فهرس الكتاب

الصفحة 4743 من 5777

صور التعذيب

الإيمان, العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

المسلمون في العالم, الولاء والبراء, جرائم وحوادث

سعيد بن عبد الباري بن عوض

جدة

سعد بن أبي وقاص

1-مأساة إخواننا في سجن أبو غريب. 2- حالنا مع بعض بني قومنا في غرامهم بالغرب الكافر والدفاع عنه. 3- حكم موالاة الكفار. 4- رسالة لأولئك المفتونين بالغرب من المسلمين. 5- دعم الأمريكان لليهود.

ظهرت في الآونة الأخيرة صوَر زعِم أنها لتعذيب معتَقلين عراقيين في سجن أبو غريب، وما أودّ قوله هنا أن مثل هذا الأمر لا يمكن تصديقه، وأن هذه الصور ما هي إلا تلفيق على أولئك الجنود، وأنها صور مأخوذة من مواقع على الإنترنت أو أفلام أو غير ذلك بقصد تشويه صورة الجنود الأمريكان!!

عفوا أيها الكرام، هذا لم يكن كلامي أنا، وإنما هو نقل لرأي بعض الصحفيين العرب من بني جلدتنا. حين ضجّ العالم أجمع بعد مشاهدة أقلّ من ثلاثين صورة من جملة ألف صورة أو يزيد لتعذيبٍ أقل ما يمكن أن يوصف به أنه همجي بربري، لكن قضية التعذيب ليست هي قضيتي اليوم، فقد كانت الصوَر أبلغ من كلّ المقالات والخطب، بل إنّ صورة واحدة من تلك الصور تفوق كلّ ما يمكن أن يقال في مثل هذا المقام.

إنها معضلة ـ أيها الكرام ـ تعيشها فئة مِن الناس منذ فترة ليست بالقصيرة، إنه انسلاخ من بِيئتهم ومجتمعاتهم التي عاشوا وترعرعوا فيها. هي أزمة تعاني منها تلك الفئة منذ بزغ نجم القوم ـ أعني الغرب الكافر ـ فيما يسمونه اليوم بالحضارة الغربية. تلك الحضارة التي أفرزت وأنتجت استعلاء وتجبرا واعتداءات وظلما وانتِهَاكات، لكلّ القِيَم والمبادئ السماوية منها والوضعية. انبهرت فئة من المسلمين بهؤلاء الغربيين وبهذه الحضارة المزعومة، وافتتنت بتلك المبادئ الزائفة التي قامت عليها أمة الغرب، فارتموا في أحضانهم وعظموهم وبجلوهم ووقروهم، وسبحوا بحمدهم والثناء عليهم بكرة وأصيلا. وما مثلهم إلا كما قال الله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52] .

لقد اعترف المحتل المجرم بوجود التعذيب في السجون، بل وصرحوا أن لديهم صورا أكثر مما عرض في وسائل الإعلام، وأفلاما عن هذه الفظائع التي ارتكبت بحق المعتقلين، فماذا تراه يقول أولئك المدافعون عنهم المفتونون بهم من بني جلدتنا؟!

هل تظنون أنهم اعتذروا للأمة الإسلامية وللعراقيين خاصة عن دفاعهم عن المجرم الذي قام بهذه الأفعال؟! أبدا لم يحدث شيء من ذلك. بل هل تراهم توقفوا عن الدفاع عن أولئك المجرمين؟! أيضا لم يحدث شيء من ذلك. أتدرون ما الذي حدث؟ إنه شيء فوق ما يمكن أن يتصوره العقل، لقد وظفوا الحدث الإجرامي نفسه لخدمة الغرب والعالم الغربي بالحديث عن اعتذار بعض مسؤوليهم اعتذارا باردا بقوله:"إن ما حدث شيء مقزز"، وغيرها من الكلمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأخذوا يشيدون بكون الذي نشر الخبر واستنكره بشدة هي وسائل الإعلام الغربية. لقد أصبحت الجريمة بفضل أولئك المستغربين منقبة يثنى بها على المجرم، وتصغر عندها كل خطيئة، وأخذوا يكيلون المديح للجلاد المجرم، ولتتحول بعد ذلك التهمة إلينا لنصبح نحن الجناة. فهل عندكم لهذا الداء من دواء؟!

وفي مثل هذه الحال من تحويل الجاني إلى ملاك طاهر بريء وتحويل المظلوم إلى مجرم يقول أحد الشعراء:

بيني وبين قاتلي حكاية طريفة

فقبل أن يطعنني حلّفني بربّ الكعبة الشريفة

أن أطعن السيف أنا بجثتي فهو عجوز طاعِن وكفّه ضعيفة

حلّفني أن أحبس الدماءَ عن ثيابه النظيفة

فهْو عجوز مؤمنٌ سوف يصلّي بعدما يفرغ منْ تأدية الوظيفة

شكوته لحضرة الخليفة

فردّ شكوايَ لأنّ حجتي سخيفة

نعم أيها المؤمنون، هذه هي حالنا مع بعض بني قومنا في غرامهم بالغرب الكافر، فلا يزال الغرب عند أولئك نموذجا للحرية والديموقراطية كما يحلو لهم دائما أن يدندنوا بهذه الكلمات الجوفاء، نموذجا للعدل والمساواة، بل وكل القيم النبيلة، زعموا!!

ومهما فعل الغرب بنا من اعتداء وانتهاك للحقوق فلا يزال في أعين أولئك هو الأب الروحي للقيم والمبادئ السامية النبيلة. روى الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله: (( حبك الشيء يعمي ويصم ) )وقال بعض علماء الحديث:"هو من قول أبي الدرداء".

فهؤلاء ـ أيها المؤمنون ـ قد أعماهم حبهم للغرب وأصمهم عن كل عيب في هؤلاء القوم. وإننا نذكرهم بقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51] ، ونذكرهم بقوله: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )رواه الترمذي، وما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله قال: (( ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف ) )رواه الترمذي.

إن الأمة اليوم بحاجة إلى التكاتف والتعاون لصد العدوان الذي يستهدف دينها وأمنها وخيراتها، وإن مثل هؤلاء المنسلخين عن جلدتهم وعن انتماءاتهم يشكلون ثغرات في بناء الأمة المحكم، يمكن أن تتسبب في هدمها. إننا لا نود أن تكون هناك معاول هدم من أبناء الأمة تهدم من الداخل، سواء شعر أولئك بهذا الأمر أم لم يشعروا، فهم على كل حال لا يسهمون في حماية الأمة من الأخطار الخارجية ولا الداخلية.

إننا في مثل هذه الأيام التي نواجه فيها تهديدا داخليا من قبل فئة ضلت وقامت تفجر وتقتل المسلمين بحاجة للتلاحم لا التشرذم. إن من واجبنا كذلك أن نمد يد العون لإخواننا في العالم الإسلامي الذين اعتدي عليهم في بلادهم واحتلت، ودمرت ديارهم وشردوا وأوذوا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، لا أن ندافع عن المحتل الغاصب الذي لو لم يكن من ذنبه إلا احتلال الأرض لكفى به إثما مبينا، فكيف بعد ذلك وهو يعذب ويغتصب ويقتل؟! ثم يريد منا أولئك المفتونون أن نشيد باعتذار المجرم عن إجرامه بكلمة باردة.

إن من الواجب علينا مطالبتهم بالرحيل عن فلسطين والعراق وكلِ أرض للمسلمين دنسوها بأقدامهم، وهذا أقل ما يجب. إن لهؤلاء المسلمين الذين تعرضوا للأذى حقا علينا وأي حق، فكيف بنا بدلا من أن نتألم لمصابهم ندافع عمن احتل أرضهم وانتهك عرضهم؟!

أيها المفتون بهؤلاء المجرمين، قليل من العقل والتأمل سيقودك إلى الحقيقة. أتُرى لو أن هذا المجرم اغتصب دارك وأخذ مالك وانتهك عرضك سيكون موقفك منه كما هو الآن؟! أتُراك ستقبل دفاع المدافعين عنه واعتذار المعتذرين عنه، أم أن الأمر سيختلف؟! عجبا لهؤلاء، هل لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها وقلوب يفقهون بها!

أيها المؤمنون، إنه يجب أن يعلم أننا لا نخالف في أن من اتصف بصفة حميدة فإنه يذكر بها ويشهد له بذلك، وأنه توجد بعض الأخلاقيات المحمودة عند القوم، والله جل وعلا قال لنا في كتابه: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] ، ويقول: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام: 152] ، لكن هناك أمران مهمان يجب أن نتنبه لهما:

أولهما: أن هذه الأخلاقيات مهما بلغت عند الغرب فلن تبلغ عشر معشار ما عندنا في القرآن الكريم والسنة المطهرة، لكن القوم عملوا بما عندهم ونحن لم نعمل بما عندنا.

ثانيهما: أن هذه الأخلاق التي يتشدق بها الغرب قد تبين بجلاء أنها ليست إلا مساحيق وأصباغ، يزين بها أولئك المجرمون وجوههم القبيحة، وأن كل تلك الشعارات من الحرية وحقوق الإنسان إنما يقصد بها حرية وحقوق الإنسان الغربي الكافر، أما المسلمون فليس لهم منها نصيب، فلا حرية ولا حقوق للمسلمين، بينما مبادئنا وأخلاقنا نحن المسلمين لا يزال التاريخ يشهد بأننا نحن من كان خيرَ فاتح للبلاد والعباد. فهل يعقل بعض بني قومنا ذلك؟!

معاشر المؤمنين، ها هم إخواننا اليوم وكل يوم يقتَلون على أيدي إخوان القردة والخنازير من اليهود عليهم من الله ما يستحقون، وليس غريبا ما يفعله من غَضِبَ الله عليه من اليهود؛ فهم أعداء الملائكة وقتلة الأنبياء ومحرفو الكلم، والشيء من معدنه لا يستغرب.

لكنني أريد أن أسأل أولئك المستغربين من بني جلدتنا: من الذي أمد اليهود بطائرات الأباتشي التي قتلوا بها الشيخ أحمد ياسين، وقتلوا بها الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وقتلوا بها قبل ذلك خلقا لا يحصيهم إلا الله؟ ومن الذي يمد اليهود المحتلين على أرض فلسطين بالدعم السياسي، فما من قرار يصدر ضدهم إلا ويستخدمون حق النقض المسمى (بالفيتو) ، علما بأن هذه القرارات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تقدم ولا تؤخر بالنسبة للمسلمين؟ بل إن شئت فقل: من الذي غرس نبتة اليهود الفاسدة في أرض فلسطين الطاهرة إلا الغرب بوعد المجرم بلفور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت