فقه
الصلاة
عبد السلام بن محمد زود
سدني
مسجد السنة
1-أخطاء في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال. 2- ترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة. 3- أخطاء في قراءة سورة الفاتحة. 4- أخطاء في التأمين. 5- أخطاء في صفة الرفع من الركوع. 6- مسابقة الإمام. 7- عدم إقامة الصلب.
أما بعد: فخطبة اليوم تكملة لخطبة الجمعة الماضية والتي كانت ولا تزال بعنوان: (من أخطاء المصلين في الصلاة) . ونظرا لضيق الوقت والموضوع طويل فإني سأبدأ في استكمال هذه الأخطاء، فأعيروني أسماعكم وأبصاركم وقلوبكم، لنفهم سويا ما ستسمعون، فأقول وبالله التوفيق:
ومن الأخطاء في النطق بتكبيرة الإحرام (الله أكبر) وتكبيرات الانتقال ما يلي: أولًا: إدخال همزة الاستفهام على لفظ الجلالة (الله) ، فيقولون: (آلله أكبر) وهذا كفر لفظي، لأنه يستفهم: هل الله أكبر؟ ثانيا: إدخال همزة الاستفهام على لفظة (أكبر) فيقولون: (آكبر) فيكون: (آكبر) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أهو أكبر؟ وهذا كفر أيضًا، وهذان الخطآن سببهما المد الزائد في حرف الألف، لذلك قال النَّووي:"المذهب الصحيح المشهور أنه يستحب أن يأتي بتكبيرة الإحرام بسرعة، ولا يمدها. هكذا (الله أكبر) ". ثالثا: زيادة واو بعد لفظ الجلالة (الله) فيقولون: (الله وأكبر) فانتبه لهذا وابتعد عنه.
ومن الأخطاء مسابقة الإمام في تكبيرة الإحرام، فبعض المصلين ـ هداهم الله ـ ونتيجة لعدم تركيزهم في الصلاة أو لعجلتهم الشديدة فإنهم يتعجلون بتكبيرة الإحرام قبل الإمام، وما عرف المساكين أن فعلهم هذا يبطل صلاتهم بالكلية، فضلا عن الإثم المترتب على ذلك، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:"إذا سبق المأموم إمامه في الصلاة فإن كان سبْقُهُ إياه بتكبيرة الإحرام فصلاة المأموم غير منعقدة، وعليه أن يعيد الصلاة، ودليل ذلك قول النبي: (( إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ) )متفق عليه من حديث أبي هريرة ، فأمر بالتكبير بعد تكبيرة الإمام، فإذا كبَّر المأموم تكبيرة الإحرام قبل إمامه فقد فعل فعلا ليس عليه أمر الله ورسولِه" [فتاوى نور على الدرب ص 16] ، فاحذر ـ أخي ـ أن تكبر قبل الإمام، وإلا بَطَلَتْ صلاتُك.
ومن الأخطاء جهر معظمِ المأمومين بتكبيرة الإحرام، حتى إنك ترى بعضهم يردّد تكبيرة الإحرام، ويلتوي حتى كأنه يحاول أمرًا فادحًا، أو كأنه يشرب أجاجًا مالحًا، فيقع في الخيبة والحرمان، ويبلغ الشيطان منه مراده، ويؤذي من حوله بالجهر بالتكبير وترديده، ويظنّ أنه لا يُسْمِع نفسَهُ إلا بذلك، فيتضاعف وزره، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والسُّنَّة في تكبيرة الإحرام أن يجهر بها الإمام، ومن يبلّغ عنه إن كانت هناك حاجة، أما المأموم فلا يجهر بتكبيرة الإحرام أبدا، ولا بغيرها من التكبيرات، بل يقولها سرّا، فالزم ذلك ـ أخي ـ يكن خيرا لك في الدارين.
ومن الأخطاء ترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة، هل تعلمون ـ إخواني ـ أن بعض عوام المصلّين يتركون دعاء الاستفتاح والاستعاذة ويبدؤون بقراءة الفاتحة مباشرة؟! والسُّنَّة بعد تكبيرة الإحرام الإتيان بدعاء الاستفتاح أوّلا: (( سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيرُكَ ) )رواه أبو داود والحاكم وصححه وافقه الذهبي، ويكون في أول ركعة من الصلاة فقط، ثم الإتيان بالاستعاذة ثانيا: (( أَعُوذُ بِاللهِ السَّميعِ العَليمِ من الشَيطَانِ الرَّجيمِ، من هَمْزِهِ ـ أي: جنونه ـ وَنَفْخِهِ ـ أي: كبره ـ وَنَفْثِهِ ـ أي: شعره ـ ) )رواه أبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر، ثم البسملة ثالثا: (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، والظاهر مشروعية الاستعاذة في كلِّ ركعة، لعموم قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98] ، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ورجحه ابن حزم في المحلى. [انظر المجموع للنووي 3/323] . فاحرص ـ أخي ـ على دعاء الاستفتاح في أول الصلاة، والاستعاذة والبسملة في كل ركعة قبل قراءة الفاتحة، جزاك الله خيرا.
أما الجهر بالبسملة والإسرار بها فالأمر فيه سعة كما قال ابن القيّم رحمه الله:"وكان يجهر بـ (بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها" [زاد المعاد 1/272] ، فإذا سمعت ـ أخي ـ أحدا يجهر بها فلا تنكر عليه، وإذا أسرها فلا تنكر عليه، فكلاهما ثبت عن النبي ، لكن الإسرار بها أكثر.
ومن الأخطاء العجلة الزائدة في قراءة الفاتحة. إخواني في الله، مما أود التنبيه عليه، أن بعض المصلين يخالف السنة في القراءة، فيصل الآية بالآية الأخرى، وربما وصل ثلاث آيات أو أكثر مع بعضها البعض بِنَفَسٍ واحد، وهذا أمر وإن كان جائزا إلا أنه خلاف السنة، ففي سنن أبي داود عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله فقالت: يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، وفي رواية: كان إذا قرأ قَطَعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، يقول: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم يقف، ثم يقول: الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ ثم يقف، ثم يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم يقف، ثم يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ وهكذا إلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلها يقف على رؤوس الآي، ولا يصلها بما بعدها. رواه أبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ورواه أبو عمرو الداني في المكتفى.
والقراءة آيةً آيةً سنة تركها أكثر قرَّاء هذا الزَّمان، فتسمعهم يقرؤون الفاتحة حتى في الصلاة بِنَفَسٍ واحدٍ، لا يقفون على رؤوس الآي، أما عن العوام فالخطب أشد وأخطر؛ إذ إنهم كثيرو اللحن في قراءتها، وربما يُسقطون حروفًا منها، أو يبدِّلونها بأخرى: كأن يقولوا:"الهمد لله"بالهاء بدل الحاء، أو"الرهمن الرهيم"بالهاء بدل الحاء، أو يقولوا:"السراط"بالسين بدل الصاد، أو يقولوا:"الصرات بالتاء بدل الطاء، أو يقولوا:"الَّزين"بالزاي بدل الذال المعجمة، أو يقولوا:"الظَّالين"بالظَّاء بدل الضاد، أو يقولوا:"إياك نعبدوا وإياك نستعين"بزيادة واو في"نعبد"، أو يقولوا:"إِيَاكَ نعبد"بإسقاط الشدَّة في"إيَّاك"وإن قصد المعنى كفر، لأن الإياك هو ضوء الشمس، أو يقولوا:"وإيَّاك نستعيم"بالميم بدل النون، أو يقولوا:"اهدينا الصراط المستقيم"بزيادة ياء في"اهدنا"، أو يقولوا:"غير المغدوب عليهم"بإبدال الضاد دالا، أو يقولوا:"ولا الضاليم"بالميم بدل النون، أو يقولوا:"ولا الدالين"بالدال بدل الضاد."
هذا على صعيد الأحرف إبدالا أو زيادة أو نقصا، أما اللحن الخفيّ الذي لا ينتبهون له فكثير وكثير جدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومنه:"الحمدُ للهْ ربْ العالمين"بإسكان لفظ الجلالة"الله"و"رب"بدل كسرهما"للهِ ربِّ"، وكذلك:"الرَّحمنْ الرَّحيم"بإسكان النون بدل كسرها، وكذلك:"الرُّحمنِ الرَّحيم"بضم راء بدل فتحها، وكذلك:"مالكْ يومْ الدّين"بتسكين الكل بدل الكسر، وكذلك:"إيَّاك نعبِدُ"بكسر الباء بدل ضمها.
إخواني، كانت هذه جملة من الأخطاء التي يقع فيها بعض المصلين في الفاتحة فقط، أما غيرُ الفاتحة فالله أعلم، لذلك أوصي الجميع بتعلم قراءة كتاب الله عز وجل، وعلى رأسه الفاتحة التي لا تصح الصلاة إلا بها، فخيركم من تعلم القرآن وعلمه، كما قال النبي.
ومن الأخطاء قول بعض المأمومين في الصلاة الجهرية حين يقرأ الإمام: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] :"استعنا بالله"أو"استعنا بك يا رب"، وقول بعضهم عندما يوشك الإمام على الانتهاء من قراءة الفاتحة:"رب اغفر لي ولوالدي"طمعا وظنّا منه أن المأمومين يؤمنون على دعائه، ولم يدر المسكين أن المأمومين يؤمنون على دعاء الإمام:"اهدنا الصراط المستقيم"، ولم يخطر ببالهم لا هو ولا دعاؤه المبتدع في هذا الموطن.
ومن الأخطاء عدم رفع الإمام صوته بالتأمين عقب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية. أجل إخواني، هذه من المخالفات، لأن السنة أن يجهر الإمام بـ (آمين) عقب قراءته للفاتحة، فعن أبي هريرة قال: كان رسول الله إذا فرغ من قراءة أُم القرآن رفع صوته، وقال: (( آمين ) )أخرجه ابن حبان في الصحيح. وترجم البخاري في صحيحه:"باب جهر الإمام بالتَّأمين"، وأورد فيه مجموعة آثار معلّقة وحديثًا مرفوعًا، فقال:"أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً"أي: صوتا مرتفعا. والجمهور على أن الإمام يجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية كما ترجم البخاري. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: (( آمِينَ ) )رواه البخاري.
فنوصي كل من وقف إماما في المسجد أو في بيته أن يقول عقب الفاتحة: آمين، ويجهر بها، وإلا فكيف يعلم من وراءه من المأمومين بتأمينه إذا لم يرفع صوته به؟!
ومن الأخطاء أيضا عدم تأمين المأموم أو عدمُ جهره بالتأمين؛ لأن السنة كما قال: (( إذا أمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) )، فإن هذا يدل على وجوب التأمين على المأموم إذا أمَّن الإمام. وقال ابن حزم في المحلى:"وأما قول (آمين) فيقولها المأموم فرضًا ولا بد".
ومن الأخطاء مسابقة المأمومين لإمامهم في التأمين، والسنَّة أن يؤمّنوا معه ولا يسبقونه، والدليل ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي قال: (( إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا ) ). وأخرج البخاري في صحيحه أيضا عن أبي موسى أن النبي قال: (( وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ ) ). قال النووي:"فيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام لا بعده، فإذا قال الإمام: ولا الضالين قال الإمام والمأموم معًا آمين". فاحرصوا ـ إخواني ـ على أن تؤمّنوا مع الإمام لا قبله ولا بعده، لتنالوا مغفرة ما تقدم من ذنوبكم، كما قال: (( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) )رواه البخاري.
ومن الأخطاء مد كلمة (آمين) ، حيث يمدون مدَّ البدل الذي هو الألف في أولها ستة حركات فيقولون:"آااااامين"، والأصل أن يُمَدَّ حركتين فقط، أما آخرها فلهم أن يمدّوها حركتين أو أربع أو ستّ حركات مدّا عارضا للسكون، هكذا: (آمين) . وبعضهم يشدّد الميم فيقول: (آمِّين) يعني قاصدين، وهذا خطأ، بل صرح المتولي من الشافعية بأن من قاله هكذا بطلت صلاته. انظر فتح الباري 2/265 والله أعلم.
ومن الأخطاء رفع الرأس عند قول (آمين) ، نجد ـ إخواني ـ أن بعض المصلين يلتزم بالسنة، فينظر إلى موضع سجوده، لكنه عندما يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ فإنه يرفع رأسه إلى أعلى ليقول: (آمين) ، وهذا العمل مخالف لهدي النبي ، فإن السنة أن تستمر في النظر إلى موضع سجودك.
ومن الأخطاء وصل القراءة بتكبيرة الركوع هكذا:"إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ الله أكبر"، وهذا غلط أيضا، والصواب أن تسكت بعد الانتهاء من القراءة حتى يرجع إليك النَّفَسُ، ثم تقول: (الله أكبر) وتركع، قال الإمام أحمد:"وكان النبي يسكت إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع حتى يتنفس" [إرواء الغليل 2/284-288] يعني ثم يركع. وكان إذا فرغ من القراءة سكت هنيهة ليرجع إليه نفسه.
ومن الأخطاء التكبير للركوع بعد إتمام الركوع، وقول: سمع الله لمن حمده بعد الوقوف:، بعض المصلين ـ هداهم الله ـ لا يكبرون إلا بعد الركوع أو بعد السجود، وهذا خطأ. والسنَّة أن يبتدأ بالذِّكر تكبيرا كان أو غير ذلك، ثم يشرع في الركوع أو السجود، فعن أبي هريرة مرفوعًا: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ كَبَّرَ ثُمَّ يَسْجُدُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْقَعْدَةِ كَبَّرَ ثُمَّ قَامَ. رواه أبو يعلى في المسند بإسناد جيد. فالحديث نص صريح في أن السنَّة التكبير ثم السجود، لذلك احرص ـ أخي ـ أن تكبر ثم تركع، وأن تكبر ثم تسجد، وأن تكبر ثم تنهض وهكذا، جزاك الله خيرا.
ومن الأخطاء مسابقة الإمام أو مساواتُه بأفعال الصَّلاة كالركوع والسجود والرفع منهما، بعض المصلين ـ هدانا الله وإياهم ـ يكبرون مع الإمام، ويركعون معه، ويسجدون معه، بل ربما يسبقونه في بعض الأحيان، خاصة عندما يرفع من السجود إلى القيام، فعن أنس بن مالك قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامكُمْ، فَلاَ تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ، وَلاَ بِالْقِيَامَ وَلاَ بِالانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي ) )رواه مسلم. بل توعد الذين يسبقونه بذلك فقال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قَالَ مُحَمَّدٌ: (( أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟! ) )متفق عليه، وعن البراء بن عازب قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ. متفق عليه.
من هذه الأحاديث يتبيّن لنا أن مسابقة الإمام محرَّمةٌ اتِّفاقًا لظاهر هذه الأحاديث، إذ فيها توعّد بالمسخ، وهو من أشدِّ العقوبات، فإن سبقه بتكبيرة الإحرام أو بالسلام بطلت صلاة المأموم كما هو رأي الجمهور، وإن سبقه بغيرهما وانتظر حتى أدركه الإمام فهو حرام يأثم فاعله وصلاته صحيحة، وعن ابن عمر وأحمد أنها باطلة، بناء على أن النهي يقتضي الفساد. ذكر ذلك الإمام أحمد في (رسالة الصلاة ص37-38) .
واختُلف في معنى تحويل رأسه إلى رأس حمار على أقوال ذكرها الإمام النووي وابن حجر، لكن ابن حجر ذكر قصة هنا عن بعض المحدّثين أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخٍ مشهورٍ بها، فقرأ عليه جملة، لكنه كان يجعل بينه وبينه حجابًا، ولم ير وجهه، فلما طالت ملازمتُه له ورأى حرصه على الحديث كشف له الستر، فرأى وجهه وجه حمار، فقال له: احذر ـ يا بُنيَّ ـ أن تسبق الإمام، فإني لما مرَّ بي في الحديث استبعدتُ وقوعه، فسبقتُ الإمام، فصار وجهي كما ترى. انظر فتح الملْهِم شرح صحيح مسلم 2/64.
وعلاج مَنْ يسابق الإمام ودواؤه أن يعلم أنه مهما استعجل فلن يسلِّم قبل الإمام، فلِم العجلة إذًا وهي لا تَجني لصاحبها هنا إلا الإثم والعقاب؟!! فاحذر ـ أخي ـ أن تسابق الإمام في ركوع أو سجود أو أي فعل من أفعال الصلاة، فتبطل صلاتك.
وهناك فريق على العكس من هؤلاء، يتأخرون عن الإمام، فترى الإمام مثلا قد ركع وأخونا لا زال واقفا يقرأ، ولا أدري ماذا يقرأ وقد سمع إمامه كبَّر للركوع وركع، بل وأوشك أن يرفع منه؟! وهؤلاء خالفوا قول النبي: (( إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ) )رواه البخاري عن أنس. فمقتضى الحديث أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، لا أن يتأخَّر عنه حتى يقارب القيام منه، ومن ثم يركع المأموم، ويبقى على هذا الحال، يلاحق الإمام ملاحقة، فلا هو مطمئن في صلاته، ولا يدري ما يقول فيها، ويتخوّف عليها من النقصان أو البطلان، وهنا على الأئمة أن يتّقوا الله في صلاتهم وصلاة الناس، فإنهم ضامنون، فعليهم بالطمأنينة والتؤَدة وعدم العجلة، والله الهادي إلى سواء السبيل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
ومن الأخطاء التي كثيرًا ما يقع بها الناس عدم إقامة الصلب وهو الظهر في القيام والجلوس والركوع والسجود، فيلاحظ على بعض المصلين أن قيامه في صلاته غير مكتمل، فتارة تراه واقفا محدوب الظهر، وتارة تراه مائلًا جهة اليمين أو جهة اليسار، وتارة ترى ظهره في الركوع منحنيا كالقوس، وغير مستقيم عند الرفع منه، وهذا كله منهيّ عنه، حيث وردت النصوص الصحيحة الصريحة على إقامة الصلب في القيام والجلوس، قال: (( لاَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَى عَبْدٍ لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ) )أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح، وأمر المسيء صلاته بذلك فقال: (( ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ ـ من الركوع ـ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ) )رواه البخاري، وفي رواية: (( وَإِذَا رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبَكَ، وَارْفَعْ رَأْسَكَ، حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا ) )رواه الشافعي في مسنده، ثم قال: (( لاَ تَتَمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ) )رواه أبو داود في سننه عن رفاعة بن رافع. وثبت عنه في مسند الإمام أحمد أنه كان يصلي فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: (( يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ) ). فعلى كل أخ أن يحرص على إقامة ظهره ما استطاع في صلاته لتسلم له، لأن عدم إقامة الظهر في الركوع والسجود نقص بل سرقة في الصلاة، فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله: (( أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلاَتِهِ، لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلاَ سُجُودَهَا ـ أو قال: ـ لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ) )رواه أحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
إخواني في الله، ولرب سائل يسأل: كيف يقيم أحدنا ظهره في صلاته لكي لا يقع في هذا الخطأ الذي يفسد عليه صلاته؟ والجواب كما في صحيح البخاري من حديث أبي حميد الساعدي وهو يصف صلاة رسول الله قال: وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ ـ أي: ثناه في استواء من غير تقويس ـ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ ، يعني حتى ترجع خرزات الظهر إلى مكانها. وثبت في سنن ابن ماجه وغيره أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ، حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لاسْتَقَرَّ، أي: مكانه، وقال للمسيء صلاته: (( فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلَ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَامْدُدْ ظَهْرَكَ، وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ ) )رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح.
واتفق الأئمة وغيرهم على أنه يسن في الركوع أخذ الركبتين باليدين، وتفريج الأصابع في الركوع، وبسط الظهر، وتسوية الرأس بالعَجُز، ومباعدة المرفقين عن الجنبين، والمكث فيه حتى يأخذ كلُّ عضوٍ مأخذه، وإذا رفعت من الركوع فاعتدل حتى ترجع كل خرزة من خرزات ظهرك إلى مكانها.
إخواني في الله، ومن خلال الأحاديث السابقة نجد أن التركيز كله على الظهر، وأنه يجب أن يكون مستقيما في القيام والركوع والرفع منه والجلوس وهكذا، فاحرص ـ أخي ـ على إقامة ظهرك في صلاتك كلها حتى تقبل منك.
أخيرا ألخص لكم أخطاء اليوم فأقول:
1-لا تقل: (آلله أكبر) ولا (الله آكبر) ولا (الله واكبر) ، بل قل: (الله أكبر) .
2-لا تسابق الإمام في تكبيرة الإحرام، وإذا سابقته بطلت صلاتك وعليك أن تعيدها، بل السنة أن تكبر بعده.
3-لا تجهر بتكبيرة الإحرام، بل السنة أن تسرّها إذا كنت مأموما.
4-لا تترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة، بل السنة أن تحرص على قولهما.
5-أما البسملة فأسرَّ بقراءتها أكثر من الجهر بها.
6-لا تعجل بقراءة الفاتحة، بل اقرأها بهدوء، مقطعة آية آية كما كان النبي يقرؤها.
7-ومن الأخطاء قول بعض المأمومين في الصلاة الجهرية حين يقرأ الإمام: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: (استعنا بالله) أو (استعنا بك يا رب) ، وقول بعضهم عندما يوشك الإمام على الانتهاء من قراءة الفاتحة: (ربّ اغفر لي ولوالدي) ، والسُّنَّة الاستماع والإنصات.
8-ومن الأخطاء عدم رفع الإمام صوته بالتأمين عقب قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، والسُّنَّة أن يرفع صوته بالتأمين.
9-ومن الأخطاء عدم تأمين المأمومين أو عدم جهرهم بالتأمين، والسُّنَّة أن يؤمنوا بل ويجهروا بالتأمين.
10-ومن الأخطاء مسابقة المأمومين لإمامهم في التأمين، والسُّنَّة أن يؤمنوا معه ليفوزوا بمغفرة ما تقدم من ذنوبهم.
11 -لا تقل (آااااامين) أو (آمِّين) بتشديد الميم، بل قل: (آمين) .
12 -لا ترفع رأسك عند قولك: (آمين) ، بل استمر في النظر إلى موضع سجودك.
13 -لا توصل القراءة بتكبيرة الركوع، بل اسكت بعد الانتهاء من القراءة حتى يرجع إليك النَّفَسُ، ثم قل: (الله أكبر) واركع.
14 -لا تكبر بعد إتمام الركوع والسجود، بل كبِّر عند البدء بهما، ولا تقل: (سمع الله لمن حمده) بعد الوقوف، بل قلها عند البدء بالرفع.
15 -لا تسابق الإمام في الركوع والسجود والرفع منهما والقيام، ولا تتأخر عنه كثيرا، بل اركع إذا ركع ولو لم تنه القراءة، وارفع إذا رفع ولو لم تنه التسبيح، وهكذا تابعه.
16 -واحرص كل الحرص على إقامة ظهرك في الصلاة كلها حتى تقبل منك، وقد عرفت كيف تقيمه.
وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، اللهم تقبل منا صلاتنا، وثقل بها موازيننا، ولا تضرب بها وجوهنا، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...