العلم والدعوة والجهاد
محاسن الشريعة
زياد بن محمد الصغير
فروتسوان
مسجد فروتسوان
1-قصة إبراهيم وابنه الذبيح إسماعيل. 2- موقف إبراهيم المستسلم لأمر الله. 3- أحكام الله كلها رحمة وخير. 4- يوم العيد يوم بر وتسامح وتكافل وصلة أرحام. 5- التوبة وقبول الطاعة يجعل من هذا اليوم عيدًا.
الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر. الله أكبر ما رفع الحجيج أصواتهم بالتلبية مستجيبين لنداء الله عز وجل: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. الله أكبر ما أتموا الطواف بالبيت العتيق خاشعين ضارعين راجين من الله المغفرة والرضوان. الله أكبر ما ذكروا قول الرسول: (( يوم عرفة من أيام الله عز وجل، ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا ضاحين، جاؤوا من كل فجّ عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي، فلم يُر يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة ) ). الله أكبر ما أتموا مناسك الحج ذاكرين قول الله تعالى: ذ?لِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَـ?ئِرَ ?للَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ?لْقُلُوبِ [الحج:32] . الله أكبر، وما من عظيم إلا واللهُ أعظم منه وأكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله، خير من حج البيت واعتمر، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المسلمون، تذكرنا هذه الأيام المباركات بيوم عظيم في حياة سيدنا إبراهيم عليه السلام، بل في حياة البشر أجمعين.
موقف يعرضه الله تعالى للأمة المسلمة من حياة أبيها إبراهيم، جاء ذكره في سورة الصافات، قال تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ?لسَّعْىَ قَالَ ي?بُنَىَّ إِنّى أَرَى? فِى ?لْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَ?نظُرْ مَاذَا تَرَى? قَالَ ي?أَبَتِ ?فْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ?للَّهُ مِنَ ?لصَّـ?بِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَـ?دَيْنَـ?هُ أَن ي?إِبْر?هِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ?لرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ ?لْبَلاَء ?لْمُبِينُ وَفَدَيْنَـ?هُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ?لاْخِرِينَ سَلَـ?مٌ عَلَى? إِبْر?هِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ?لْمُؤْمِنِينَ [الصافات:102-110] .
فبعد أن رزق سيدنا إبراهيم عليه السلام في كبره بغلام طالما تطلع إليه، وبعد أن تفتح صباه وأنس به وبلغ معه السعي ورافقه في الحياة، رأى إبراهيم في منامه أنه يذبحه، فيدرك أنها الإشارة من ربه بالتضحية، وهذا يكفي ليلبي ويستجيب دون أن يعترض، ودون أن يسأل ربه: لماذا ـ يا رب ـ أذبح ابني الوحيد؟
ويأخذ إبراهيم الأمر، ويعرضه على ابنه كالذي يعرض المألوف من الأمر؛ لأن ابنه ينبغي أن يعرف لينال هو الآخر أجر الطاعة والاستسلام، ويتذوّق حلاوة التسليم، وتَلقّى إسماعيل الأمر في رضا، فشبَحُ الذبح لا يزعجه ولا يفقده أدبه ورشده، قَالَ ي?أَبَتِ ?فْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ?للَّهُ مِنَ ?لصَّـ?بِرِينَ.
وبعد أن أكبّ إبراهيم ابنه على جبينه ليذبحه، ولم يكن باقيًا إلا أن يذبح إسماعيل ويسيل دمه وتزهق روحه اعتبرهما الله قد أدّيا وصدقا ، وَنَـ?دَيْنَـ?هُ أَن ي?إِبْر?هِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ?لرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ?لْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـ?ذَا لَهُوَ ?لْبَلاَء ?لْمُبِينُ وَفَدَيْنَـ?هُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.
ومضت بذلك سنة الذبح في الأضحى ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان وجمال الطاعة والتسليم.
ونأخذ من ذلك الدرس الذي علمنا إياه الله تعالى في هذه القصة، هذا الدرس هو أن المسلم ملكٌ لله عز وجل، يسير حياته وفق تعاليمه، مسلِّمًا وجهه إليه، ولا يتردّد في تحقيق أمره، ولا يختار فيما يقدمه لربه هيئة ولا طريقة إلا كما يأمر هو سبحانه، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ?للَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ?لْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] .
هكذا يتعامل المسلم مع أحكام الله عز وجل، يطبقها دون تردّد أو خوف، يطبّقها على نفسه، ويدعو لتطبيقها في مجتمعه ولو بقلبه، وذلك أضعف الإيمان كما أخبر المعصوم ، ويعتقد بصلاحية الأحكام الإسلامية لكل زمان ومكان، وهذا من شروط الإسلام.
فأحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، ولا يستحي المسلم من أن يجهر بذلك، ولا يضيره أن يصف أعداء الإسلام حدود الإسلام بأنها تماثل همجية القرون الوسطى.
فغير المسلمين فقدوا عقولهم بدعوى حقوق الإنسان، يقتل الرجل منهم مائة فإذا ما حكم عليه بالإعدام تخرج المظاهرات وتصدر البيانات المندّدة بالحكم والتي تصفه بأنه يعالج جريمة بجريمة، فأين العقل إذًا؟!
لذلك فأحكام الإسلام وحدود الشريعة هي الوحيدة التي نعتقد بأنها كافية لردع المجرمين ولتوفير الأمان، وقبلها لنيل رضا الله عز وجل، وإن بدت في ظاهرها أنها قاسية على المجرم، فإنما تحملُ في قسوتها على المجرم الرحمة به وبالمجتمع. والأحكام الوضعية إن كان ظاهرها فيه الرحمة، فباطنها من قِبَله العذاب والشقاء للإنسانية جمعاء، ولنتأمل قول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي ?لْقِصَاصِ حَيَو?ةٌ يأُولِي ?لألْبَـ?بِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] .
فالمسلم يؤمن بربه سبحانه، وينقاد له سبحانه، لا يتردّد في تطبيق أوامره والكفّ عن نواهيه سبحانه طلبًا لرضاء الله عز وجل وللسّلامة في الدنيا وفي الآخرة.
عن أنس رضي الله عنه: قدم النبي المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: (( قد أبدلكم الله خيرًا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى ) ) [1] .
[1] أخرجه أحمد (3/103) ، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب: صلاة العيدين (1134) ، والنسائي: كتاب العيدين، باب: أخبرنا علي بن حجر (1556) ، وصححه الحاكم (1/294) ، وهو في السلسلة الصحيحة (2021) .
الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر، الحمد لله والله أكبر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وما من عظيم إلا واللهُ تعالى أعظم منه وأكبر.
أما بعد: إنه لمن أجمل الجميل أن تأتي الأعياد الإسلامية مصاحبة لجوّ روحي طاهر، فعيد الفطر يأتي بعد أداء الصيام وتزكية النفوس وتحقيق معاني التقوى في النفس، وعيد الأضحى يأتي في جوّ تلبية المسلمين لنداء الله عز وجل بأداء فريضة الحج، ومن هنا كان على المسلم أن يحيا في العيد هذا الجو الروحاني.
فالعيد في الإسلام فيه الفرح والزينة، ومع ذلك فيه الالتزام التام بآداب الإسلام وتعاليمه، إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:36] .
وفي هذا اليوم المبارك وفي اليومين التاليين على كل قادر أن يضحي؛ لأن المسلم يغفر له مع أول دفقة من دم الأضحية. وعلينا أن نبرّ آباءنا ونصِل أرحامنا، فنراسلهم وندعو لهم ونتصل بهم بالهاتف حيث يقول: (( من سره أن يمد له في عمره ويزاد له في رزقه فليبرّ والديه وليصل رحمه ) ).
وفي هذا اليوم المبارك على المتخاصمين أن ينهوا خصامهم حيث يقول: (( وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ) ) [1] .
وعلى كل من له صديقان متخاصمان أن يحاول ويعمل على أن يصلح بينهما لقوله: (( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين ) ) [2] . أما إفساد ذات البين الذي يفعله البعض دون أن يشعر بنقل الكلام ولو كان حقًا فهو من أكبر الكبائر.
وفي هذا اليوم المبارك علينا أن نفرج الكروب ونسعد الأولاد والزوجة ونتزاور فيما بيننا ونتذكر الأخوة التي تجمعنا مع كل المسلمين في أمتنا، فنفرح للآمنين السعداء منهم، ونحزن وندعو للمظلومين والبائسين، ولا ينبغي أن يدفعنا واقع المسلمين المرير إلى اليأس، فكل ما نرى سينتهي بأمر الله، وسيتحول إلى عزِّ وتمكين، يقول تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَ?لَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ?لأشْهَـ?دُ [غافر:51] ، ويقول: (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ) ).
فهذا هو وعد الله ورسوله، فقط علينا أن نعمل لإنهاض أمتنا من سباتها، لا أن نسب أمتنا ليل نهار، ينبغي أن نعمل لعزتها ولو بدعوة، ولو بالكف عن السباب، فشعوبنا ضحية وليسوا جناة، وأزمتها أزمة إدارة فقط.
دخل رجل على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه يوم عيد الفطر، فوجده يتناول خبزًا فيه خشونة، فقال: يا أمير المؤمنين، يوم عيد وخبز خشن! فقال عليّ: (اليوم عيد مَن قُبِلَ صيامه وقيامه، عيد من غفر ذنبه وشكر سعيه وقبل عمله، اليوم لنا عيد وغدًا لنا عيد، وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو لنا عيد) .
فعلينا أن نتقي الله تعالى كي تكون أيامنا كلها أعيادًا، علينا أن نبتعد عن الذنوب والمعاصي، فالمسلم يخسر بالمعاصي كل شيء: الرزق والعلم وتيسير الأمور عليه وعون الله له، يقول الشاعر:
إذا كنت في نعمة فارعها فإن الذنوب تزيل النعم
وحُطْها بطاعة رب العباد فربّ العباد سريع النقم
وإدمان الذنوب دائمًا يورث الذلّ، وإن من العصاة لمن يواقع المعصية من غير لذّة يجدها إلا لما يجد من الألم بمفارقتها، حتى إن أحد الشعراء قال:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانُها
وعلينا أن نغتنم فرصة حياتنا في عمل الصالحات قبل أن تمنعنا الحوادث من فعل الخيرات، يقول: (( بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفتّرًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشرّ غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) ) [3] .
ولنتذكر الموقف الذي صوره لنا عن يوم القيامة: (( ما منكم أحد إلى سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) ) [4] .
وأخيرًا، ندعو الله تبارك وتعالى بأن يجعل هذا العيد عيدًا مباركًا، وأن يوفقنا فيه لما يحبه ويرضاه، وكل عام وأنتم بخير، كل عام وأنتم من الله أقرب وعلى طاعته أدوم.
وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب: الهجرة (6077) ، ومسلم: كتاب البر، باب: تحريم الهجر فوق ثلاث (2560) .
[2] أخرجه أحمد (6/444) ، وأبو داود: كتاب الأدب، باب: في إصلاح ذات البين (4919) ، والترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب: حدثنا هناد (2509) ، والترمذي، وابن حبان (5092) ، وهو في صحيح سنن الترمذي (2037) ، وانظر: غاية المرام (414) .
[3] أخرجه الترمذي: كتاب الزهد، باب: ما جاء في المبادرة بالعمل (2306) ، والعقيلي في الضعفاء (1822) ، والحاكم (4/321) ، وهو في السلسلة الضعيفة (1666) .
[4] أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب: من نوقش الحساب عُذب (6539) ، ومسلم: كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة (1016) .