التوحيد
الأسماء والصفات
عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
مكة المكرمة
جامع الفرقان
العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته أهميته وأثره: فضل إحصاء الأسماء الحسنى ومعناه،
بعض الأسماء الحسنى ومدلولاتها والصفات العلى ومفهوماتها: الله , الرحمن , الرحيم , الملك
الحق , القدوس السلام , المؤمن , المهيمن , العزيز , الجبار , الخالق , البارئ , المصور
الغفار , القهار , الرزاق , الفتاح , العليم , القابض , الباسط , الخافض الرافع , الضار النافع
المعطي المانع , المعز المذل , السميع البصير , الحكَم العدل , اللطيف , الحليم , العلي ,الكبير , المغيث , الكريم الواسع
أما بعد:
فإن العلم بالله سبحانه والتعرف على أسمائه وصفاته هو خلاصة الدعوة النبوية ولذا ليس غريبًا أن يحق الله خشيته في العالمين به: إنما يخشى الله من عباده العلماء ، أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب.
وليس غريبًا أن يعد الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة لمن أحصى أسماءه التسعة والتسعين, وإحصاؤها هو حفظها وفهم معناها والتعامل معه جل وعلا بذلك.
قال ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علمًا, وكفى بالاغترار به جهلًا.
قال بعض السلف: من خشي الله فهو عالم ومن عصاه فهو جاهل.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشية الله.
وإذ الأمر كذلك فسأذكر بعض أسمائه سبحانه ومدلولاتها وصفاته ومفهوماتها لعل الله أن يحيي قلوبنا فنصحو من غفلتنا.
فهو الله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وما كان معه من إله.
هو الله الذي لا إله إلا هو ولا خالق غيره ولا رب سواه المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير ، عالم الغيب والشهادة الذي استوى في علمه ما أسر العبد وأظهر الذي علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها.
كيف لا وهو الذي خلق وقدر: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما الذي كتب على نفسه الرحمة وهو أرحم الراحمين ، الذي غلبت رحمته غضبه كما كتب ذلك على عرشه في الكتاب المبين. الذي وسعت رحمته كل شيء وبها يتراحم الخلائق بينهم كما ثبت ذلك عن سيد المرسلين [1] : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيى الموتى وهو على كل شيء قدير.
الملك الحق الذي بيده ملكوت كل شيء ولا شريك له في ملكه ولا معين.
المتصرف في ملكه كما يشاء بالأمر والنهي والإعزاز والإذلال والإحياء والإماتة والهداية والإضلال: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
لا راد لقضائه ولا مضاد لأمره ولا معقب لحكمه: ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين.
له ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير، القدوس السلام الذي اتصف بصفات الكمال وتقدس عن كل نقص ومحال، وتعالى عن الأشباه والأمثال. حرام علي العقول أن تصفه وحرام علي الأوهام أن تكيفه. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
المؤمن الذي أمن أوليائه خزي الدنيا ووقاهم في الآخرة عذاب الهاوية. المهيمن الذي يشهد على الخلق بأعمالهم وهو القائم على كل نفس بما كسبت لا تخفى عليه منهم خافية، إنه بعباده لخبير.
العزيز الذي لا مغالب له. الجبار الذي له مطلق الجبروت والعظمة وهو الذي يجبر كل كسير. المتكبر الذي لا ينبغي الكبرياء إلا له والعظمة إزاره والكبرياء رداءه فمن شاركه صفة منها أحل به الغضب والمقت.
الخالق البارئ المصور لما يشاء إذا شاء في أي صورة شاء من أنواع التصوير: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعلمون بصير ، خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير.
الغفار الذي لو أتاه العبد بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئًا لقيه بقرابها مغفرة.
القهار الذي أقسم بسلطان قهره كل مخلوق. الوهاب الذي كل موهوب وصل إلي خلقه فمن فيض بحار جوده وفضله ونعائمه الزاخرة.
الرزاق الذي لا تنفد خزائنه: ما عندكم ينفد وما عند الله باق يرزق من هذه الدنيا من يشاء من كافر ومسلم أموالًا وأولادًا، ولا يرزق من الآخرة إلا أهل توحيده وطاعته، وأشرف الأرزاق في هذه الدار ما رزقه عبده على أيدي رسله من أسباب النجاة من الإيمان والعلم والعمل والحكمة وتبيين الهدى المستنير.
الفتاح الذي يفتح علي من يشاء بما يشاء من فضله العميم، يفتح على هذا مالًا وملكًا وعلمًا وحكمة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم.
العليم الذي أحاط علمه بجميع المعلومات من ماض وآت وظاهر وكامن ومتحرك وساكن وجليل وحقير، علمه باقي علم عدد أنفاس خلقه وحركاتهم وسكناتهم وأعمالهم وأرزاقهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
ما من جبل إلا ويعلم ما في وعره، ولا محيط إلا ويعلم ما في قعره وما تحمل من أنثى وما تضع إلا بعلمه، ولا يعمر من معمر ولا ينقص في عمره إلا في كتاب إن ذلك علي الله يسير.
القابض الباسط فيقبض على من يشاء رزقه فيقدر عليه ويبسط على من يشاء فيوسع عليه، وكذا له القبض والبسط في أعمال عباده، كل ذلك إليه إذ هو المتفرد بالإحياء والإماتة والهداية والإضلال والإيجاد والإعدام.
الخافض الرافع الضار النافع , المعطي المانع فلا رافع لما خفض ولا خافض لمن رفع , ولا نافع لمن ضار ولا ضار لمن نفع , ولا معطي لمن منع ولا مانع لمن أعطى , فلو اجتمع أهل السموات السبع والأرض السبع وما فيهن وما بينهما على خفض من هو رافع لم يكن ذلك في استطاعتهم بواقع: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير.
المعز المذل الذي أعز أولياءه المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأذل أعداءه في الدارين وضرب عليهم الذلة والصغار وجعل عليهم الدائرة.
السميع البصير لا كسمع ولا بصر أحد من الورى، القائل لموسى وهارون: إنني معكما أسمع وأرى ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
الحكم العدل في قضاءه وقدره وشرعه ودينه، فلا يحيف في حكمه ولا يجور: وما ربك بظلام للعبيد ، الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا ووعد الظالمين الوعيد الأكيد: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ، وهو الذي يضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ، بل يحصي عليهم الخردلة والذرة والقطمير.
اللطيف بعباده معافاة وإيمانًا وعفوًا ورحمة وفضلًا وإحسانًا، ومن معاني لطفه إدراك أسرار الأمور حيث أحاط بها خبره تفصيلًا وإجمالًا وسرًا وإعلانًا، المحيط بأخبار عباده وأعمالهم ماذا عملوا وكيف عملوا وأين عملوا ومتى عملوا حقيقة ومكانًا وزمانًا.
إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير.
الحليم فلا يعاجل أهل معصيته بالعقاب بل يعافيهم ويمهلهم ليتوبوا فيتوب عليهم إنه هو التواب الذي اتصف بكل معنى يوجب التعظيم، وهل تجب العظمة إلا لرب الأرباب، خضعت لقوته وجبروته جميع العظماء وذل لعزته وكبريائه كل كبير: ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] صحيح البخاري (6000) ، صحيح مسلم (2753) .
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وأشهد أن لا إله إلا الله الغفور الشكور الذي يغفر الكثير من الزلل، ويقبل القليل من صالح العمل فيضاعفه أضعافًا كثيرة ويثيب عليه وكل ذلك لأهل توحيده، أما أهل الشرك فلا يغفر الله شركهم ولا يقبل منهم من العمل قليل ولا كثير.
العلي الذي ثبت له كل معاني العلو، علو الشأن وعلو القدر وعلو الذات، الذي استوى على عرشه بائنًا عن جميع المخلوقات كما أخبر بذلك عن نفسه وأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الكبير الذي كل شيء دونه: والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه. الحفيظ على كل شيء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء: الذي وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما ، حفظ أولياءه في الدنيا والآخرة ووقاهم من كل أمر خطير.
المغيث لجميع مخلوقاته فما استغاثه ملهوف إلا نجاه. الحسيب الوكيل الذي ما التجأ إليه مخلص إلا كفاه، ولا اعتصم به مؤمن إلا حفظه ووقاه: ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
الجليل الذي جل عن كل نقص واتصف بكل جمال وجلال. الجميل الذي له مطلق الجمال في الذات والصفات والأسماء والأفعال.
الكريم الذي لو أن أول الخلق وآخرهم وإنسهم وجنهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، ومن كرمه أن يقابل الإساءة بالإحسان والذنب بالغفران ويقبل التوبة ويعفو عن التقصير.
الرقيب على عباده، العليم بأفعالهم، الكفيل بأرزاقهم وآجالهم وإنشائهم ومآلهم.
المجيب لدعائهم وسؤالهم وإليه المصير.
الواسع الذي وسع كل شيء علمًا ووسع خلقه برزقه ونعمته وعفوه ورحمته عفوًا وحلمًا. الحكيم في خلقه وتدبيره إحكامًا وإتقانًا، الحكيم في شرعه وقدره عدلًا وإحسانًا، وله الحكمة البالغة والحجة الدافعة، حكمه عدل، وشرعه عدل، وقضائه عدل، فله الشكر والحمد وهو على كل شيء قدير: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون.