فهرس الكتاب

الصفحة 4388 من 5777

حول حادث الإفساد في مدينة الخرطوم

الإيمان, فقه, موضوعات عامة

الحدود, الصلاة, الولاء والبراء, جرائم وحوادث

مهران ماهر عثمان نوري

الخرطوم

خالد بن الوليد

1-حكم الصلاة والاستغفار للمشرك ووصفه بالشهادة. 2- وجوب دفع الصائل. 3- عدم جواز التعرض لغير المعتدي. 4- وجوب مناصرة المسلم. 5- خطر الشائعات والخروج على الحاكم في أوقات الفتن. 6- شدة عداوة النصارى للمسلمين. 7- وجوب إقامة حد الحرابة على محدثي أعمال الشغب.

أما بعد: فيقول الله تعالى في محكم تنزيله: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [التوبة:33] .

أيها المؤمنون، كلنا عايش أحداث الاثنين 26 جمادى الآخرة 1426هـ، المتمثّلة في قيام فئة باغية بعد إعلان موت"جون قرنق"بقتل وجرح الأبرياء وإحراق المتاجر وانتهاك الأعراض وقطع الطريق، وفي ترحّم بعض الناس لهذا النصراني بل والشهادة بأنه من الشهداء! ولنا وقفات حيال هذا الحادث الأثيم.

أيها المؤمنون، لا يجوز لمسلم أن يستغفر لكافر أبدًا وإن كان أباه أو قريبه، قال تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:113، 114] .

جاء في سبب نزول هذه الآية عن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أُميّة بن المغيرة، فقال رسول الله: (( يا عم، قل: لا إله إلا الله؛ كلمة أشهد لك بها عند الله ) )، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُميّة: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله: (( أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك ) )، فأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] . أخرجاه في الصحيحين.

قال ابن حجر موضّحًا معنى قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ:"خبر بمعنى النهي" [1] .

وجاء أيضًا في سبب نزولها عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟! فقال: أوليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟! فذكرت ذلك للنبي فنزلت: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ. أخرجه الترمذي وحسّنه الألباني.

ومن الآيات المحرمة لذلك قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:80] . فعزم النبي على أن يزيد على السبعين فنزلت الآية: سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المنافقون:6] .

ومن الآيات: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84] . نزلت بعدما صلّى النبي على عبد الله بن أُبي ابن سلول، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن عبد الله بن أُبي لما توفّي جاء ابنه إلى النبي فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفّنه فيه وصلِّ عليه واستغفر له، فأعطاه النبي قميصه فقال: (( آذِنّي أصلي عليه ) )، فآذَنَه، فلما أراد أن يصلّي عليه جَذَبَه عمر فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟! فقال: (( أنا بين خِيرَتَين، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ) )، فصلّى عليه، فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ. أخرجاه في الصحيحين.

وقد جاء في السنة ما يؤكد هذا الأمر، ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ) ). قال النووي:"وفيه النهي عن الاستغفار للكفار. قال القاضي عياض رحمه الله: سبب زيارته قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله في آخر الحديث: (( فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الموت ) )" [2] .

وجاء في تفسير الطبري عن عصمة بن راشد عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة ولأمه، قلت: ولأبيه، قال:لا؛ إن أبي مات وهو مشرك [3] .

وقد ثبت في المذاهب الأربعة أن هذا الفعل ـ أعني: الاستغفار للمشرك ـ لا يجوز.

قال الإمام القرطبي المالكي رحمه الله:"فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز" [4] .

وجاء في المبسوط للسرخسي:"إذا وَجَدَ ميتًا في أرض كفر فالظاهر أنه منهم، فلا يصلي عليه إلا إذا تبيّن أنه مسلم" [5] .

وفي روضة الطالبين للنووي:"ولا تجوز الصلاة على كافر حربيًّا كان أو ذميًّا" [6] .

وقال ابن قدامة في المغني:"وأما أهل الحرب فلا يُصلّى عليهم لأنهم كفار، ولا يقبل فيهم شفاعة، ولا يستجاب فيهم دعاء، وقد نُهِينا عن الاستغفار لهم، وقال الله تعالى لنبيه: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ، وقال: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ" [7] .

ولا يُشكِل على هذا ما أخرجاه في الصحيحين من قول النبي: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )؛ لأنه دعا لهم حال حياتهم، وكلامنا في الاستغفار لهم بعد موتهم، ولذا قطع إبراهيم عليه السلام الاستغفار لأبيه بعدما مات على الشرك وتبين له بذلك أنه من أعداء الله. وثبت أنه دعا لدَوْس وهم على الكفر فقال: (( اللهم اهد دوسًا وأتِ بهم ) )أخرجه الشيخان.

وإن من الغرائب ـ وما أكثرها ـ أن يوصف هذا الكافر بأنه من الشهداء! كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا [الكهف:5] .

إن المسلم الذي يموت في ساحات الوغى لا يجوز أن نقطع بكونه شهيدًا، قال البخاري في الصحيح في كتاب الجهاد والسير:"باب لا يقول: فلان شهيد"، ثم ذكر حديثين يدلان على تبويبه: قول النبي: (( والله أعلم بمن يجاهد في سبيله ) ). وكما جاء عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله رجل لا يدع لهم شاذّة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله: (( أما إنه من أهل النار ) )، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا. قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرِح الرجلُ جرحًا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نَصْلَ سيفه بالأرض وذُبَابَه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه. فخرج الرجل إلى رسول الله فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (( وما ذاك؟ ) )قال: الرجل الذي ذكرتَ آنفًا أنه من أهل النار فأعظَمَ الناسُ ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جُرِح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نَصْلَ سيفه بالأرض وذُبَابَه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله عند ذلك: (( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ) )أخرجه الشيخان. هذا في المسلم، فكيف يُنعَتُ كافر بالشهادة؟!

ولهذين الحديثين قال عمر: لعلكم تقولون في مغازيكم: قُتِل فلان شهيدًا، مات فلان شهيدًا، ولعله أن يكون قد أَوْقَر عَجُزَ دابته أو دَفَّ راحلته ذهبًا وفضة يبتغي التجارة، فلا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا كما قال محمد: (( من قُتِل في سبيل الله فهو في الجنة ) )أخرجه أحمد وحسّنه ابن حجر في الفتح.

معاشر العباد، من المقرّر في ديننا وجوب دفع الصائل وإن كان الصائل مسلمًا، فكيف بالصائل الكافر؟! فالصائل يُدفَع بالأدنى فالأقوى، فإذا لم يندفع شرّه إلا بالقتل قُتِل بلا إثم أو وَزَر، فعن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله يقول: (( من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد ) )أخرجه الترمذي، وقال: (( من قُتِل دون مَظْلَمَته فهو شهيد ) )أخرجه أحمد والنسائي، وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (( فلا تعطه مالك ) )، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (( قاتله ) )، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (( فأنت شهيد ) )، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (( هو في النار ) )أخرجه مسلم، وثبت في جامع الترمذي أن عبد الله بن المبارك قال:"يُقاتِل الرجلُ عن ماله وإن درهمين". وقال الإمام النووي:"باب: الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المَصُول عليه فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه" [8] .

ومسألة دفع الصائل وجواز قتله إن لم يندفع شره إلا بالقتل مجمع عليها كما قال ابن حجر رحمه الله [9] ؛ ولذا قال خليل في المختصر:"وجاز دفع صائل على نفس أو مال أو حريم".

ولكن عباد الله، لا يجوز أن نعتدي على غير المعتدي، فالله سبحانه حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرّمًا، فالاعتداء يكون على المعتدين، ومن سلمنا من شرّهم وجب أن يسلموا من اعتدائنا، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى:39-42] ، وقال تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى [البقرة:194] . قال: فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ وليس على غيره.

أيها المؤمنون، مِن آكد واجبات شرعنا التي دعا لها نصرة المؤمن لأخيه المؤمن، قال تعالى: وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] ، ومعنى الآية: أن الكفار ينصر بعضهم بعضًا، ونحن إذا لم تحل هذه النصرة بيننا سادت الفتن والفساد.

ولقد سَيّرَ النبي جيشًا كاملًا لينصر امرأة نِيل من حشمتها ورجل أُرِيق دمُه، فكان هذا سبب غزوة بني قَيْنُقَاع، وقد قال النبي: (( المسلم أخو المسلم لا يسلمه ) )أخرجه الشيخان، أي: لا يسلمه لعدوّه، بل يقوم بمناصرته، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله: (( المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم ) )أخرجه أحمد وأبو داود.

وتأمل ـ رعاك الله ـ قوله: (( وهم يد ) )؛ هم: ضمير منفصل يدل على الجمع، ويد: لفظ مفرد، فهذه جملة تدل على التماسك العظيم الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمون.

إن نصرة المؤمن لأخيه تكون في جميع الأحوال، قال: (( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟! قال: (( تحجزه أو تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره ) )أخرجه البخاري. فلا يجوز لمسلم يرى أعداء الله من النصارى يضربون أخاه أو ينتهكون عرض أخته المسلمة أن يقف موقف المتفرّج، فهذا جبن وخَوَر، ومن فعل ذلك فليس برجل.

وإن من مظاهر هذه النصرة هذه الدوريات التي يقوم بها شبابنا ليلًا؛ لحماية أنفسهم وجيرانهم وأماكنهم، فحيّاهم الله، وبارك فيهم.

عباد الله، إن مما يُؤجّج نار الفتنة إطلاق الشائعات التي تفتّ في عضدنا وتوهن قوتنا وتمزّق وحدتنا، فهذا هو الإرجاف، وهو محرم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (الإرجاف: إشاعة الكذب للاغتمام به) [10] ، وقد نهى الله عباده المؤمنين عن ذلك بقوله: لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا [الأحزاب:60-62] . قال الجصّاص رحمه الله:"في هذه الآية دلالة على أن الإرجاف بالمؤمنين والإشاعة بما يغمّهم ويؤذيهم يستحق به التعزير والنفي إذا أصر عليه ولم ينته عنه" [11] .

وجاء النهي عن إشاعة الأخبار الكاذبة حال الفتن لإلحاق الغم بالمؤمنين أيضًا في قوله: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا [النساء:83] .

وقديمًا قيل: الأراجيف مَلاقِيح الفتن. وإنّ عدم التثبت في الأخبار وإشاعتها بلا تأكد كاد أن يذهب بحياة كثير من الناس، ولذا أنزل الله قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] .

معاشر المؤمنين، ومما يوهن جسد الأمة محاولة بعض المنحرفين الاصطياد في الماء العَكِر، فيستغلون هذه الفتن وينادون بالخروج على الحاكم، ألا فليُعْلَم أن الفتن إذا حلّت كان من أعظم أسباب دفعها أن يكون الناس يدًا واحدة تحت قيادتهم وطاعة ولي أمرهم. ومن أعظم أسباب اشتعالها وبقائها وازديادها الخروج على الحاكم، فهذا يجعل الفتنة فتنًا والشرر نارًا.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.

[1] فتح الباري (8/508) .

[2] شرح صحيح مسلم (7/45) .

[3] جامع البيان (11/44) .

[4] الجامع لأحكام القرآن (8/273) .

[5] المبسوط (2/54) .

[6] روضة الطالبين (2/118) .

[7] المغني (2/220) .

[8] كتاب القسامة الباب الرابع.

[9] فتح الباري (12/222) .

[10] انظر: الجامع لأحكام القرآن (14/246) .

[11] أحكام القرآن (5/245) .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فيا معاشر العباد، تمر هذه الأحداث الحزينة لتؤكد ما حكاه الله في كتابه من شدة عداوة النصارى للمؤمنين، قال تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة:105] ، وقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:109] ، وقال: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] . أما آن لنا ـ أيها المؤمنون ـ أن نعرف عدونا، فنحكم له بعقيدة البراء؟!

أيها المؤمنون، عَوْدًا على بدء أقول: قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [التوبة:33] . أتدرون فيمن طبّق النبي هذا الحكم؟! على أعراب قدموا على رسول الله المدينة فاجْتَوَوْها، فقال لهم رسول الله: (( إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ) )، ففعلوا فصحّوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذَوْدَ رسول الله ، فبلغ ذلك النبي فبعث في أثرهم، فأُتِي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، وتركهم في الحرّة حتى ماتوا. أخرجه الشيخان. سَمَل أعينهم: أذهب ما بها. وفي رواية: سَمَّر، وفي ثالثة: سَمَر أي: جاء بمسامير محمية ووضعها في أعينهم.

وهذا الفساد الذي حدث يوم الاثنين الماضي أعظم بكثير من فساد هؤلاء الأعراب، فحكم الله فيهم هو ما بيّنه النبي بفعله هذا، فنسأل الله أن يُسلّط عليهم من يقيم فيهم حدّ الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت