فهرس الكتاب

الصفحة 1045 من 5777

القضاء والقدر وموقف المسلم

الإيمان

القضاء والقدر

صالح الونيان

بريدة

جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب

1 -كل ما يقع مكتوب قبل أن تخلق الخلائق

2 -أثر الإيمان بالقضاء والقدر في إطمئنان قلب المسلم

3 -اركان الإيمان بالقضاء والقدر

4 -الرضا بالقضاء عند وقوعه

5 -خطأ نسبة الأمور لأسبابها الظاهرة مع الغفلة عن كونها قضاء الله وقدرًا.

أما بعد:

أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وآمنوا به، واعلموا أن الإيمان ليس بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.

وأركان الإيمان ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

فالإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان التي لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن بها كلها، وحقيقته أن تعلم أيها المسلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله يقول: (( إن أول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب. قال: يا رب ماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) )يا بني إني سمعت رسول الله يقول: (( من مات على غير هذا فليس مني ) ). [1]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي فقال: (( يا غلام! أني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ).

والإيمان بالقدر واجب، فإذا آمن الانسان بالقدر إيمانا كاملا لا يعتريه شك اطمأن في حياته، فإذا أصابه شيء علم أنه بقضاء الله وقدره، فيطمئن قلبه.

قال تعالى: ومن يؤمن بالله يهد قلبه

وهذا مما يجعل الإنسان لا يحزن على ما مضى، ولا يخاف من المستقبل.

عباد الله!

وللإيمان بالقضاء والقدر أركان لا يتم إلا بها:

الركن الأول:

أن يؤمن الانسان بأن الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد، فما من شيء حادث في السماوات والأرض، وما من شيء يحث فيهما مستقبلا إلا وعند الله علمه، ولا يخفى عليه شيء من دقيقه وجليله.

قال تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.

الركن الثاني:

أن يؤمن الإنسان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، فكل شيء يحدث في الأرض أو في السماوات فهو مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

وقد أشار الله إلى هذين الركنين بقوله: ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير.

الركن الثالث:

أن يؤمن الإنسان بمشيئة الله العامة وقدرته الكاملة، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

فكل ما حدث في السماوات والأرض من أفعال الله أو من أعمال الخلق فإنه بمشيئة الله، من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم.

وكل شيء يعمله الإنسان ويحدثه فإنه بمشيئة الله، حتى إصلاح طعامه وشرابه وبيعه وشرائه.

وفي الحديث عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( كل شيء بقدر حتى العجز والكيس ) )والعجز: الضعف، والكيس: النشاط.

الركن الرابع:

أن يؤمن الإنسان بأن الله خالق كل شيء ومقدره ومسخره لما خلق له، وأن الله خالق كل الأسباب والمسببات، وهو الذي ربط النتائج بأسبابها، وجعلها نتيجة لها.

عباد الله!

ينبغي للعبد إذا جرت أقدار الله على ما لا يحب أن يرضى بقضاء الله وقدره، وأن يستسلم للقضاء المكتوب، فإنه لابد أن يقع، ولو حاول جميع الناس دفعه عنه فلا راد لقضاء الله، لكن العاقبة الحميدة لمن يقابل ذلك بالرضا، ويعلم أن الأمر من الله، وهو لابد واقع شاء أم أبى.

هذا؛ وإن بعض الناس - وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه يفسر ما يقع من الأقدار على أنها أمور عادية، فيقول مثلا: الطائرة أو السيارة احترقت لخلل فني، والبيت انهدم لخلل هندسي، والحريق اندلع لماس كهربائي.... وهكذا، يلتمس مسببا سواء كان صحيحا أو غير صحيح، ولا ينظر فيما وراء ذلك من تقدير الله سبحانه وتعالى له.

ولذلك؛ فإن المزارعين حين تصاب محاصيلهم يعزون ذلك إلى تسمم البذور تارة، أو إلى طريقة الري تارة، أو إلى شدة البرد تارة أخرى، ويغفلون عن قضية القضاء والقدر،وأن هذا شيء مقدر، لابد أن يقع.

عباد الله!

وبمناسبة موضوع الزراعة؛ فإني أود أن أنبه بعض المزارعين - هداهم الله - إلى أمر يفعله بعضهم، وهو أمر لا يجوز، وقد يكون ما يصيب زرعه عقوبة من الله، وذلك الأمر هو أن بعض المزارعين بعد انتهاء موسم الحصاد يبقى في الأرض بقايا الزرع مما لا قدرة له على جمعه، فيقوم بإحراق الأرض جميعها بعد أخذ الزرع الصالح منها؛ بحجة أنه سيتخلص من تقلك البقايا، ويكون ذلك خدمة للأرض وللزرع القادم، وقد رأينا أرضًا ذات مساحات واسعة، والنار تشتعل فيها أيامًا، تأكل الأخضر واليابس، وما أحب أن أنبه عليه هو أنه يوجد في تلك الأرض المحرقة شيء من دواب الأرض وخشاشها، التي تعيش بين الزرع؛ من نمل، وطيور، وجرذان، وغيرها.. فيشملها الإحراق.

فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: (( قرصت نملة نبيًا من الأنبياء؛ فأمر بقرية النمل، فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأممم تسبح الله! ) ) [2] .

فلا يجوز الإحراق بالنار؛ لأن تلك الكائنات تسبح لله، وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء:44] . وقد يقول بعضهم: إني متأكد أنه ليس فيها حيوانات، فيقال: إن هذا في المساحة الصغيرة، وأما تلك المساحات؛ فهي كبيرة لا تقطع أطوالها إلا بالسيارات، فيصعب التحرز؛ فالأولى حرثها؛ ليسلم الإنسان من الإثم.

عباد الله!

قد يسبق إلى الأذهان أنه إذا كان القضاء قد سبق؛ فلا فائدة في الأعمال.

وقد سبق أن سأل الصحابة رضوان الله عليهم النبي هذا السؤال فأجابهم بما يشفي العليل ويروي الغليل:

فعن علي قال: قال رسول الله: (( ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة ) )فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: (( من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ) )وفي رواية أخرى قال: (( اعملوا؛ فكل ميسر: أما أهل السعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة؛ فيسرون لعمل أهل الشقاوة ) ) [3] ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى صدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى [الليل:5-10] .

فالقدر السابق لا يمنع العمل، بل يوجب الجد والاجتهاد.

اللهم قدر لنا بفضلك ما فيه صلاحنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة؛ إنك جواد كريم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] - رواه ابو داود (4078) .

[2] رواه البخاري.

[3] رواه مسلم.

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت