فهرس الكتاب

الصفحة 5336 من 5777

أهمية الخشوع في الصلاة

الرقاق والأخلاق والآداب, فقه

أعمال القلوب, الصلاة

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-أهل التقوى. 2- أفضل الأعمال الصالحة. 3- منزلة الصلاة في الإسلام. 4- قلة المستفيدين من الصلاة. 5- الطمأنينة في الصلاة ركن من أركانها. 6- ذم الانشغال عن الصلاة وعدم الخشوع فيها. 7- السبيل لتحقيق الخشوع في الصلاة.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، فتقوى الله خير الزاد، وهي أفضل ما ادخرتم، وخير ما عملتم، بها تنال محبة الله، تنجيكم من النار، وتقربكم من دار الأبرار، العون والنصر معلق بها، ومحبة الله لأهلها.

عباد الله، إذا ذكرت التقوى ذكر العمل الصالح، فالصالحون هم أهل التقوى، أخلصوا لله، واتبعوا سنة رسول الله ، ابتعدوا عن المعاصي، وجانبوا اللهو واللعب، أطاعوا الله واستجابوا لندائه؛ فنالوا رضاه.

أيها المسلمون، أفضل العمل الصالح الصلاة، هي عمود الدين وعنوان السعادة، أمر الله المؤمنين بالاستعانة بها عند الشدائد: وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ، وكان رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، هي الفارقة بين الكفر والإيمان، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، من حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وهي قرة عين المصطفى.

عباد الله، مكانة الصلاة عند الله عالية، ولهذا فرضها على رسوله بلا واسطة، فرضها على رسوله في ليلة الإسراء والمعراج، فرضها خمسين صلاة، ثم خفضها إلى خمس صلوات بالفعل وخمسين في الميزان، وفي هذا دليل كبير على فضلها ومكانتها.

أليس في الصلاة تعظيم لله ومناجاة له وقراءة من كتابه؟! أليست تنهى عن الفحشاء والمنكر وتقرّب إلى الله سبحانه؟! أليست قرة عيون الموحدين وراحة المؤمنين المتقين (( أرحنا بها يا بلال ) )؟!

إن صلاة هذا شأنها وهذه مكانتها لحقيقة بالعناية والاهتمام، حقيقة بأن يبذل الإنسان لها جهده كله، وأن تكون أكبر همه، وأن يكون مشتاقًا إليها غاية الشوق.

أيها المسلمون، فاعل الصلاة كثير، لكن أين المستفيد منها والمتعظ بها والمقيم لها حق إقامتها؟!

إن كثيرًا من المصلين لا يعرف للصلاة فائدة، ولا يقدرها حق قدرها، ولهذا ثقلت عليهم، وشق عليهم انتظارها، بل يشق عليهم فعلها، فنقروها نقر الغراب، لم يطمئنوا فيها، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلًا، وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلًا.

الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، فلا صلاة لمن لم يطمئن ولو صلّى ألف مرة، ولهذا قال النبي للرجل الذي لم يطمئن في صلاته: (( ارجع فصل فإنك لم تصلِّ ) )، فرجع فصلى عدة مرات، والنبي يقول له: (( ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ ) )، حتى علمه النبي وأمره أن يطمئن في صلاته.

إن من الناس ـ يا عباد الله ـ من يصلي بجسمه لا بقلبه، ليس في قلبه خشوع، قد دخل المسجد بجسمه وترك قلبه يهيم في كل واد، أمور لا مصلحة له منها إن لم يكن فيها ضرر عليه، كيف يرجو مثل هذا أن تكون الصلاة نورًا له وبرهانًا يوم القيامة.

إن الانشغال عن الصلاة وعدم الخشوع فيها يُنقصها نقصًا كبيرًا، ينقص أجرها وثوابها، ينقص أثرها وتأثيرها على القلب والجوارح والأخلاق.

وإن مما يعين المصلي على الخشوع أن يلجأ إلى الله، ويفتقر إليه، ويلوذ بجنابه سبحانه، ويسأله أن يعينه على إحسان العمل، وأن يبعد عنه الوساوس والأوهام، وأن يستحضر أنه يقف بين يدي الله سبحانه، بين يدي ربه وخالقه والمدبر له، الذي يعلم السر وأخفى، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كيف يليق بالمسلم أن يقف بين يدي مالك يوم الدين وقلبه مشغول عنه؟!

لا بد للمسلم أن يعتقد أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه، وإن أعرض أعرض الله عنه، جَزَاء وِفَاقًا، والجزاء من جنس العمل.

إنّ لُبّ الصلاة وروحها هو الخشوع، فإذا ذهبت الروح زالت الحياة، وجسم بلا حياة لا خير فيه ولا فائدة.

أيها المسلمون، من أراد الخشوع في الصلاة فليحضر قلبه مع القراءة والذكر، وليتدبر ما يقول ويفعل.

التكبير تعظيم لله وذل بين يديه، ووضع اليد اليمنى على اليسرى ذل بين يدي الله، وفي الركوع والسجود تعظيم وتطامن أمام علوِّ الله. وليتذكر حين قراءة الفاتحة أن الله يجيبه من فوق سبع سماوات، فإذا قال: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. أليس هذا شرفًا عظيمًا للمصلي أن يجيبه الله هكذا؟!

تذكر أن الله يسمع صوتك إن خفضت الصوت أو رفعته. عظّم الله في ركوعك وسجودك، وأكثر من الدعاء في السجود. التزم السنة في النظر إلى موضع السجود والإشارة بالأصبع في حال الجلوس، واعلم أن الله يراك، وهو محيط بك علمًا وقدرة وتدبيرًا.

فاتقوا الله عباد الله، وأقيموا الصلاة، وحافظوا عليها، واخشعوا فيها؛ تنالوا عز الدنيا والآخرة.

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله المعز لمن أطاعه واتبع رضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب لنا سواه، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، اجتباه ربه واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هديه بإحسان ووالاه.

أما بعد: اتقوا الله عباد الله، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

أيها المسلمون، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ولقد كان النبي يقول لبلال: (( أقم الصلاة أرحنا بها ) ).

تذكروا ثواب الصلاة وما أعد الله من الأجر لمن أقامها وأتم واجباتها وسننها، وعقابه لمن أخل بشيء من ذلك.

صلوا صلاة مودع، وابتعدوا عن كل ما يلهيكم عن الخشوع، فقد صلى النبي في خميصة لها أعلام ـ أي: فيها خطوط ـ، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: (( اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي ) ).

قال بعض السلف: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله عز وجل، والآخر ساهٍ غافل.

فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقربًا، فما الظن بالخالق عز وجل؟! وإذا أقبل على الخالق وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟!

فاتقوا الله عباد الله، وأروا الله من أنفسكم خيرًا تسعدوا وتفلحوا.

ثم صلوا وسلموا على خير البرية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت