الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, فضائل الأعمال, مكارم الأخلاق
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-عبادة الشكر والصبر. 2- فضل الصبر وضرورة العبد إليه. 3- الصبر من خصال الأنبياء. 4- صبر النبي. 5- الصبر على الطاعة وعن المعصية. 6- الصبر على تربية الأولاد وعلى رعاية الوالدين وعلى الجيران والأقارب والعمال. 7- صبر الرجل على امرأته. 8- صبر المرأة على زوجها. 9- جزاء الصابرين.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، إن لله على عبده عبادتين: عبادةً في رخائه، وعبادة في بلائه.
فعبادته لله في الرخاء، شكر نعمة الله عليه، بقلبه ولسانه وجوارحه، ثناؤه على الله، تحدثه بنعم الله، الاعتراف لله بالفضل عليه، شكرٌ بقلبه، يقينٌ جازم أن هذه النعم من الله فضلًا وإحسانًا، ليست بمجرّد حوله وقوّته، ولكنها محض فضل الله وإحسانه عليه، ويشكر الله بجوارحه فتنقاد جوارحه بأداء الواجبات والبعد عن المنهيات.
وعبادةً لله في ضرائه، بأن يكون صابرًا، صابرًا على البلاء، محتسبًا ذلك، وأعلى ذلك أن يكون راضيًا بما قضى الله له وقدّر، يعلم أن قضاء الله جل وعلا مبنيٌ على كمال علم الله، وكمال رحمة الله، وكمال حكمة الله، فهو يرضى بقضاء الله وقدره، ويعلم أن الكل من الله وأن الله أرحم به من أمه الشفيقة عليه، فإذا تيقن ذلك صبر ورجا من الله المثوبة.
أيها المسلمون، إن الصبر نصف الإيمان، فالإيمان صبر وشكر، فالمؤمن صابرٌ في ضرائه شاكرٌ في رخائه، (( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله لعجب، إذا أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، أو أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له ) ) [1] .
فالصبر يا عباد الله، الصبر نصف الإيمان، ولقد بيّن الله في الصبر أحوالًا كثيرة فأثنى على الصابرين، وأخبر أنه معهم، وأنه يحبّهم، قال تعالى: كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ?للَّهِ وَ?للَّهُ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ [البقرة:249] ، وقال: وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ?سْتَكَانُواْ وَ?للَّهُ يُحِبُّ ?لصَّـ?بِرِينَ [آل عمران:146] .
أيها المسلم، إن الصبر ضرورة للعبد في أمور دينه ودنياه، فلا يستقيم إيمانه، ولا تصلح معيشته إلا بالصبر، فالصبر عماد كلِّ خير، ومن حُرِم الصبر حُرم التوفيق.
أيها المسلم، إن الله جل جلاله ذكر الصبر في أركان الإيمان، والأعمال الصالحة عمومًا، فقال جل وعلا: ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ [البقرة:153] ، وقال: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] ، فبالصبر ينال الفلاح، وذكر الصبر في قتال العدو وملاقاته: يَـ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَ?ثْبُتُواْ وَ?ذْكُرُواْ ?للَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـ?زَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ?صْبِرُواْ إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ [الأنفال:45، 46] .
أيها المسلم، صبرك لا بد منه في كل أحوالك كلها، وانظر إلى الصبر كيف مُدح به الأنبياء السابقون، فهذا نوح عليه السلام أخبر الله عن صبره الصبر العظيم، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ?لطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـ?لِمُونَ [العنكبوت:14] ، أخبر تعالى أن نوحًا بقي في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين سنة، تسعة قرون ونصف قرن، ومع هذا يقول الله: وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود:40] ، فهذا صبر نوح عليه السلام، ذلك الزمن الطويل العظيم، في دعوته قومه إلى الله.
وذكر الله عن إبراهيم عليه السلام عن صبره في دعوته إلى الله، في دعوته أباه وقومه، ثم محاولة إلقائه في النار إلى أن قال الله: كُونِى بَرْدًا وَسَلَـ?مَا عَلَى? إِبْر?هِيمَ [الأنبياء:69] ، ثم صبره وابنه إسماعيل حينما ابتلاه الله بذبح ابنه إسماعيل: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ?لسَّعْىَ قَالَ ي?بُنَىَّ إِنّى أَرَى? فِى ?لْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَ?نظُرْ مَاذَا تَرَى? قَالَ ي?أَبَتِ ?فْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ?للَّهُ مِنَ ?لصَّـ?بِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات:102، 103] ، أي إبراهيم وإسماعيل، واستسلما لقضاء الله وتنفيذ أمره رحم الله إبراهيم وابنه، ففداهما بذبح عظيم.
أيها الأخ المسلم، وانظر إلى أيوب عليه السلام وما ناله من البلاء، والله يقول: إِنَّا وَجَدْنَـ?هُ صَابِرًا نّعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44] .
وهذا يعقوب عليه السلام وابنه يوسف، ما هو صبر يعقوب وقد فقد ابنه من بين يديه، فقد ابنه على يد إخوته، فقال لهم: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ?للَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ?لْعَلِيمُ ?لْحَكِيمُ وَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ ي?أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَ?بْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ?لْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:83، 84] ، وقال: إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى ?للَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [يوسف:86] ، وابنه يوسف صبر في الجب لما ألقاه إخوته، وصبر على الرق، وصبر على الابتلاء بالفاحشة، فنجا منها، والتجأ إلى الله، وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ?لْجَـ?هِلِينَ [يوسف:33] ، وما زال به الأمر يرتقي درجة درجة، حتى أتاه أبواه وإخوته وقال: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ?للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُحْسِنِينَ [يوسف:90] .
وهذا موسى بن عمران كليم الرحمن كم عالج بني إسرائيل، وكم صابرهم وصبر على ما أصابه منهم، ونال ما نال، يقول في حقه المصطفى: (( يرحم الله أخي موسى، لقد أوذي بمثل ما أوذيت به فصبر ) ) [2] .
وهذا سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين، وأفضل خلق الله على الإطلاق، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، ولقد ضرب أروع الأمثال في الصبر، صبر بمكة في أول دعوته، وفي وقت الجهر بها، صبر على قريش وما ناله منهم ما نال، صبر على أذاهم له، صبر على ما أنالوه من الأذى، يُلقى سلى الجزور على ظهره وهو ساجد، ويؤذى بأنواع الأذى بالقول والفعل والسخرية والاستهزاء وإلحاق الأذى لقومه، ويصبر على حصار الشعب، ويصبر كل الصبر على ما أصابه من قومه، ويدعو لهم بالهداية صلوات الله وسلامه عليه، صبر بمكة الصبر العظيم، حتى إنه لم يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي لما رجع إليها من الطائف بعدما ناله منهم ما نال من الأذى [3] ، ويصبر عليهم ويقول: (( أتأنى بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا ) ) [4] .
هاجر إلى المدينة، فأسلم المنافقون بعد بدر إسلامًا ظاهرًا، وكفرًا باطنًا، فكانوا يصلون معه، ويصومون معه، ويجاهدون معه، ومع هذا تتفوّه ألسنتهم بعداوته وعداوة أصحابه، وسبّه وسب دينه، ومع هذا صابرٌ عليهم، يسمع الأذى منهم ويصبر عليهم، حتى طال أذاهم وشرهم إلى زوجته الصديقة رضي الله عنها وعن أبيها وأرضاهما، ومع هذا فهو صابر محتسب يقول قائلهم: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ?لْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ?لأَعَزُّ مِنْهَا ?لأَذَلَّ [المنافقون:8] ، ويقول: (( ما أحب أن العرب يتحدثون أن محمدًا يقتل أصحابه ) ) [5] ، يأتيه عبد الله بن عبد الله بن أبي، ويقول: يا رسول الله، بلغني أن أبي قال ما قال فيك، ولا أحب أن يتولى قتله مسلم، فيقع في نفسي شرٌ على مسلم، مكني من قتل أبي لأدفع الشر عن الإسلام وأهله، فيقول: (( لا، لا أحب أن العرب يتحدثون أن محمدًا يقتل أصحابه ) ) [6] ، وعندما مات ابن أبي تولى النبي تكفينه، فأعطاهم قميصه إرضاءً لولده، وكفن في قميص النبي، ووضعه النبي على فخده، وأنزله في قبره [7] ، ومع هذا فهو يعلم ما أصابه منه من الأذى، إلى أن قال الله له: وَلاَ تُصَلّ عَلَى? أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى? قَبْرِهِ [التوبة:84] . قال له رجل في قسمة الغنائم: تلك قسمة ما أريد بها وجه الله [8] ، وقال آخر: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، فقال: (( ويلك، من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! ) )فقال عمر، أو خالد بن الوليد: دعني أضرب عنقه، قال: (( لا، سيخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وقراءتكم عند قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) ) [9] .
إنه كان صبورًا على كل الأمور، يقول له رجل يتقاضى منه الدين: يا بني عبد المطلب، إنكم لمطل في الوفاء، فيهمّ أصحابه به فيقول: (( دعوه، أنا أولى أن تعاتبوني منه، إن لصاحب الحق مقالًا ) ) [10] .
يتعلق الأعراب بناقته يطالبونه قسم الغنيمة يوم حنين، حتى اضطروه إلى شجرة، فنزل وقال: (( والله لو كان عندي من الذهب والفضة مثل هذا [الأمر] لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني كذابًا ولا جبانًا ولا بخيلًا ) ) [11] صلوات الله وسلامه عليه.
يتحدث خادمه أنس بن مالك عن كمال صبره مع من يتعامل معه، فيقول: (خدمته عشر سنين، ما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لم تفعله؟) [12] ، وقال: إن رضي الطعام أكله، وإلا تركه [13] ، دون أن يعيب الطعام ويسبه، فصلوات الله وسلامه عليه، والله يقول له: فَ?صْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ?لْعَزْمِ مِنَ ?لرُّسُلِ [الأحقاف:35] .
أيها المسلم، صبرك على الطاعة لا بد منه، فإن الطاعة لله لا بد من صبر عليها، أن تصبر وتدوم عليها، فلا تستبطئ الأمر، قال جل وعلا: وَلاَ يَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ أُوتُواْ ?لْكِتَـ?بَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ?لأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الحديد:16] ، فاصبر على الطاعة، اصبر على الطاعة كلها، صبر الموقن المحب لها، المؤمن بها، العالم أن الله يرضى عنه أداءها.
أيها المسلم، أمرك أولادك بالصلاة ، لا بد له من صبر، فستسمع منهم شيئًا من العناد، ولذا قال الله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا [طه:132] .
أيها المسلم، فاصبر على الطاعة عن محبةٍ ورضى، واصبر عن المعصية كراهية لها وبغضا، واصبر على القضاء والقدر إيمانًا واحتسابًا، يقول الله جل وعلا: وَبَشّرِ ?لصَّـ?بِرِينَ ?لَّذِينَ إِذَا أَصَـ?بَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ ر?جِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَو?تٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ ?لْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] ، وإذا قُبض ابن العبد، قال الله: (( قبضتم صفيّ عبدي؟ قالوا: نعم، قال ماذا قال عبدي ؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد ) ) [14] ، ويقول النبي عن ربه: (( ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيّه من الدنيا فصبر إلا الجنة ) ) [15] .
أيها المسلم، تقول أم سلمة: سمعت النبي يقول: (( من أصيب بمصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيرًا منها ) )، قالت: فتوفي أبو سلمة، فقلتها، ثم قلت: من مثل أبي سلمة؛ أول بيت هاجر في سبيل الله؟! قالت: فخطبني النبي فكان خيرًا لي من أبي سلمة [16] .
أيها المسلم، صبرك على أولادك، على تربيتهم، وعلى توجيههم، وعلى ما قد تسمع منهم من أذى، فاصبر عليهم واحتسب، ولا تقابل بالدعاء عليهم، والتسخط عليهم، فدعوة الأب مستجابة على ولده.
أخي المسلم، صبرك على الأبوين حال كبرهما، وحال ضعفهما، وحال عجزهما أمر إيماني، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ?لْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَ?خْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ?لذُّلّ مِنَ ?لرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ?رْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:23، 24] .
صبرك - أيها المسلم - على جارك، تتحمل أذاه، وتبذل المعروف له، فيفرقك إما انتقاله عنك أو يفرق بينكما الموت.
صبرك - أيها المسلم - على رحمك، وما عسى أن ينالك منهم من الأذى، فاصبر واحتسب، يقول رجل: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، أحسن إليهم ويسيئون إلي، أحلم عليهم ويجهلون علي، قال: (( إن كنت كما قلت، فلا يزال عليهم من الله ظهير، وكأنما تُسفُّهم الملّ ) ) [17] .
أيها المسلم، صبرك على من تحت يديك من عامل أو غيره، لا بد من الصبر، فلن تكون الأمور كلها على انتظام دائمًا.
صبر الرجل على امرأته وأخطائها، وشيء من تقصيرها لا بد من ذلك، فإنك إن أردت المرأة كاملة في كل الصفات لن تستقيم لك، والمرأة خلقت من ضلع، وأعوج ما في الضلع أعلاه، فلا بد من صبر عليها، ورضًا بشيء من أخلاقها، (( لا يَفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر ) ) [18] .
صبر المرأة على زوجها، فلا بد للمرأة أن تصبر على زوجها، ولا تعاتبه في كل الأخطاء، بل تتحمل ما يمكنها تحمله، فذاك أدعى لدوام المحبة والمودة.
صبرك على الغريم لا بد منه، سيما إن كان معسرًا، فإن الصبر مطلوب، وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280] ، في الحديث: (( من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله ) ) [19] ، يوم لا ظل إلا ظله.
صبر المسؤول على من تحت يده من موظفين، فلا بد من صبر على الناس، وليس كل أحد يقوم بواجبه خير قيام، وأخلاق الناس متفاوتة، وطباعهم متغايرة، فلا بد من صبر على الجميع، ونظر في عواقب الأمور، فإن الصابر يدرك بصبره الخير الكثير، فلا بد من صبر على الأمور كلها، ومن فقد الصبر فقد الخير في أموره كلها.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والعون على كل خير، إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] أخرجه مسلم في: الزهد والرقائق ، باب: المؤمن أمره كله خير (2999) من حديث صهيب رضي الله عنه بنحوه.
[2] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء ، باب: حديث الخضر مع موسى عليه السلام (3405) ، ومسلم في: الزكاة ، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (1062) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بنحوه.
[3] انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/381) ، وقال الحافظ في الفتح (7/324) :"وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل".
[4] أخرجه البخاري في: بدء الخلق ، باب: ذكر الملائكة (3231) ، ومسلم في: الجهاد والسير ، باب: ما لقي النبي (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
[5] أخرجه البخاري في: التفسير ، باب: قوله: سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ (4905) ، ومسلم في: البر والصلة ، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (2584) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بمعناه.
[6] قصة استئذان عبد الله النبي في قتل أبيه ، أخرجها الحميدي في مسنده (2/250) من طريق سفيان عن أبي هارون المدني عنه ، وعزاها الحافظ في الإصابة (6/143) لابن منده من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، والطبراني من طريق عروة عن عبد الله بن عبد الله بن أبي.
[7] أخرجها البخاري في: الجنائز ، باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ (1350) ، ومسلم في: صفات المنافقين وأحكامهم (2773) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، بمعناه وليس فيه إنزاله القبر.
[8] أخرجه البخاري في: فرض الخمس ، باب: ما كان النبي يعطي المؤلفة قلوبهم.. (3150) ، ومسلم في: الزكاة (1062) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[9] أخرجه البخاري في: المناقب ، باب: علامات النبوة في الإسلام (13610) ، ومسلم في: الزكاة ، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم (1064) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بنحوه.
[10] أخرجه البخاري في: الوكالة ، باب: الوكالة في قضاء الديون (2306) ، ومسلم في: المساقاة ، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرا منه (1601) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، بنحوه وليس فيه مقالة الرجل ، ولا قول النبي: (( أنا أولى أن تعاتبوني منه ) ).
[11] أخرجه البخاري في: الجهاد والسير ، باب: الشجاعة في الحرب والجبن (2821) من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه بلفظ: (( لو كان لي عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلًا ) ).. الحديث.
[12] أخرجه البخاري في: الوصايا ، باب: استخدام اليتيم في السفر والحضر... (2768) ، ومسلم في: الفضائل ، باب: كان رسول الله أحسن.. (2309) بنحوه.
[13] أخرجه البخاري في: المناقب ، باب: صفة رسول الله (3563) ، ومسلم في: الأشربة (2064) من قول أبي هريرة رضي الله عنه.
[14] أخرجه أحمد (4/415) ، والترمذي في: الجنائز ، باب: فضل المصيبة إذا احتسب (1021) ، وأبو داود الطيالسي (508) من حديث أبي موسى رضي الله عنه بنحوه. وصححه ابن حبان (7/210-2948) ، والألباني في الصحيحة برقم (1408) .
[15] أخرجه البخاري في: الرقاق ، باب: العمل الذي يبتغى به وجه الله (6424) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[16] أخرجه مسلم في: الجنائز ، باب: ما يقال عند المصيبة (918) بنحوه.
[17] أخرجه مسلم في: البر والصلة باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2558) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[18] أخرجه مسلم في: الرضاع ، باب: الوصية بالنساء (1469) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
[19] أخرجه مسلم في: الزهد والرقائق (3014) من حديث أبي اليسر رضي الله عنه.
الحمد لله، حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، الصبر نال به المتقون جنات النعيم، وَالمَلَـ?ئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـ?مٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى? ?لدَّارِ [الرعد:23، 24] ، صبروا على الطاعات قليلًا، فنالوا ثوابها طويلًا، صبروا على قيام الليل، وصيام الهواجر، صبروا أنفسهم عما حرم الله، فنالوا السعادة في الدنيا والآخرة، هذه هي النعمة العظيمة، وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان:12] .
قال عطاء بن أبي رباح: قال لي عبد الله بن عباس: ألا أريك امرأةً من أهل الجنة تعيش بيننا؟! ألا أريك امرأة من أهل الجنة هي بيننا في الدنيا؟ قال: نعم، قال: تلك الأمة السوداء، أتت النبي وقالت: يا رسول الله، إني أصرع فأتكشف فادع الله أن يرفعه عني، قال: (( إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك ) )، قالت: يا رسول الله أصبر، ولكني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف، فدعا الله لها أن لا تتكشف [1] ، فهي تمشي في الدنيا وهي من أهل الجنة.
هذا الصبر على القضاء والقدر والاحتساب.
أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الصابرين الصادقين، إنه على كل شيء قدير.
واعلموا - رحمكم الله - أن أحسن الحديث كتاب الله...
[1] أخرجه البخاري في المرضى (5652) ، ومسلم في البر (2576) .