العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير
مازن التويجري
الرياض
جامع حي النزهة
1-الله ورسوله يعلمان المسلم طلب الهداية من الله. 2- لماذا هدي السابقون ولم ندرك الهداية. 3- أنواع هداية الله للإنسان. 4- جزاء الحسنة الحسنة بعدها.
كل فردٍ من الناس يغدو، يسعى منهمكًا في أعماله وشؤونه، يحمل أملًا، وينشد هدفًا، هذا يأمل في المال والتجارة، وذاك في المنصب والجاه، وثالث في المسكن الفسيح والزوجة الحسناء.
والكل يسعى جهده، فتصرف الأموال وتنفق الأوقات، ويشغل التفكير في سبيل تحقيق ذلك الهدف، والوصول لتلكم الغاية.
ومع زخم تلك الأهداف وتزاحم الغايات، اسمحوا لي ـ أيها السادة الكرام ـ أن أذكر بمسألة مهمة وهدف سامٍ، هو معلوم لدى الجميع، بل هو واجب على كل فرد بعينه، ونحن نسمعه يتردد على ألسنة الناس طلبًا وذكرًا، ولكن الذي يدعو للتذكير به هو أنه مفقود في واقع الحياة، غائب عن التطبيق، في الأقوال والأعمال، في التعامل والآخلاق، إلا من رحم ربك.
ذلكم الهدف هو الذي تردده في يومك وليلتك عشرات المرات، عندما يلهج لسانك بقول ربك ومولاك ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] .
إنها الهداية، أعظم هدف ينشده المؤمن، وأغلى غاية تسعى لها الإنسانية، إنها محض السعادة، ورداء الأمان والاطمئنان.
إنها الحبل الممدود الذي يصلك بالله جل وعلا، إنها الطريق الأوحد الموصل إلى رضا الله وجنته، إنها أمل المتقين، وشغل تفكير الصالحين وسيرة الأنبياء والمرسلين، فهذا الخليل عليه السلام يقول ويدعو: وَإِذْ قَالَ إِبْر?هِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ?لَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26، 27] ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـ?قَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ [الأنعام:84] .
أُوْلَئِكَ ?لَّذِينَ هَدَى ?للَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ?قْتَدِهْ [الأنعام:90] .
روى أحمد في مسنده والطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص وامرأة من قيس أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهما: سمعته يقول: (( اللهم اغفر ذنبي وخطئي وعمدي ) )، وقال الآخر: سمعته يقول: (( اللهم أستهديك لأرشد أمري، وأعوذ بك من شر نفسي ) ) [1] .
وروى مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم ) ) [2] .
وعن سعد رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علمني كلامًا أقوله إلى أن قال: (( قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني ) )رواه مسلم [3] .
وهكذا كان هم النبي صلى الله عليه وسلم وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والموعود بروح وريحان ورب راض غير غضبان، أن يكثر من الدعاء بالهداية، فكثيرًا ما كان يدعو (( اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك ) ) [4] .
ونحن نسمع من كثير من الناس دعوات مباركات تسأل الله الهداية والصلاح، ولكن لا تجد لتلك الدعوات واقعًا وأثرًا في الأعمال والأقوال.
إن الدعاء الذي ندعو به هو الدعاء نفسه الذي كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعوهم، ولكنه عند أولئك خرج من قلوب صادقة مخلصة تستشعر ما تدعو وتقول، خرج من قلوب منكسرة تسأل الله بصدق وإلحاح.
فرق أيها الإخوة بين دعاء خاشع، يتدبر الداعي عباراته، ويتفهم معانيه، ويسكب الدمعات برهانًا على صدقه وحاجته، وبين دعاء جامد لا يحمل إلا عبارات ميتة، وألفاظ خاوية، لم يستشعر معانيها فكيف يرجو الإجابة.
إننا بحاجة إلى أن نعاود النظر في دعائنا، وعرضنا للمسألة على ربنا، فوالله ما دعا أحد ربه بصدق وإخلاص وحضور قلب وإلحاح إلا أجاب سؤله، وحقق مطلوبه.
وليعلم أن من وُفِّق للهداية فقد حاز الفضل والاصطفاء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ?للَّهُ نُورُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ?لْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ?لزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـ?رَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى? نُورٍ يَهْدِى ?للَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ ?للَّهُ ?لاْمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ?للَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلَيِمٌ [النور:35] .
كل يدعي وصلًا، ويرجو اتصالًا، ولكن تبقى تلك مزاعم لابد لها من دلائل وبراهين يقدمها العبد ليبرهن على صدق طلبه للهداية.
والسؤال الكبير هل صدق في دعائه ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ، من أضاع أمر ربه وتهاون في صلاته، وضيع أهله ومن يعول؟
هل استشعر ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ ، من لم يزل جسده ينمو وينمو على الحرام والسحت، وهو يسابق إلى كل دار ربًا، يؤم دورًا ترفع شعاراتها حربًا لله ولرسوله؟
هل غاص في معاني ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ من جاهر بالمعصية أيًا كانت صغيرة أم كبيرة وتبجح بها في داره أو سيارته، في حديثه ومظهره؟
أين ?هْدِنَا ?لصّرَاطَ ?لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ?لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ?لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ?لضَّالّينَ [الفاتحة:6، 7] . ممن يكن لليهود والنصارى وأذنابهم أسمى آيات الحب والإعجاب والولاء؟
قال الفيروزآبادي:"وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب:"
الأول: الهداية التي عم بها كل مكلف من العقل والفطنة والمعارف الضرورية، بل عم بها كل شيء حسب احتماله، كما قال تعالى: رَبُّنَا ?لَّذِى أَعْطَى? كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى? [طه:50] .
الثاني: الهداية التي جعلت للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء:73] .
الثالث: التوفيق الذي يختص به من اهتدى وهو المعني بقوله: وَ?لَّذِينَ ?هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى [محمد:17] .
الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة وهو المعني بقوله: ?لْحَمْدُ لِلَّهِ ?لَّذِى هَدَانَا لِهَـ?ذَا [الأعراف:43] .
ثم قال رحمه الله: وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة.
روى أحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني فيكون عليهم حسرة ) )قال: (( وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني قال: فيكون له شكرًا ) ) [5] .
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( لا يكن أحدكم إمَّعة، قالوا: وما الإمعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضَلَلَتُ، ألا لِيُوَطِّنَنَّ أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس لا يكفر ) ) [6] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والعبد مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، فهو مضطر إلى مقصود هذا الدعاء، فإنه لا نجاة من العذاب ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الآية، وهذا الهدي لا يحصل إلا بهدي الله"اهـ.
فأنت مضطر إليها محتاج مفتقر لها أشد من حاجتك إلى الطعام والشراب والهواء، فبفقدان الغذاء والهواء يموت الجسد، وبفقدان الهدى والنور تموت الروح ويخرب القلب، وشتان بينهما.
وكلما ازدادت الطاعة ازدادت الهداية في القلب وظهرت على الجوارح وَ?لَّذِينَ ?هْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـ?هُمْ تَقُوَاهُمْ [محمد:17] .
قال ابن القيم رحمه الله:"الهداية تجر الهداية، والضلال يجر الضلال، فأعمال البر تثمر الهدى، وكلما ازددت منها ازداد الهدى، وأعمال الفجور بالضد، وذلك أن الله يحب أعمال البر فيجازي عليها بالهدى والفلاح، ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها بالضلال والشقاء".
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
[1] صحيح ، مسند أحمد (4/21) ، والمعجم الكبير للطبراني (8369) ، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة: كتاب الدعاء - ما كان يدعو به النبي (7/62) ، وصححه ابن حبان (901) . وقال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح. مجمع الزوائد (10/177) ، وانظر كلام محقق صحيح ابن حبان.
[2] صحيح ، صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب التعوذ من شر ما عمل... حديث (2725) .
[3] صحيح ، صحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب فضل التهليل... حديث (3696) .
[4] صحيح ، أخرجه أحمد (3/112) ، والترمذي: كتاب القدر - باب ما جاء أن القلوب... حديث (2140) ، وقال: حديث حسن. وأخرجه أيضًا ابن ماجه: كتاب الدعاء - باب دعاء رسول الله ، حديث (3834) بنحوه. وصححه ابن حبان (943) ، والحاكم (1/525) ، وذكره الضياء في المختارة (6/211-213) . وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. ونسبه الحافظ في الفتح للرسول (13/377) وصححه الألباني في تعليقه على (( السنة ) )لابن أبي عاصم ، رقم (225، 230، 232) .
[5] حسن ، مسند أحمد (2/512) ، مستدرك الحاكم (2/435-436) وصححه ، وأخرجه أيضًا الخطيب البغدادي في تاريخه (5/24) . قال الهيثمي: رواه كله أحمد ، ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح. مجمع الزوائد (10/399) . ورمز له السيوطي بالصحة في الجامع الصغير (6286) . وحسنه الألباني لأن فيه أبا بكر بن عياش. انظر السلسلة الصحيحة (2034) .
[6] أخرجه الطبراني في الكبير (8765) ، قال الهيثمي: فيه المسعودي وقد اختلط ، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد (1/181) .
أيها المؤمنون، إن الزلل والخطأ والتقصير سجية بني آدم، فهو ينسى ويسهو، والذي لابد أن يستقر في النفوس أن الخطأ والمعصية لا تنافي السعي في طلب الهداية، والواجب أن لا تكون حاجزًا يمنع العبد من الطاعة أو غشيان مجالس أهلها.
والإنسان في صراع منذ خلق مع الهوى والشيطان، والحرب بينهما سجال، فتارة يتغلب على نفسه ويقهرها، وأخرى تغلبه وتغويه، والمؤمن الحق الذي يسعى لتزكية نفسه، سرعان ما يعود ويقلع ويتبع السيئة الحسنة.
وعلى هذا يعلم أن الهداية يسيرة سهلة، ولكنها مع هذا عزيزة غالية، تحتاج منك إلى مجاهدة ومرابطة ووعد الله لا يتخلف وَ?لَّذِينَ جَـ?هَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69] .
والأصل فيها ليس الوصول إليها فحسب، بل المهم الثبات عليها وإدامة السعي في طلبها، وقديمًا قيل: الصعود إلى القمة يسير، ولكن الصعب الثبات عليها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:"إن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملًا وقبل أوامره وصدق بأخباره، كان ذلك سببًا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل، فإن الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ وَيَزِيدُ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ?هْتَدَواْ هُدًى [مريم:76] .اهـ."
إذًا فالهداية لا تنتهي بحد، وعلى هذا وقفة مهمة: أن لا يغتر مغتر بعمله مهما كثر، فقد قال عليه السلام: (( لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ) [1] .
روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم إنسكم وجنكم كان على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) ) [2] .
[1] صحيح ، أخرجه البخاري: كتاب المرضى - باب تمني المريض الموت ، حديث (5673) ، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار - باب لن يدخل أحد الجنة... حديث (2816) .
[2] صحيح ، صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظلم ، حديث (2577) .