فهرس الكتاب

الصفحة 1884 من 5777

تأملات في حديث

العلم والدعوة والجهاد

أحاديث مشروحة

سعيد بن عبد الباري بن عوض

جدة

سعد بن أبي وقاص

1-كثرة الغثاء بين الناس. 2- حديث الناس كإبل مائة. 3- قلة من الناس من يعتمد عليه ومن

يقوم بالواجب على الصورة المثلى. 4- صور الغثاء والكثرة الضائعة.

أما بعد:

عباد الله: فلقد أعطى الله تبارك وتعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم آيات دالات على صدق نبوته، ومن هذه الآيات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم كما صح عند مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أعطيت جوامع الكلم ) )وهو أن يقول الكلمة أو الكلمات القليلات التي تحتوي معاني عظيمة جليلة وفوائد كثيرة متنوعة.

وبين أيدينا اليوم حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلة كلماته كثيرة عبره وفوائده نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما فيه من العلم. ويروي لنا الحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) ) [رواه البخاري ومسلم] .

وهذا الحديث إخوة الإيمان وصف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لحال الناس في الفضل والكمال والاتصاف بالصفات الحسنة يبين فيه عليه الصلاة والسلام أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدًا، والرسول هنا في هذا الحديث يشبه الناس بمائة من الإبل يبحث فيها صاحبها عن واحد ليتخذه للركوب، وهي الراحلة. قال ابن قتيبة: هي النجيبة المختارة من الإبل للركوب، وقال غيره: المعنى أن المرضي من أحوال الناس الكامل الأوصاف قليل كقلة الراحلة في الإبل، وقال غيره: إن المعنى أن الناس كثير، ولكن المرضي منهم قليل.

ولهذا الحديث إخوتي الكرام تطبيقات كثيرة في حياتنا اليومية حيث يمكن تنزيله على كثير من أحوالنا وتعاملاتنا ليتضح لنا معناه ونستفيد من عبره وفوائده.

فخذ مثلًا حال كثير من المسلمين في استقامتهم على دينهم والتزامهم بأمر الله وطاعة رسوله تجد أنهم كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، فكم من المسلمين اليوم قام بحق لا إله إلا الله هذه الكلمة التي يقولها المسلم في يومه وليلته عدة مرات. وكم من المسلمين اليوم الذين نقضوا هذه الكلمة فأفعال شركية تناقض أصل هذه الكلمة وتنقضها من أصلها، فلا يبقى لها أثر إلا تمتمات وهمهمات تخرج من بين الشفاه لا تفيد صاحبها شيئًا، وقد اجتثت من أصلها بدعاء أموات لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا وطواف حول قبور أناس يزعمونهم من الأولياء ولو كانوا كذلك أيضًا لم يجز الطواف حول قبورهم وذبح القرابين لهم ووضع النذور لهم وغير ذلك من مظاهر الشرك التي انتشرت في كثير من بلاد المسلمين نسأل الله أن يصلح أحوالهم.

ولذلك ترى اليوم أن عدد الموحدين الذين سلموا من هذه الأفعال الشركية وغيرها قليل بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة التي قد خاضت مع الخائضين من القبوريين الضالين.

وهكذا ترى أخي الكريم كيف أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مطبق في واقعنا اليوم مع الموحدين فتجد الناس في التوحيد اليوم كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.

وإذا تأملت بعد ذلك حال المسلمين اليوم في هذا الوصف النبوي مع البعد عن البدع وتطبيق السنة والمحافظة عليها وجدتهم كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة. وتأمل حال السنة اليوم كيف هجرت وحل محلها كثير من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ولا حجة لأصحابها إلا أنهم وجدوا من قبلهم يفعلها، ففعلوا مثلهم وتلك حجة داحضة قد رد الله على المشركين مثلها عندما احتجوا على شركهم بما وجدوا عليه آباءهم فقال لهم: أَوَلَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة:170] . فهذه إذًا حجة غير مقبولة عند الله، فلينظر المؤمن لنفسه حجة يلقى الله بها يوم القيامة على ما يقول ويعمل.

عباد الله، إن البدع اليوم قد انتشرت عند كثير من المسلمين وأصبح عدها وحصرها مما يطول به المقام، ولكن هناك كلمات يسيرات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هي الميزان لمن أراد العمل على بصيرة ونور من الله تكون له هداية ودليلًا يقول تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـ?لِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف:110] . قال العلماء: عَمَلًا صَـ?لِحًا أي موافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا أي: يجعل العمل خالصًا لوجه الله.

وقال تعالى: وَمَا ءاتَـ?كُمُ ?لرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـ?كُمْ عَنْهُ فَ?نتَهُواْ [الحشر:7] . ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) )أي مردود [متفق عليه] .

وهناك الكثير من الآيات والأحاديث، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله.

ثم بعد ذلك تأمل أخي الكريم حال السنة والبدعة اليوم لتعلم أن الناس اليوم في تطبيق السنة كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، أقوام قد ألفوا البدع وتربوا عليها، إذا أنكر عليهم منكر ونصحهم ناصح أبغضوه وقلوه، وبأنواع التهم رموه، كل ذلك أنه خالفهم فيما ألفوه، يرون البدعة سنة، والسنة بدعة أو تشددًا، قائدهم الهوى ودليلهم على غير هدى، يحبون من وافقهم على ما هم فيه ولو كان فيه ما فيه، ويبغضون من خالفهم وأنكر عليهم ولو كان إمامًا من الأئمة. تقول لهم: قال الله وقال رسوله، فيردون: قال فلان وقال فلان، وهكذا حال أصحاب البدع هداهم الله وردهم إلى دينه ردًا جميلًا.

ثم تأمل أخي الكريم حال كثير من المسلمين اليوم في أخوتهم ومودتهم وصداقتهم لبعضهم البعض، تجدهم في صدق الأخوة كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة، فكم من إنسان نزلت به نازلة وحلت به ضائقة فإذا فكر وفكر فيمن يُنْزِلُ به هذه الضائقة من إخوانه ليكون له عونًا وسندًا بعد الله ويعينه على فك ضيقته لم يجد أحدًا من إخوانه يفك له ضيقته على كثرتهم وسعة ما بسط لهم في رزقهم لكن أين الأخ الصديق الذي لا يبخل على أخيه بشيء، مثل هذا لا يكاد أن يكون موجودًا اليوم إلا ما رحم ربي، لقد أصبحنا اليوم نعيش وضعًا أشبه ما يكون بحال الناس يوم القيامة كل يقول: نفسي نفسي. أنانية مفرطة، وحب للذات، لا يهم الكثير منا إلا نفسه، يقدم مصلحته على كل أحد، وليس مستعدًا أن يضحي بشيء من حطام الدنيا ولو من أجل أخيه الشقيق، فكيف بإنسان بعيد لا تربطه به إلا أخوة الإسلام.

ولذلك تأمل إنفاق كثير من المسلمين اليوم على حاجاتهم الخاصة وشهواتهم وقارن ذلك بإنفاق من أنفق منهم في الصدقات على إخوانه المسلمين المنكوبين في مشارق الأرض ومغاربها أو ممن هم حوله ترى الفرق الكبير والبون الشاسع بين النفقتين والله المستعان.

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم على نبيه الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه.

وبعد:

وتأمل أيضًا أخي المسلم حال المصلين اليوم على ضوء هذا الحديث تجدهم كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.

كم هم اليوم المحافظين على الصلوات الخمس من بين هذا العدد الهائل الذين ينتسبون إلى الإسلام. وكم عدد الذين يصلون صلاة شرعية على وفق ما أمرنا الشارع حيث قال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ). وكم عدد الذين يخشعون في صلاتهم من بين أولئك الذين يصلون الصلاة على صفة صلاة رسول الله. تجد أنك في نهاية الأمر قد تخرج من المجموع الكلي للمسلمين بما قاله عليه الصلاة والسلام أن (( الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) ).

وتخيل بعد ذلك ماذا يكون حال المسلمين إذا كان حالهم كذلك مع ركن الإسلام الثاني وعموده. فالله المستعان.

وتصور بعد ذلك حال الكثير مع بقية العبادات كالصوم والحج والزكاة وغيرها من العبادات.

وكذلك معاشر المؤمنين لو تأملنا حال الناس مع الخلق الإسلامي الرفيع الذي أمرنا به ديننا وحثنا عليه تحت ضوء هذا الحديث لوجدنا الناس حقًا (( كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) ). فالصدق والأمانة والرحمة والوفاء بالوعد وحفظ العهد وغيرها من الأخلاق التي هي من صميم هذا الدين، ففي الحديث عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) ) [رواه أبو داود] .

فتأمل رحمك الله كيف أنك قد تدرك مرتبة عبد يصوم النهار ويقوم الليل دون أن تفعل كما فعل من الاجتهاد بأمر هين وهو حسن الخلق. بل إن حسن الخلق له وزن عظيم عند الله، فعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء ) ) [رواه الترمذي] .

وإن من أفضل ما يُعطاه المؤمن حسن الخلق سئل: يا رسول الله ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: (( حسن الخلق ) ) [رواه بن حبان] . وما هو حسن الخلق إخوة الإيمان؟

روى الترمذي رحمه الله أن ابن المبارك رحمه الله وصف حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى. فهذا عباد الله هو حسن الخلق.

وتأمل كذلك في حال الناس مع صلة الرحم تجدهم كما أخبر: (( كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة ) ). فيا لله كم تشتكي الرحم اليوم إلى ربها من القطيعة والهجر. وكم بكت أعين آباء وأمهات من عقوق أبنائهم. وقطعهم لبرهم لهم. وذلك بعد أن كبر الأبناء واستغنوا عن رعاية والديهم، وكبر الآباء واحتاجوا إلى رعاية أبنائهم. أفيحسب هؤلاء أن الله غافل عما يعملون أو راض بما يفعلون؟ كلا والله.. ولكنهم قوم لا يفقهون. فكن على ثقة أيها القاطع لرحمك العاق لوالديك بتعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. والجزاء من جنس العمل. يقول: (( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم ) ) [أبو داود والترمذي وبن ماجه] .

ولو ذهبنا نتتبع حالنا مع هذا الحديث لطال بنا المقام وفيما ذكر كفاية.والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم أصلح القلوب والأعمال وأصلح ما ظهر منا وما بطن، واجعلنا من عبادك المخلصين. اللهم إنا نعوذ بك من الغواية والضلالة، اللهم ثبتنا على دينك، اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم أصلح الأئمة وولاة الأمور، اللهم خذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى، وزينا برحمتك بالبر والتقوى، واجعلنا من عبادك المهتدين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت