التوحيد
الشرك ووسائله
داود بن أحمد العلواني
جدة
الأمير منصور
1-التوحيد فطرة الله التي خلق الإنسان عليها. 2- معنى التوحيد. 3- دعوة القرآن للتوحيد وللحذر من الشرك. 4- حماية الإسلام جناب التوحيد. 5- التحذير من الشرك وأسبابه ووسائله.
أما بعدُ: فيا أيها الناسُ، اتقوا اللهَ واعلموا أنَّ توحيدَ اللهِ والاعترافَ بربوبيتِه وإلهيتِه وحدَه فطرةٌ موجودةٌ في الكيانِ البشريِّ منذُ أنْ خلقَ اللهُ الإنسانَ، فأودعَه اللهُ هذه الفطرةَ، وشهدَ بذلك على نفسِه، فهو اللهُ وحدَه لا شريكَ له الذي أوجدَنا من العدمِ وأبرزَنا إلى حيزِ الوجودِ والمشاهدةِ، كما قالَ تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى? شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـ?ذَا غَـ?فِلِينَ [الأعراف:172] .
فالتوحيدُ ـ عبادَ اللهِ ـ ميثاقٌ معقودٌ بينَ الإنسانِ وخالقِه ومودعٌ في كيانِه منذُ أنْ أنشأَه اللهُ، فهو ميثاقٌ أقدمُ من الرسلِ والرسالاتِ، فلا سبيلَ إلى الاحتجاجِ بعدَ ميثاقِ الفطرةِ وخالقِها فيقول قائلٌ: إنما ضلَّ آبائي فضللْت فهم المسؤولون وحدَهم، ولكنَّ رحمةَ اللهِ وحكمتَه اقتضتْ أن لا يكلَ الناسَ إلى فطرتِهم فقد تنحرفُ، وأن لا يكلَهم كذلك إلى عقولِهم فقد تضلُّ، ولذلك أرسلَ إليهم الرسلَ بالآياتِ للتذكيرِ والتحذيرِ لمن ينحرفُ عن هذه الفطرة، قال تعالى: رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ?للَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ?لرُّسُلِ [النساء:165] .
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، والزموا التوحيدَ الخالصَ، وادعوا إليه، فالدعوةُ إليه هي وظيفةُ الرسلِ ومبدأُ دعوتِهم لأممِهم كما قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ ?لْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَ?لَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَـ?تِنَا يَمَسُّهُمُ ?لْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ [الأنعام:48، 49] .
والتوحيدُ ـ أيُّها الناسُ ـ هو معنى كلمةِ الإخلاصِ شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ، فإنَّ مدلولَها هو نفيُ الشرك في العبادةِ والبراءة منه وإخلاصُ العبادةِ للهِ وحدَه كما قال تعالى: فَ?عْبُدِ ?للَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ?لدّينِ أَلاَ لِلَّهِ ?لدّينُ ?لْخَالِصُ [الزمر:2، 3] .
والآياتُ في بيانِ توحيدِِ العبادةِ أكثرُ من أن تحصرَ، وهذا التوحيدُ هو الذي جحدَته الأممُ المكذبةُ للرسلِ، وجحدَه مشركو العربِ، ولما بعثَ اللهُ نبيَّنا محمدًا كانَ الناسُ منغمسين في الشركِ في شتى أنواعِه، فمنهم من يعبدُ الأصنامَ، ومنهم من يعبدُ المسيحَ ابنَ مريمَ، ومنهم من يعبدُ الأشجارَ، ومنهم من يعبدُ الأحجارَ، حتى كانَ الواحد إذا سافرَ ونزلَ أرضًا أخذَ منها أربعةَ أحجارٍ فيضعُ ثلاثةً تحتَ القدرِ وينصبُ الرابعَ إلهًا يعبدُه، مع أنهم كانوا يقرون بتوحيدِ الربوبيةِ حيثُ احتجَّ اللهُ عليهم بذلك فيما جحدوه من توحيدِ الألوهيةِ فقالَ تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ?لسَّمَاء وَ?لأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ?لسَّمْعَ و?لأبْصَـ?رَ وَمَن يُخْرِجُ ?لْحَىَّ مِنَ ?لْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ?لْمَيّتَ مِنَ ?لْحَىّ وَمَن يُدَبّرُ ?لاْمْرَ فَسَيَقُولُونَ ?للَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:31] .
فيا عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ تعالى، واعلموا أنَّ أكثرَ الناسِ في هذه الأزمنةِ وغيرِها واقعٌ فيهم الشركُ في توحيدِ الألوهيةِ بصورٍ شتى، فمنها الاعترافُ بشرعيةِ منهجٍ أو وضعِ حكمٍ من صنعِ غيرِ اللهِ من وضعِ البشرِ أو قوانينَ مستوردةٍ من الشرقِ أو الغربِ بعيدةٍ عن منهجِ اللهِ وحكمِه، وكلُّ مذهبٍ اقتصاديٍّ أو اجتماعيٍّ أو سياسيٍّ لا ينطلقُ من منهجِ التوحيدِ الذي سنَّه اللهُ لعبادِه فهو شركٌ، ولذا كانَ مبعثُ رسولِ اللهِ يهدفُ إلى تحقيقِ التوحيدِ كاملًا وإخلاصِه للهِ وحدَه لا شريكَ له وتخليصِه من كلِّ شائبةٍ، وسدِّ كلِّ طريقٍ يمكنُ أن يوصلَ إلى خدشِ التوحيدِ أو إضعافِه فقالَ: (( من حلفَ بغيرِ اللهِ فقدْ كفرَ أوْ أشركَ ) ) [1] ، وقالَ: (( لا تحلفوا بالطواغي [2] ولا بآبائِكم ) )، وفي روايةٍ: (( لا تحلفوا بآبائِكم ولا بالطواغيت ) ) [3] ، وعنْ عديِّ بنِ حاتمٍ رضيَ اللهُ عنْه قالَ: إِنَّ رجلًا خطبَ عندَ رسولِ الله فقالَ: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقالَ له رسولُ اللهِ: (( بئسَ الخطيبُ أنت، قلْ: ومن يعصِ اللهَ ورسولَه ) ) [4] .
وهكذا نجدُ ـ يا عبادَ اللهِ ـ كيفَ حمى رسولُ اللهِ جنابَ التوحيدِ عما يشويه منَ الأقوالِ والأفعالِ التي يضمحلُّ معها التوحيدُ أوْ ينقصُ لدرجةِ أنه عليه الصلاةُ والسلامُ قدْ وبخَ الخطيبَ لأنه جمعَ بينَ اللهِ ورسولِه بضميرٍ واحدٍ، مما يوهمُ التساوي في الرتبةِ، وأمرَه بالفصل بينهما بما يفيدُ الترتيبَ.
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، وسارعوا لاستدراكِ ما فاتَكم، وأقبلوا بقلوبِكم على تعلمِ وفهمِ والتزامِ ما بعثِ اللهُ به رسلَه من توحيدِ ربِّكم جل وعلا، وارغبوا إليه، واسألوه الثباتَ على ذلك، إنه نعمَ المولى ونعمَ المجيبُ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ?لْوَهَّابُ [آل عمران:8] .
بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه أحمد (2/125) ، والترمذي في الأيمان والنذور، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (1535) ، والحاكم (4/297) .
[2] الطواغي والطواغيت: هي الأوثان من الأصنام أو الشياطين أو الإنس، فكل رأس في ضلالة فهو طاغوت، والطواغي جمع طاغية.
[3] رواه مسلم في الأيمان، باب: من حلف باللات والعزى (1648) .
[4] رواه مسلم في الجمعة، باب: تخفيف الصلاة وبالخطبة (870) .
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذ?لِكَ ?لدّينُ ?لْقَيّمُ وَلَـ?كِنَّ أَكْثَرَ ?لنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:40] ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ سبحانَهُ وتعالى عما يشركون، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ بعثَهُ اللهُ بالدعوةِ إلى التوحيدِ والتحذيرِ منَ الشركِ، فجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ حتى بلَّغَ الرسالةَ وأدى الأمانةَ وأكملَ اللهُ بهِ الدين، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن سلكَ سبيلَهم إلى يومِ الدينِ، وسلمَ تسليمًا كثيرًا.
أما بعدُ: أيُّها الناسُ، اتقوا اللهَ تعالى، وافعلوا ما أمرَكم بِهِ، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، واعلموا أنَّ أعظمَ ما أمرَكم بِهِ هوَ التوحيدُ الذي أرسلَ بِهِ رسلَهُ وأنزلَ بِهِ كتبَهُ، والذي هوَ إخلاصُ العبادةِ للهِ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأنَّ أعظمَ ما نهاكم عنْهُ الشركُ، وهو جعلُ شيءٍ منَ العبادةِ لغيرِ اللهِ تعالى كالدعاءِ والذبحِ والنذرِ والخوفِ والرجاءِ والرغبةِ والرهبةِ والحلفِ، وغيرِ ذلكَ منْ أنواعِ العبادةِ التي تشملُ معظمَ حياةِ الإنسانِ عبوديةً ومسلكًا.
ومنْ أجلِ الخوفِ منَ الوقوعِ في الشركِ والحرصِ على التوحيدِ خالصًا نجدُ الخليفةَ الراشدَ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنْهُ نهى عن تتبعِ آثارِ النبيِّ ، فأمرَ بقطعِ الشجرةِ التي بويعَ تحتَها النبيُّ ، لأنَّ الناسَ كانوا يذهبون فيصلون تحتها.
وكذلكَ لما فتحَ المسلمونَ تسترَ وجدوا جثةَ دانيال النبيِّ، وكانَ الناسُ هناكَ إذا أقحطوا يستسقونَ بجسدِهِ، فكتبَ أبو موسى الأشعريُّ إلى عمرَ بذلك، فكتبَ إليه عمرُ أن كفِّنْهُ وادفنْهُ وعمِّ الناسَ عنْهُ حتى لا ينبشونَه، فسكَّرَ أبو موسى نهرًا حتى إذا انقطعَ دفنَهُ ثمَّ أجرى الماءَ عليه، وفي بعضِ الرواياتِ أنهم حفروا ثلاثةَ عشرَ قبرًا متفرقةً، فلما كانَ الليلُ دفنوهُ بواحدةٍ منها ثم سووُا القبورَ كلَّها لتعميتِهِ عنِ الناسِ حتى لا يفتتنَ بِهِ، وبذا يفوت عليهم معرفتُهُ.
وهكذا ـ يا عبادَ اللهِ ـ كانَ الخلفاءُ والسابقونَ منَ المهاجرينَ والأنصارِ والذينَ اتبعوهم بإحسانٍ يخافونَ على أنفسِهم وعلى الناسِ منَ الفتنةِ والوقوعِ في الشركِ، فأنكروا المجيءَ إلى القبورِ للدعاءِ أو التوسلِ بالأمواتِ، فإنَّ دعاءَ غيرِ اللهِ والتوسلَ بالأمواتِ شركٌ.
وللأسفِ الشديدِ، في هذهِ الأيامِ نشاهدُ كثرةَ شدِّ الرحالِ للقبورِ للدعاءِ عندَها والاستغاثةِ بها وتعظيمِ القبورِ والبناءِ عليها وتعهدِ زيارتِها بينَ الحينِ والحينِ، كما يفعلُ بقبرِ البدويِّ أوِ الستِّ زينبَ وغيرِ ذلكَ، نسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ منْ هذا الشركِ وما يقربُ منْهُ أو يوصلُ إليهِ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيم.
رزقني اللهُ وإياكمْ علمًا نافعًا وإيمانًا صادقًا، وأعاذني وإياكم منَ الضلالِ والانحرافِ، وصلى اللهُ على محمدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.