فهرس الكتاب

الصفحة 4849 من 5777

فتنة الدجال(1)

الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب

أشراط الساعة, الفتن

عاصم بن لقمان يونس الحكيم

جدة

جامع جعفر الطيار

1-عظم فتنة الدجال. 2- فضل الذكر في زمن الدجال. 3- أعظم أسباب الرزق. 4- أتباع الدجال. 5- زمان خروجه ومكثه في الأرض. 6- أهمية الصلاة. 7- وجوب الفرار من الفتن.

قال النبي: (( إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظمَ فتنة من الدجال ) ).

عباد الله، إن فتنة الدجال هي أعظم فتنة كما قال نبينا ، والدجال كما أخبرنا النبي رجل أعور، يدعي النبوة وبعد ذلك الألوهية، يُظهر الله تعالى على يديه الخوارق فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من منافقهم، وهو موجود منذ عهد النبي في جزيرة ما، حيث رآه بعض الصحابة مكبَّلا بالقيود والسلاسل وتكلّم معه، ينتظر الإذن له بالخروج، ويسبق خروجه ثلاثة أعوام من القحط والجفاف والمجاعة تعمّ الأرض، وأشدُّه العام الثالث حيث يأمر الله تعالى السماء فلا تمطر قطرة، والأرض فلا تنبت خضراء، فتهلك الدواب كما أخبر بذلك نبينا إلا ما شاء الله، فقيل له: فما يُعيش الناس في ذلك الزمان؟! فقال: (( التهليل والتكبير والتحميد، ويجزئ ذلك عليهم مجزأة الطعام ) ).

إنها أيام عصيبة ولا شك، ولكن ما زال في الناس بقية إيمان، فهم يذكرون الله تعالى، فيقوم ذكر الله مقام الطعام والشراب، وما ذلك إلا لفضل الله تعالى ولبركة الذكر. ونحن في أيامنا هذه في أمس الحاجة إلى ذكر الله، فالناس قد شغلتهم المدنية وجمع الأموال من حرام وحلال، حتى أصبحت الكرامات والمعجزات ضربا من الخيال ومرادفا للمحال، وأصبح عامة الناس من عبدة الدينار والدرهم، وأعرضوا عن قول الله تعالى: وَمَن يَّتَقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] . إن بركة الإيمان والاعتصام بحبل الله تعالى والتوكل عليه لهي من أعظم أسباب الرزق التي يغفل عنها أكثر المسلمين، ولقد ثبت عن ابن القيم أنه مرض مرضا شديدا في حجه حتى شارف على الهلاك ولم ينفعه دواء، فلجأ إلى الله تعالى ولم يكن له من طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، فشفاه الله ورجعت إليه صحته وعافيته. وأعظم من ذلك ـ عباد الله ـ قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه التي رواها الإمام مسلم في صحيحه، ذلك أن أبا ذر دخل مكة ذات يوم وسأل بعض أهلها عن مكان الصابئ، فأوسعوه ضربا بالعظام والحجارة حتى سقط مغشيا عليه وهم يعدونه في الأموات، يقول أبو ذر: فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنّي الدّمَاءَ وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ ـ يَا ابْنَ أَخِي ثَلاَثِينَ ـ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلاّ مَاءَ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتّى تَكَسّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ. سبحان الله! ثلاثون يوما لا يدخل جوفه شيء سوى زمزم، ومع ذلك ظهر عليه السِمَنُ حتى أن بطنه انثنت وانطوت من بركة زمزم. فالتهليل والتكبير والتحميد يجزئ عن الطعام عند فقدانه؛ لأن الله تعالى هو الذي يبارك فيه، ومن اعتصم بأوامر الله وكان مع الله فإن الله تعالى لا يضيعه.

عباد الله، إن الدجال يخرج من المشرق من منبع الفتن، وأكثر أتباعه من اليهود والنساء، فيتبعه سبعون ألف من يهود أصبهان، ويتبعه النساء، وذلك لأنهن عاطفيات وأرق قلوبا من الرجال، فيسهل خداعهن والتلبيس عليهن، ولذا نرى في أيامنا هذه وقبل خروج الدجال كيف أن النساء يتأثرن بالشبهات التي يلقيها أعداء الله على مسامعهن من على صفحات الجرائد والمجلات ومن على شاشات التلفاز، ونرى سرعة افتتانهن بالأفلام والأغاني، ونرى نبذ نسبةٍ لا يُستهان بها للحجاب والحشمة والعفاف ما أن يغادرن حدود هذه البلاد، ومنهن من خلع لباس التقوى هنا في بلاد الإسلام بمباركة من أب فاجر أو زوج ديوث، فكيف يكون حال تلك النسوة إذا خرج فيهن الدجال؟! نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.

أقول قولي وأستغفر الله...

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد: إن الدجال يخرج بعد وقوع الملحمة الكبرى التي أخبر عنها نبينا ، حيث يقاتل المسلمون الروم، ويحصل فيها قتل عظيم، وتكون الغلبة فيه لدين الله تعالى، ولقد أخبرنا نبينا أن الدجال يمكث في الأرض أربعين يوما، إلا أنه قال عن هذه الأيام: (( يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم ) )، فقالوا: فذاك اليوم كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟! قال: (( لا، اقدروا له قدره ) )، مما يدل على أن اليوم الذي كسنة يطول حقيقة فلا تغرب الشمس فيه إلا بعد مرور سنة.

عباد الله، لقد كان نبينا يحدّث أصحابه عن فتن عظيمة يُظهرها الله على يد الدجال، ومع ذلك ما شغل بالهم أمرٌ أكثر من الصلاة لعلمهم بأنها عماد الإسلام، وأنه لا حظ في الإسلام لمن لا يصلي الفروض الخمسة، وأين المسلمون اليوم من الصلاة؟! وكيف هي المساجد في صلاة الفجر والعصر؟! إن تاركي الصلاة هم أكثر الناس غفلة وأقسى الناس قلبا، وهم أعظم الناس هما وغما وحيرة وقلقا، وأسهل الناس وقوعا في الموبقات وأسرعهم استجابة للشبهات، وأعظم من ذلك كله هم أبعد الناس عن رب الأرض والسموات، ولا شك أنهم أول من يستجيب للدجال إذا خرج ـ والعياذ بالله ـ لضعف إيمانهم وقلة يقينهم.

عباد الله، إن فتنة الدجال عظيمة، ولشدة فتنته أمر النبي المسلمين أن يبتعدوا عنه، يقول النبي: (( من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات ) ). والفرار من الفتن خوفا على الدين أمر واجب ومحمود أمر به النبي ، ومع ذلك يصر أكثرنا على مواجهة الفتن ظنا منهم أنهم قادرون عليها، فكم من المسلمين الصالحين اليوم أدخلوا جهاز التلفاز وتوابعه بيوتهم بحجة أن عندهم القدرة على السيطرة عليه والتحكم بما يعرض فيه، فعرضوا أنفسهم للفتنة وأصبحوا هم وأهليهم عبيدا له، يملي عليهم أخلاقهم وعاداتهم وأزياءهم، ويملأ عليهم أوقاتهم، فلا يستطيعون الحياة بدونه، وما علموا أنما هو فتنة كالدجال، يجب على المسلم الحريص على دينه ودين أهله أن يبتعد عنه.

عباد الله، إن موضوع الدجال موضوع عظيم لا تكفيه خطبة واحدة، فلعل الله تعالى أن ييسر خطبة أخرى للحديث عن فتنة الدجال.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت