الأسرة والمجتمع
الأبناء
عبد الله الهذيل
الرياض
فيحان
1-الأمر بتأديب الأبناء وتربيتهم. 2- الأبناء نعمة من الله. 3- مسؤولية الوالدين في التربية.
4-أول الاهتمام بالأولاد حسن اختيار الأم. 5- حقوق المولود بعد ولادته. 6- التربية الخاطئة
لبعض الآباء. 7- حسن تربية السلف لأبنائهم. 8- أسباب ضياع الأبناء في مجتمعنا.
أما بعد:
قال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
قال علي بن أبي طالب: ( أي أدبوهم وعلموهم ) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أ ي اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار ) .
أيها المسلمون، وإن من أعظم النعم التي يعيشها المرء أن يرى ذرية له في هذه الحياة هبة من رب العالمين، لِلَّهِ مُلْكُ ?لسَّمَـ?و?تِ وَ?لأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـ?ثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ?لذُّكُورَ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَـ?ثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49، 50] .
تلك الذرية أكبادٌ لآبائهم تمشي على الأرض، إن تألموا تَأَلَّمَ آباؤهم لذلك أشد، وكما قيل:
وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض
إن هبت الريح على بعضهم لامْتَنَعَتْ عيني عن الغمض
وتتم النعمة للآباء بصلاح أبنائهم وسبقهم إلى طاعة ربهم عز وجل، لذلك كان من دعاء المؤمنين: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْو?جِنَا وَذُرّيَّـ?تِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ?جْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74] .
أيها الأحبة في الله، وحديث اليوم عن فلذات الأكباد، وتلك المسؤولية العظمى الملقاة على عواتق الآباء بشأنهم، ثم ذلك القصور الذي يسبب إخفاقًا في أداء تلك الأمانة، وما يجر من حسرة وندامة، إنْ في الدنيا أو الآخرة.
أيها المسلمون، وإن من حق النعم الشكرَ عليها.
وأعظم بنعمة الأولاد من نعمة! فواجب على المسلم شكرُها، وذلك بأن يتقي الله عز وجل فيها، ويقيم الحقوق التي أمر بها تجاهَها.
وقد حمل الأبوان المسؤولية الكبرى من تنشئة أبنائهم وتربيتهم التربية الصالحة، فإن صلحت التربية كان الصلاح في الأبناء بإذن الله تعالى، وإن كانت التربية إلى السوء أقرب فإن النبات سيكون نبات سوء إلا ما شاء الله.
لذا جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء ) )ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فِطْرَةَ ?للَّهِ ?لَّتِى فَطَرَ ?لنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ?للَّهِ ذَلِكَ ?لدّينُ ?لْقَيّمُ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الروم:30] [1] .
إذًا، فالنشأة الصالحة من صلاح المنشأ، وعلى الأبوين تقع تلك الأمانة العظمى، فإن أدّيا وكان الأمر خلاف ما سعيا له فقد برأت منهم الذمة، والله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
ولكن السذاجة فيمن هيأ لأبنائه سبل الغواية والضلال ثم هو يتعلل بالقدر.
أيها المسلمون، أيها الآباء، لقد اهتم الإسلام بالنشء أبلغ الاهتمام، وذلك من بدايات الأمر، حيث حث على الزواج بالمرأة الصالحة، وحث ولي المرأة على أن يختار لها الرجل الصالح، ليكوّنا بيتًا وجيلًا يبنى على أساس ثابت على تقوى من الله ورضوان.
ثم أمر بعد الزواج أن يتبع الأبوان كل ما من شأنه حفظ الولد من نزغات الشياطين، فعند الجماع أن يقولا: (( باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ) ) [2] ، وكذلك عند ولادته أن يؤذن في أذنه، وأن يختار له من الأسماء أحسنها، ثم التدرج في تربيته كأمره بالصلاة لسبع وضربه عليها لعشر [3] ، وترسيخ العقيدة وكلمة الشهادة في نفسه.
وهكذا جعلها مسؤولية وأمانة سيسأل الأبوان عنها، كما جاء في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: (( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته ) ) [4] .
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:"قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقًا فللابن على أبيه حق".
ثم يقول رحمه الله تعالى:"فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبت إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا".
أيها الأحبة في الله، ولنا في أسلافنا خير مثل في تربيتهم أبناءهم وتنشئتهم النشأة الصالحة بترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم وتعليم أمور الدين وتصحيح العبادات عندهم.
وخير مثال لذلك ما رواه الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي فقال: (( يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ) [5] .
هكذا يرسخ النبي صلى الله عليه وسلم تلك المعاني العظام في نفس ابن عباس رضي الله عنهما وهو إذ ذاك غلام.
فمن من الآباء في هذا الوقت يرسّخ في نفس ابنه أمثال تلك المعاني؟
بل إن منهم من إذا عُلِّم ابنُه أمور الحلال والحرام، قال: لا تعقدوه فإنه صغير ولا يحتمل هذا.
فيقال له: يكفي أن يحتمل ذلك الغزو الجارف عن طريق التلفاز وأمثاله.
أيها الأحبة في الله، ويمر ابن عمر رضي الله عنهما في سفر له على غلام يرعى غنمًا، فيقول له: تبيع من هذه الغنم واحدةً؟ فقال: إنها ليست لي، فقال ابن عمر ـ مختبرًا له ـ قل لصاحبها: إن الذئب أخذ منها واحدة. فقال الغلام: فأين الله؟! فكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول بعد ذلك إلى مدة مقالة ذلك الغلام: فأين الله؟!
وكان صغار الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون إلى الخير، فكانوا يتوارون ويبكون حتى يخرجوا للجهاد في سبيل الله عز وجل.
ومن ذلك أن عمير بن أبي وقاص كان يتوارى قبل أن يعرض النبي الصفوف، فرآه أخوه سعد، فقال له: مالك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، فكان سعد يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه.
أيها الأحبة في الله، فلذات أكبادنا أمانة حُمّلتموها، فاسعوا لإرضاء ربكم فيها، عسى أن يكونوا قرة عين لكم في الدنيا والآخرة، فإن الإنسان إن مات وكان له أولاد صالحون فإنه ليرتفع في درجات النعيم بدعواتهم، وذلك كما جاء عند مسلم أن النبي قال: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده ) ) [6] .
[1] صحيح، صحيح البخاري: كتاب الجنائز - باب إذا أسلم الصبي فمات... حديث (1358-1359) ، صحيح مسلم: كتاب القدر - باب معنى: (( كل مولود يولد على الفطرة ) )... حديث (2658) .
[2] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الوضوء - باب التسمية على كل حال وعند الوقاع (141) ، ومسلم: كتاب النكاح - باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع، حديث (1434) .
[3] صحيح، أخرجه أحمد (2/187) ، وأبو داود: كتاب الصلاة - باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث (495) ، والترمذي بنحوه: كتاب الصلاة - باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، حديث (407) ، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم (1/197) ، والألباني بشواهده. إرواء الغليل (247) .
[4] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الجمعة - باب الجمعة في القرى والمدن، حديث (893) ، ومسلم: كتاب الإمارة - باب فضيلة الإمام العادل... حديث (1829) .
[5] صحيح، سنن الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع - باب حدثنا أحمد بن محمد بن موسى... حديث (2516) ، وأخرجه أيضًا أحمد (1/293) ، والطبراني في الكبير (11243) وصححه الحاكم (3/541) والضياء في المختارة (10/22) ، وقواه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/185) الحديث التاسع عشر، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند (2804) .
[6] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الوصية - باب ما يحلق الإنسان من الثواب... حديث (1631) .
أما بعد:
كم يتألم المرء عندما يرى من أبناء المسلمين مَن لم يحظ من أبويه بالبناء الراسخ والتربية الصالحة، وإنما كان حظه منهم الغفلة عنه، بل وتهيئته للضلال والغواية، حتى نشأ على ذلك فصار يتأذى الناس منه، ويرسلون الدعوات عليه.
وتراهم شبابًا سبهللًا، لا في أمر دين ولا دنيا، وتعرف آثارهم على أبواب دورات المياه ـ أعزكم الله ـ وعلى جُدُر المدارس، وسيلهم جارف، كل يوم يرصدون فريسة فتسعى معهم إن لم تجد مربين ناصحين، وحصنًا منيعًا تربوا عليه.
ولا يقف الأمر عند حدود الشباب فحسب، بل الأمر في الفتيات أشنع.. والحوادث في المدارس تشهد، وفي الأسواق أدهى.
وإن سألت عن سبب ذلك فبم تجيب؟
إن قلت التلفاز والبث المباشر فقد صدقت.
وإن قلت تلك المجلات التي تحكي المجون فقد صدقت.
وإن قلت تلك الأشرطة التي تسري سريان السم القاتل فقد صدقت.
ولكن أهذا هو الأصل؟
لا، ولكن الأصل التربية، تلك الغفلة التي يعيشها من يعيشها من الأبناء من قبل آبائهم، لتجرفهم إلى تلك المواقع، وذئاب البشر تسعى ولا تكِلّ، حتى يرى الأب أن ابنه وقع في الضرر، من مخدرات وفواحش وغيرها، فإذا هو يتنبه لابنه، ويعض أيادي الندم، ولات حين مندم.
نعق الغراب بما كرهت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها وطرقت أسباب الضرر
وتنوح من هول المصاب وأنت هيأت الخطر
فاليوم لا يجدي العويل ولا البكاء ولا الضرر
ذق إنما كسبت يداك فلا مناص ولا مفر
عبرٌ يلوح بها الزمان وليس تجديك العبر
فأيها الأب، ستسأل عن ابنك وسوف يتعلق برقبتك فما أنت قائل؟!