصور الدنيا القاصرة المبنية من الوحل والطين، كلا، قصورًا بنيت من ذهب وفضة، قال عنها رسول الله لما سألوه: الجنة ما بناؤها؟ قال: (( لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها ـ ما بين اللبنتين ـ المسك الأذفر ـ أجودُه ـ، وحصباؤها الدر والياقوت، وترابها الزعفران ) ). ومن أمثلة قصورها ما قال رسول الله: (( إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها ) ).

وفيها خيام عجيبة يعجز العقل عن تصورها، يقول: (( إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا، فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا ) ).

أما نساؤها فالحور العين، وما أدراك ما الحور، والحور هي التي يكون بياضُ عينها شديدًا وسوادُه شديدًا، والعِين جمع عيناء، وهي واسعة العين. وإليك وصفهن في القرآن، قال تعالى: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:48، 49] ، وقوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:22، 23] ، والمكنون هو المخفي الذي لم يغير الضوء صفاءه، ولم تعبث به الأيادي، وشبههن فقال: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:58] ، ووصفهن بقوله: وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ:33] وهي الناهد، وحسبك بشهادة الله بحسنهن وجمالهن في قوله: فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن:70] ، ويقرب لك رسول الله صورتهن فيقول: (( ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا ) )، ومع جمال الصورة والمنظر جمال الصوت والغنج، عن أنس قال رسول الله: (( إن الحور العين لتغنين في الجنة ـ في رواية: بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط ـ ، يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام ) ).

ماذا تريد أن أذكر لك مما رأى جبريل عليه السلام؟ لو رحت أسرد لك أنواع الأنهار والأشجار والعيون والثمار والفواكه والرَيحان والحلي والزينة والملابس والمفارش لطال بنا المقام، وهو بعض ما رآه، وما لم يره أكثر؛ لأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومع ذلك فقد انبهر جبريل عليه السلام بما رأى وتفاعل مع هذا النعيم، فبدأ تقريره بالقسم بعزّة الله قائلًا: (( وعزتك، لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها ) )، ويعني: أحدٌ عاقل راشد، وإلا فما أكثرَ من سمع بها لكنه عزف عنها ولم يعمل لها، بل آثر الدنيا الفانيةَ عليها.

أما رحلته الثانية فكانت إلى الجنة أيضًا، لكن هدفها مختلف، فهو للاطلاع على الطريق المؤدي إلى هذا النعيم، أهو مُعبّد أم وعر؟ يقول في الحديث: (( فأمر الله بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره ) ).

نعم ـ يا عباد الله ـ حفت بالمكاره وحجبت، بمعنى: أحيطت، فلا يتوصل أحدٌ إليها إلا بتخطي تلك المكاره والحواجز، وهذه الحواجز ليست حسية، لكن من بلاغته حيث جسد لنا المعنويات في ثوب حسيّ؛ فقرب لنا الصورة.

والمكاره هي ما تكرهه النفس، وهي التكاليف الشرعية من فعل وترك والمصائب والابتلاءات، وعبّر عنها بالمكاره لأنها لا تخلو من مشقة، فتوحيد الله وتحقيق مقتضياته وتنزيه الله عمليًا خاصة في هذا الزمان فيه مشقة، أما نظريًا فسهل، وإخلاص العمل بعيدًا عن السمعة والرياء من المكاره فتحتاج إلى المجاهدة، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها حيث ينادى بهن وخاصة الفجر من المكاره، (( إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ) )، والإنفاق في سبيل الله من المكاره، وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا [الإسراء:100] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمن الحرية الشخصية الخرقاء من المكاره، ومن أعظم المكاره في هذا الزمن الاستقامة على دين الله، فمصطلحات التشهير والتنفير والطعن والتشويه جاهزة، فالمستقيم أصولي أو إرهابي، متطرف أو متخلف، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا [الكهف:5] .

إنها الجنة تبغي ثمنًا، وإنها الحور تبغي مهرًا، لمّا رأى جبريل عليه السلام المكاره دون الجنة قدّم تقريره مشفقًا علينا: (( وعزتك، لقد خفت أن لا يدخلها أحدٌ ) )، والله المستعان.

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

أيها الإخوة، أما رحلته الثالثة فوِجهتا النار أجارنا الله منها، وهدفها الاطلاع على ما أعد لأهلها، فماذا رأى؟ رأى النار يركب بعضها بعضًا، كما وصفها ربها: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:8] ، أي: تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها وحنقها على الكفار والمجرمين، رأى نارًا وقودها الناس والحجارة، رأى عليها ملائكة غلاظا شدادا، لا يعصون الله ما أمرهم، لا يتكلمون، وإن تكلموا فزجرًا وتبكيتًا وتهكمًا وتوبيخًا.

أما شدتها فيكفي أن تعلم أنها اشتكت من نفسها لشدتها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نفسين: نفسًا في الشتاء ونفسًا في الصيف، فأما نفسها في الشتاء فهو زمهرير، وأما نفسها في الصيف فسموم ) ). رحماك ربنا، إنّ أجسادنا على النار لا تقوى. وفي الحديث: (( أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم ) ). لا إله إلا الله، كلُ هذا فيح فقط، نعم، لماذا تستغرب؟ ألم يقل المعصوم: (( أهونُ أهلِ النار عذابًا يوم القيامة رجل يوضع في أخمصِ قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ) )مسلم.

أما طعام أهلها فالضريع والزقوم، لا يسمن ولا يغني من جوع. وأما شرابهم فالغساق والغسلين والقيح والصديد، أما أثر شرابهم فهو: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] .

ماذا كان رد فعله عليه السلام تجاه هذا الجحيم؟ أقسم: (( وعزتك، لا يسمع بها أحد فيدخلها ) )، أي: أحد عاقل، أما غير العاقلين فما زالوا يحجزون فيها الأماكن صباحًا ومساءً.

أما الرحلة الأخيرة فكانت إلى النار بعدما حفت بالشهوات، والمقصود المحرمة حسيّة كانت أو معنوية، كالخمر والزنا واللواط والربا والظلم والرشوة والتبرج والسفور، وكالكذب والخيانة والغيبة والنميمة والمعاصي والدياثة. إن هذه الشهوات محببة إلى النفوس، ولها جاذبية تشدّ إلى نار جهنم شدًا، وإبليس قائم لا يفتر يكثر أعوانه في النار، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] . لما رأى ذلك جبريل أقسم: (( وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ) ). نسأل الله السلامة منها.

أيها الإخوة، إن الشهوات التي تؤدي النار كثيرة، كما أن المكاره دون الجنة كثيرة، وكلما تخطى واحدة واجهته أخرى، وصاحب الشهوات المحرمة لا يفتر ولا يشبع كذلك، بل كلما ظفر بشهوة رغب في أخرى، فلا الشهوات تنتهي ولا المكاره تتوقف، حتى يحين الأجل وهو قريب، وكل ما هو آت قريب.

لكن العاقل يوازن ويقارن، فيؤثر ما يبقى على ما يفنى، فلذةُ الشهوة المحرمة مؤقتة سرعان ما تنقضي، ويبقى ألمها حسرة وندامة، ومشقةُ الطاعةِ وألمُها مؤقت كذلك، وسرعان ما يزول ويبقى أجرها ذخرًا عند الله. ومن رحمة الله أنه ما من شهوة محرمة إلا وعوضنا الله في الحلال مثلَها، بل خيرا منها، وأين الحرام من الحلال؟! فله الحمد والمنة.

وتذكّر ـ أخيرًا ـ كيف أن غمسة في الجنة أو النار تنسي هذا الشهوات وذاك المكاره كلَّها، ففي مسلم عن أنس قال: قال: (( يؤتى بأنعمَ أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في جهنم صبغةً، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغةً، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت