فهرس الكتاب

الصفحة 4048 من 5777

حقوق القرآن الكريم علينا

العلم والدعوة والجهاد

القرآن والتفسير

داود بن أحمد العلواني

جدة

الأمير منصور

1-منّة الله على البشر بنزول القرآن. 2- قراءة القرآن وحفظه وتدبره. 3- تعلم القرآن وتعليمه. 4- العمل بالقرآن من أهم حقه علينا. 5- أجر قراءة القرآن.

الحمد لله الذي أنزل على عبده القرآن، وجعله مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، وتكفل بحفظه من التحريف والضياع، أحمده سبحانه وتعالى على نعمائه وأشكره على تفضله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم إلى يوم الدين، واجعلنا منهم ومعهم يا أرحم الراحمين.

أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله واعلموا أن من أعظم نعم الله علينا إنزال القرآن الكريم على عبده محمد ليكون للأمة دستورًا تسير على نهجه؛ ليحقِّق لها السعادة في الدنيا والآخرة، ينير لها الطريق ويرشدها إلى الخير والفلاح.

فيوم أن كانت أمتنا أمة القرآن تعتصم به وتستمسك بشريعته وتقيم حضارتها على هديه رفعها الله إلى الذروة وكانت لها الرفعة والسؤدد والقوة والمنعة والسلطة وقمة المجد، وبمقدار ما تخلت عنه بقدر ما تخلى الله عنها، وهذا مصداق قول الرسول: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين ) ) [1] ، اللهم ارفعنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

فيا أيها المؤمنون، يا أمة القرآن الكريم، إن لهذا الكتاب حقوقًا علينا لا بد من معرفتها والعمل بمقتضاها والتحاكم إليه في كل صغيرة وكبيرة.

فمن حقوق القرآن علينا قراءته وحفظه، فالقراءة هي سبيل المعرفة وأداة التعليم، والقرآن هو كلام الله غير مخلوق، فعلى مائدته يجد الإنسان ضالته، فهو أساس الدين وعماد الشريعة وجلاء البصيرة، ولا عذر لأحد في الإحجام عن قراءته، فإنه إن شق عليه القراءة لثقل في نطقه أو ضعف في حفظه كان له أجران: أجر المشقة وأجر القراءة، قال عليه الصلاة والسلام: (( الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ) ) [2] . فالكل من المسلمين مطالب بأن بتعبد الله بتلاوة القرآن.

وحفظ القرآن صنو القراءة، ولو خصص الإنسان لنفسه كل يوم وردًا قرآنيًا سهل عليه حفظه، وبذلك يعمر القلب بنور هداية الكتاب المبين، قال: (( إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب ) ) [3] . حقيقةً، إن الذي في جوفه شيء من القرآن هو حي حياة عظيمة لا مثيل لها، أما الذي ليس في جوفه شيء من القرآن فجوفه مظلم ظلمة حالكة، دمار وخراب.

ومن حق القرآن علينا تدبر معانيه والعمل بما فيه، قال تعالى: كِتَـ?بٌ أَنزَلْنَـ?هُ إِلَيْكَ مُبَـ?رَكٌ لّيَدَّبَّرُواْ ءايَـ?تِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ?لألْبَـ?بِ [ص:29] ، وقد ذمّ الله تعالى أولئك الذين أعرضوا عن القرآن ولم يتدبروا آياته فقال: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ?لْقُرْءانَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] .

ومن حقه علينا تعاهده، وذلك بالمواظبة على تلاوته وقراءة ما حفظناه حتى لا يتفلت منا وتضيع تلك الثروة العظيمة الكريمة من حفظه، وبذلك يكون الضياع والخسران، قال رسول الله: (( تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها ) ) [4] , ولا سيما قراءة سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ ?للَّهُ أَحَدٌ ، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه من قرأها في يومه وليلته عشر مرات بنى الله له قصرًا في الجنة، وقراءتها والمعوذتين دبر كل صلاة، وثلاث مرات دبر المغرب والفجر، وقراءة مائة آية قبل النوم، وقراءة سورة الكهف في يوم الجمعة وليلته.

ومن الحقوق لهذا الكتاب الكريم تعليمه لأجيال الأمة، لأولادنا وبناتنا وتحفيظهم إياه، فهذا الكتاب ضمن الله حفظه بقوله جل شأنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ?لذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـ?فِظُونَ [الحجر:9] ، وإنما يحفظ القرآن بحفظ الأمة وتعاهدهم له، فكان لزامًا علينا تعلمه وتعليمه لأبنائنا جيلًا بعد جيل، فهو نبراس حياتنا وسبيل عزنا ومناط سعادتنا، قال: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ) [5] ، فهو مصدر عزنا، وفيه نجاحنا وفلاحنا.

عباد الله، جميل أن نقرأ القرآن وأن نحفظه، وأجمل من هذا تفهمه وتدبر معانيه وتعلمه وتعليمه، ولكن الأجمل من هذا كله العمل بما فيه، فهذا من أعظم حقوق كتاب الله علينا، وينبغي الاعتصام به والتحاكم إليه في كل ما نأتي ونذر، فإن الله لم ينزله إلا ليكون دستورًا للحياة البشرية عقيدة وعبادة وسلوكًا، وقد كان أسلافنا رضوان الله عليهم يقرؤون اليسير، ويقفون عنده حتى يعملوا به، وبذلك توارثوا القرآن علمًا وعملًا، تلاوة وترتيلًا وفهمًا وتفسيرًا وتدبرًا، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا) [6] . تلكم هي الفطر الصافية الطاهرة النظيفة.

فمن المؤسف جدًا ـ أيها الناس ـ أن القرآن الكريم أصبح في كثير من ديار الإسلام لا وظيفة له ولا مهمة سوى أن يملأ فراغًا من وقت الإذاعة، أو يرتله القراء في المآتم، أو يستجدون به على أضرحة الموتى، أو يعلقونه تمائم ورقى، إلى غير ذلك من البدع المنكرة التي ينهى عنها القرآن.

فاتقوا الله عباد الله، وقوموا بحق كتاب الله عليكم، واحذروا أن يكون حجة عليكم لا لكم، ولا تكونوا ممن لا يعرف للقرآن قدره إلا عبر المذياع أو يستفتحون به المحافل والمهرجانات وما شابه ذلك.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ?للَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ [الصف:2، 3] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] رواه مسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل من يقوم بالقرآن وتعليمه (817) .

[2] رواه البخاري في تفسير سورة عبس (6/79) ، ومسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه (797) .

[3] رواه الترمذي في ثواب القرآن (2914) ، والحاكم (1/454) وصححه، ولكن تعقبه الذهبي بأن فيه قابوس وهو لين، وضعفه الألباني في تخريج المشكاة (2135) .

[4] رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده (6/109) ، ومسلم في صلاة المسافرين، باب: الأمر بتعهد القرآن (791) .

[5] رواه البخاري في فضائل القرأن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه (6/108) .

[6] رواه عبدالرزاق في مسنده عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبدالرحمن السلمي.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد: أيها المسلمون، لقد صح من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: خرج علينا رسول الله ونحن في الصفة، فقال: (( أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بُطحان ـ أو قال: إلى العقيق ـ فيأتي منه بناقتين كوماوين [1] في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ ) )فقلنا: نحب ذلك، قال: (( أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم ـ أو يقرأ ـ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل ) ) [2] ، فقراءة كتاب الله جل وعلا نور للعبد في الدنيا وذخر له في السماء، يقرأ ويرتل ويرقى في درجات الجنة، اللهم إنا نسألك من فضلك.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ) ) [3] .

فعليكم ـ عباد الله ـ بملازمة قراءة القرآن الكريم في بيوت الله تعلمًا وتعليمًا، فهو خير صاحب تحصل من صحبته بركات كثيرة في الدنيا والآخرة. فاعتصموا ـ أيها الناس ـ بكتاب الله، وتمسكوا بشريعته عقيدة وعبادة وسلوكًا.

اللهم ارفعنا بالقرآن الكريم، وأعزنا وانصرنا به، واجعله حجة لنا لا حجة علينا، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

إن القرآن الكريم حبل الله المتين وصراطه المستقيم، فيه العزة وفيه القوة والنصر السؤدد، فيه الفلاح والنجاح، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] ، من حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن قال به صدق، فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم، من ابتغى العزة في غير القرآن أذله الله، وكما قال رسول الله صلى عليه وآله وسلم: (( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) ).

نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلنا ممن يتعلم القرآن ويعلِّمه، وأن يعلمنا منه ما جهلنا، وأن يرزقنا حلاوته وطلاوته، وأن يذكرنا منه ما نسِّينا، وأن يرزقنا حفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا...

[1] الناقة الكوماء: الناقة العظيمة السنام، وكوماوان تثنية لها.

[2] رواه مسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه (803) .

[3] رواه الترمذي في ثواب القرآن، باب: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر (2912) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت