الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الكبائر والمعاصي, الهبة والهدية والوقف
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
1-الرشوة أقبح أنواع الغلول. 2- تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدايا العمال.
3-أسوأ أنواع الرشوة رشوة العلماء وأهل الدين. 4- محاولة قريش رشوة النبي.
5-محاولة اليهود رشوة السلطان عبد الحميد. 6- مؤامرة الغرب واليهود على الدولة العثمانية.
7-فتاوي علماء السلطان.
أما بعد:
روى أبو داود وابن ماجه والترمذي بسند صحيح ، عن عبد الله بن عمرو وقال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ) ).
وعن أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان قال: (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش ) ).
ويعني بالرائش الوسيط الذي يمشي بينهما.
الرشوة أيها الأخوة ، يعدها البعض من الغلول ، بل هي في الحقيقة أقبح من الغلول ، لأن فيها استغلال للطرف الأخر.
إنها ظاهرة سيئة لو تفشت وظهرت في مجتمع ما ، لأنها تدل على الفساد الإداري الموجود.
أيها الأحبة في الله: حديثي إليكم هذا اليوم ، بحول الله وقوته ، ليس له علاقة بالرشوة من هذا الجانب. بمعنى أني لن أتحدث عن الرشاوى التي يدفعها أصحاب الحاجات لتسهيل معاملاتهم أو بضائعهم أو نحو ذلك لدى طرف معين ، وإن كان هذا الموضوع يستحق أيضًا أن يفرد بحديث مستقل، لأن الفرد لو لم يصل إلى حقه إلا أن يدفع الرشوة ، فهذا تدنٍ ، وانحطاط خلقي وإداري وصل إليه ذلك الوضع، لا ينبغي السكوت عنه أو عندما يستغل بعض أصحاب القلوب المريضة مناصبهم ومراكزهم ، ولا يمكن أن تسير معاملة من تحت يده ، إلا وأخذ نسبة فوق راتبه الأصلي ، وتكون هذه النسبة على ظهر صاحب المعاملة ، وترتفع النسبة وتنزل بحسب أهمية الموضوع.
أقول حديثي ليس عن هذا كله وإن كان هذا الموضوع ينبغي أن يسلط عليه الضوء، لكن أذكر هذا الصنف من الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد بسنده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبيه على الصدقة ، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدى لي ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: (( ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي ، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر"ثم رفع يديه. يقول راوي الحديث حتى رأينا عفرتي إبطيه ، ثم قال: اللهم هل بلغت ) )"
فاتقوا الله أيها المسلمون ، اتقوا الله تعالى ، واحذروا أن تأخذوا شيئًا من هذا الطريق ، فإنها الرشوة بعينها ، والرسول عليه الصلاة والسلام قد لعن الراشي والمرتشي.
أيها المسلمون: سوف أتعرض لنوع آخر من الرشوة ، ليس له علاقة بمعاملة ولا ببضاعة ، لأنه أخطر منه بكثير ، وهي الرشوة التي تدفع لحملة الشريعة ودعاة الدين ، وأصحاب المنهج والرسالة ، تدفع لهم لشراء ضمائرهم ، تدفع لهم ليتخلوا عن بعض من الفكر الذي يحملونه ، والمنهج الذي يدعون إليه ، وهذه الرشوة لا يشترط أن تكون مالًا عينية يقبضها ثم يسكت ، بل قد تكون بصور وألوان مختلفة ، فقد يعطى منصبًا أو جاهًا أو شرفًا أو نحو ذلك ، فيرضى بما أُعطى ، أو ربما يُقنع بأن هذا من الدين ، وفي خدمة الإسلام ، فيتنازل هذا المسكين عن الكثير من المبادئ التي كان يحملها ويدعو إليها.
رشوة خطيرة أيها الأخوة ، وكم من أُناسٍ نسأل الله السلامة والعافية ، سقطوا في هذا الباب ، كانوا أصحاب منهج ، ودعاة خير ، وحملة رسالة ، فاستخدم أعداء الدين شتى الطرق والوسائل لمنعهم من نشر الخير وصدهم عن سبيل الله ، فعجزوا بكل الطرق والوسائل ، استخدموا معهم القوة والتهديد والعنف فلم يجد فجاءت وسيلة الرشوة ، فنفعت مع البعض ، نسأل الله الثبات في الدنيا والآخرة.
والمال كما تعلمون ، له سلطان على بعض النفوس ، يصبر ويقاوم ويثبت أمام القوة والعنف والشدة والفقر ، لكن يسقط أمام الرخاء والجاه والمنصب والمال.
وهذه الرشوة أيها الأخوة ، طريقة إبليسية قديمة يستخدمها أعداء الدين منذ القديم مع طلبة العلم والدعاة والعلماء ، بل وحتى مع بعض الحكام والولاة، بل وأيضًا جُربت مع الأنبياء والرسل، والتاريخ حفظ لنا الكثير من القصص والأحداث التي يحاول فيها أعداء الله صد الناس عن فهم حقيقة الإسلام وعن الالتزام بهذا الدين بمحاولة إغراء وإعطاء حملة هذا الدين للناس ، إعطائهم هذه الصورة من الرشاوى ، تشترى به ضمائرهم: ليسكتوا ولو جزئيًا ، عن مبادئهم وأفكارهم.
وإليكم أيها الأخوة ، بعض وقائع التاريخ على هذا النوع من الرشاوى ، رشاوى الضمائر والذمم ، رشاوى المنصب والجاه في مقابل التخلي عن الفكرة والمبدأ. فنبدأ أولًا بالأنبياء والرسل.
بعدما بعث الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ، ونزل عليه الوحي في شعاب مكة صار يدعو إلى دين الله عز وجل سرًا ، واستمرت الدعوة سرية قرابة ثلاث سنوات ، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام بالجهر بالدعوة ، وعندها أحست قريش بخطورة وجود هذا الرجل بين أظهرهم ، فجاءت المحاولات العديدة لصده عن نشر الإسلام مرة بإلقاء التهم عليه ، ونشرها بين الناس ، وهي ما تسمى بالحرب الإعلامية ، فقالوا عنه: ساحر، وقالوا: مجنون ، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها، وغير ذلك ، فلم تنفع هذه الطريقة ، ثم ذهبوا إلى عمه لكي يتفاهم مع ابن أخيه ، ويوقفه عن تسفيه عقول القوم - زعموا - فلم تنفع ثم تطور الأمر قليلًا ، وهو استخدام شيء من العنف والقوة لإيقافه عن الدعوة فيرمى عليه سلى الجزور، وهو ساجد عند الكعبة ، وتنبو تلك المحاولات الضعيفة أمام قوة وصمود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعدها جاءت هذه الفكرة الإبليسية والتي نحن بصدد الحديث عنها ، محاولة إغرائه بالمال أو الجاه ، لعله يُفتن أو حتى ولو سكوتًا جزئيًا.
فاجتمع ذات يوم أشراف قريش من كل قبيلة عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وغيرهم. اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، ثم قال بعضهم لبعض ، ابعثوا إلى محمد فكلموه، فبعثوا إليه ، أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأْتهم ، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعًا وهو يظن أن قد بدا لهم أمر جديد حول إسلامهم ، وكان شديد الحرص عليهم ، فجاء وجلس إليهم ، فقالوا له: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقى أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا - وهذا هو الشاهد - فبعدما عجزت طرقهم ، استخدموا هذه الطريقة: إن كنت تريد مالًا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالًا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ، ملكناك علينا ، إلى آخر تلك الاغراءات التي لا يصمد أمامها إلا عظماء النفوس ، وأقوياء العزيمة والإرادة.
فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما جئت بما جئتكم به ، أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا ، وأنزل عليّ كتابًا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا ، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ) ).
بهذه القوة كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم على أعداء الدين من قومه. وهو عليه الصلاة والسلام ، بهذه الطريقة يرسم منهجًا واضحًا للدعاة وطلبة العلم والعلماء والمشايخ ، بألا يقبلوا المساومة ، ولا يرضوا بالتفاوض إذا كان يؤدي هذا التفاوض إلى تنازل ، كذلك يبين المصطفى عليه الصلاة والسلام ويعلم حملة الشريعة من بعده ، بأن هذه حيلة ووسيلة يستخدمها الأعداء في إسكات صوت الحق والجهر به ، ووصوله إلى الناس ، ويبين بأن الرشاوى قد تستخدم في هذا الاتجاه.
فنسأل الله جل وعلا ، أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يثبتها بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله..
أما بعد:
المثال الثاني: مع الحكام والولاة، نعم حتى الولاة والحكام لم يسلموا من الرشاوى ، إما مالًا أو شيئًا آخر ، ليتنازلوا عن مبدأ أو أرض أو حق هم متمسكون به ، ومثالنا مع السلطان عبد الحميد، أحد سلاطين الدولة العثمانية.
تولى عبد الحميد الخلافة، وهناك الكثير من المثالب على الدولة ، وبدأت أمور تحصل في الدولة العثمانية صَعُبَ السيطرة والتحكم فيها ، من ذلك تغلغل النفوذ الأجنبي في الدولة: وبخاصة امتيازات الدول الغربية في حماية نصارى الدولة، وأيضًا صارت الدول الغربية ترشي الوزراء ، وتشتري ذممهم ويستخدمونهم ضد الدولة. كما تغلغل الفكر القومي أيضًا في الأجهزة الرسمية إضافة إلى الحركة التنصيرية في الدولة العثمانية وصار لها نشاط واسع ، مع أن الدولة صارت تتعقب وتتابع هذه الحركات ، وتتخذ الإجراءات اللازمة لمنع مثل هذه الأنشطة ، لأنها تعلم خطورته ، وقد قبضت الدولة على عدد من الشخصيات بوجوه مقنعة وهم يعملون لصالح التنصير ، كما حصل هناك الكثير من الهزات الداخلية للدولة من الداخل ، كتمرد الأرمن على الدولة ، والأرمن هم قطاع من الشعب العثماني، والذي كان يحركهم هيئات التنصير الكاثوليكية الأوروبية كما أنه حصل ضعف شديد في اقتصاد الدولة العثمانية تلك الفترة، حيث حرب الدولة مع اليونان ثم حربهم مع الروس، فصار عجز في ميزانية الدولة مما أودى بها إلى الاستدانة ، ووصلت ديون الدولة الملايين عندها بدأت التحركات الفعلية لبعض دول أوربا عندما تأكدوا من ضعف الدولة من كل جانب. وبدأوا يستعمرون بعض المناطق ، فاحتلت بريطانيا قبرص ، ثم تبعه باحتلالها لمصر ، وكان اهتمامها بمصر ينبع من أهميتها كنقطة استراتيجية على طريق الهند ، ثم صار لها أطماع في العقبة ، واليمن والخليج العربي ، إضافة إلى الدعم الذي كانت الذي كانت تدفعه بريطانيا للأرمن ، داخل الدولة ، وتحركهم ضدها ، ثم صار لكل من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وروسيا أطماع في تركة هذه الدولة العملاقة، وكان في أثنائها لليهود حركة قومية وتنظيمات سرية وتجمعات وتخطيط لإقامة دولة لهم ، فعقدوا مؤتمر بسويسرة عام 1314هـ ورأوا أن يعملوا على تأسيس وطن لهم ، واقترح زعيمهم"هرتزل"أن تكون فلسطين ، فنشأت الفكرة الصهيونية. ثم أصبح هذا اليهودي يتصل بالسلطان عبد الحميد وكان يحاول أن يعظمه لتتوطد الصلة بينهما ، غير أن عبد الحميد كان ذكيًا فلم يأبه به ، فحاول هذا اليهودي تحقيق هدفه عن طريق دولة أوربية ، واختار لذلك انكلترا الحريصة على مصر بصفتها تملك الممر لطريق الهند ، على أن مصر تجاور فلسطين ، فعرض على الانكليز إنشاء دولة يهودية في فلسطين يكون لها استقلال ذاتي ، وتساعد انكلترا على الوصول إلى الهند إن تعذر طريق مصر ، على كل لا أريد الدخول في التفاصيل والتاريخ طويل وليس هذا مجاله ، فبعد أن عجز هرتزل عن الوصول للسلطان عبد الحميد بعدة طرق ، استخدم أو حاول أن يستخدم الرشوة ، واستعان ببعض الزعماء من العثمانيين الذين استطاع إغرائهم بالمال ، أو بأشياء أخرى ، واستعان كذلك ببعض أصدقاء عبد الحميد من الأجانب الذين كانوا على صلة بالسلطان نفسه أو ببعض أصحاب النفوذ، فرفض السلطان كل ما عرض عليه، مع أن دولته كانت ضعيفة ، وأوضاعها الاقتصادية متردية، والديون متراكمة ، مع كل هذا رفض أن يدنس شرفه وسمعته ، ويعطي أرض فلسطين لليهود مقابل أموال يأخذها - وقال: إن أرضًا ملكها المسلمون بدمائهم ، لا يمكن أن أتنازل عنها بمال ، فرفض رحمه الله التنازل عن المبدأ والأرض مقابل رشوة، عندها قرر اليهود العمل على خلعه، وبدؤوا يعملون ضده حتى خلعوه.
وفي المقابل تجد هناك من لا يمانع أن يدنس شرفه ، وأن يبيع عرضه وسمعته ، ويتنازل عن كل شيء مقابل دريهمات والله المستعان.
أما العلماء وهم الصنف أو المثال الثالث، فإن شأنهم أخطر ، لأنهم حملة الشريعة ، وهم موضع الثقة بين الناس ، وكلامهم مقدم على غيرهم ، فلو أتى عالم أو صاحب علم ، ورضى بأن يكون تبعًا لغيره ، وذنبًا لمن هو أحط منه ، وصار يسبح بحمده ، فهذه هي المصيبة وهناك عدد من هذه النوعيات ، حفظ لنا التاريخ سيرهم وأعمالهم ، باعوا دينهم بعرض من الدنيا ، في القديم والحديث. قبلوا الرشاوى نسأل الله العافية ، إما مالًا أو أرضًا أو جاهًا أو منصبًا ، ثم صاروا يضللون الناس ، وينفذون ما يُملى عليهم وان كان مخالفًا لما يحملونه من علم.
بل أصبحت تسمع بفتاوى تخرج من بعض أمثال هؤلاء فيها إباحة لما حرم الله صراحة ، سبحان الله يصل التبجح والجرأة على الله والسقوط في وحل الرشوة وحب الدنيا إلى هذا الحد ، ما قيمة العلم الذي يحمله إذا لم يعمل به ، يفترض فيه وفي أمثاله ، أن يكونوا موجهي الأمة ، ويرشدوا الناس ويقفوا في وجه الباطل ، لا أن يعينوا الباطل وباسم ماذا؟ باسم الدين نسأل الله العافية. فضلوا وأضلوا ، ولا شك أن العامة تغتر بأقوالهم ، لأنهم أمامها هم العلماء وهم المشايخ، وهم أساتذة الجامعات الشرعية ، وهم في الحقيقة ، خونة للدين ، وللعلم الذي معهم ، وباعوا كل ما لديهم ، بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين. فهذه هي الرشوة.
ولنا عودة بإذن الله تعالى في مناسبات قادمة لهذه النوعية من العلماء ، لأهمية هذا الموضوع.
اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك...