دروس من سورة يوسف عليه السلام ( التمكين ) - الربا
الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, الكبائر والمعاصي
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
عاقبة حميدة للصابرين - تمكين يوسف - طلب الوزارة بين المشروع والممنوع خطبة 2: مصائب الربا: 1- لعنة الله 2- جهنم 3- ذنب عظيم 4- محق البركة 5- رد الدعاء 6- الجدب""
أما بعد:
فقال الله تبارك وتعالى: وقال ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف:54] .
هذه بداية مرحلة جديدة في قصة يوسف عليه السلام، وطويت مرحلة، فلم يعد للقصة بعد ذلك أي ذكر للعزيز وامرأته فهنا مرحلة مطوية، هي مرحلة المحنة والابتلاء وفيها تجلى صبر يوسف وإصراره على عدم المعصية، وتجلى فيها عقله وحكمته وحسن تصرفه وتدبيره - وانتهت تلك المرحلة وطويت وجاءت المرحلة الجديدة، مرحلة التمكين، تتمثل فيها العاقبة الحميدة للمتقين وعناية الله تعالى وحمايته للصابرين، ونصرته لعباده الصالحين - وها هو يوسف يخرج من جوف المحنة وظلمات السجن معززا مكرما عظيم المكانة في القلوب، فها هو الملك نفسه يستخلفه لنفسه لما رأى من أمانته وعفته وموهبته وإخلاصه، فإن الغالب على أحوال الناس أن من كان منهم صاحب موهبة وخبرة يكون بلا أمانة وإخلاص وإن من كان منهم ذا تقوى وورع يكون بلا موهبة وخبرة، وأما إذا تواجدت الصفتان في شخص واحد فيكون نادرا. ولذلك استخلص الملك يوسف عليه السلام لنفسه وعزم على الاستفادة منه والاستعانة به، من خبرته وأمانته ولقد كان في أمس الحاجة إليه، فغالب الحاشية والموظفين منافقون ومرتشون سراقون.
ويبدو أنه كان ملكا حكيما وإن كان وثنيا كافرا، ومن عقله عرف قيمة هذا الشخص فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين أي لما كلمه وسمع منه، وقد كان يسمع عنه واشتد شوقه إليه وليس من رأى كمن سمع، فلما شاهده زادت هذه الشخصية كبرا وعظمة في نفسه. فاختار يوسف المالية، خزائن الأرض، ولكنه ما اختار ذلك إلا بعد أن رأى عزم الملك على توليته، فلا يقال كيف طلب الوزارة لنفسه ونحن نعلم أن طلب الإمارة منهي عنه في شريعتنا، ومن طلب الإمارة أو المناصب لا يولى إياها في شريعتنا، ولكن يوسف ما طلب هذه المسؤولية الشائكة إلا بعد أن عرض عليه الملك ذلك. إنه اختيار مدروس، فإن يوسف كان على علم بما ينتظر هذا المجتمع من كوارث نتيجة للفساد في هذا المجتمع من نهب ورشوة وفرض إثاوة وغير ذلك من أسباب مما يؤدي إلى انهيار الدول.
واختياره ذلك يدل على أنه عليه السلام لم ينظر لهذا المنصب نظرة رجل مهتم بالمنصب والمغنم ولكن نظرة رجل صاحب رسالة يريد الإصلاح، لذلك نظر إلى ذلك التمكين الذي عرض عليه - فاختار أصعب منصب وأشق مهمة في هذا المجتمع وهو التصدي للفساد وخاصة الفساد الاقتصادي الذي نخر في المجتمع.
وهكذا يجب أن يكون لنا في ذلك القدوة وخاصة أصحاب المراتب القيادية فإن المنصب والوظيفة ليست فرصة للنهب والسرقة والاختلاس، بل إنها مهمة وأمانة كلفت بها، فيجب أن تنظر إليها نظرة إصلاح.
أما بعد:
فإن الربا يجر على المجتمع المصائب الآتية:
اللعنة الإلهية أو الطرد من رحمة الله عز وجل، أعلن ذلك الصادق الأمين حينما قال في الحديث الذي نوهنا به سابقا (( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه ) ) [1] فجميع من عمل به مطرودون من رحمة الله والعياذ بالله.
آكل الربا ومن يتعامل به حجز لنفسه مكانا في جهنم، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كل جسد نبت عن السحت فالنار أولى به ) ) [2] .
كل من أكل الربا أو تعامل به فقد أتى بابا من أعظم أنواع الكبائر، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (( درهم من ربا يأكله الرجل أشد من ست وثلاثين زنية ) ) [3] .
من أكل الربا أو تعامل به فقد حكم على ماله بالمحق والهلاك والدمار ونزع البركة ولا يغرنه الاستدراج والإمهال إذا كثرت أمواله الربوية: يمحق الله الربا ويربي الصدقات [البقرة:276] .
فإنه يعاتب بألا يستجاب دعاؤه وألا تستجاب استغاثته، فإن الإنسان ضعيف تعرض له كوارث ونكبات فيحتاج إلى ربه، ولا يجد في كثير من الأحيان بل كل الأحيان، لا يجد إلا الدعاء، فإذا حرم من الاستجابة فهذا من أشد العقوبات. قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رب رجل أشعث أغبر يرفع يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ) ) [4] ، أي لا يستجاب له أبدا. فاحذر أكل الحرام وأعظم الحرام هو الربا. وقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا سعد أطب مكسبك تجب دعوتك ) ) [5] .
ومن أعظم المصائب التي تحل على المجتمع بشؤم أهل الربا والمتعاملين بها أن يحل بهم العذاب فيؤخذون بالسنين - أي بحبس المطر والغيث - فلولا دعاء المساكين ورجاء الفقراء والمساكين وبكاء الأطفال الذين لا يعقلوا ورغاء البهائم ما نزل المطر، ولكن الله رحيم وببركة هؤلاء ينزل المطر.
فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنين، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب ) ) [6] .
أما بعد: فإن أفضل الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
[1] مسلم كتاب المسافاة (1598) .
[2] حلية الأولياء (1/31) .
[3] أحمد (5/225) ، صححه الألباني اسناده في المشكاة (2/859) .
[4] مسلم كتاب الزكاة (1015) .
[5] عزاه الهيثمي في المجمع للطبراني في الصغير ، وقال: (وفيه من لم أعرفهم) (10/294) .
[6] أحمد (4/205) .