فهرس الكتاب

الصفحة 2540 من 5777

أمريكا وبداية النهاية

العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة

المسلمون في العالم, جرائم وحوادث

هيثم جواد الحداد

لندن

المنتدى الإسلامي

1-أهمية الموضوع ومناسبته لأحوال المسلمين اليوم. 2- معالم مهمة لفهم الواقع الذي نعيشه. 3- معالم طريق الهاوية والسقوط لأمريكا. 4- الكبر والفرق والعنجهية الأمريكية بعد أحداث سبتمبر. 5- أمريكا كسبت جولة ولم تكسب المعركة.

وبعد:

فحينما يدلهمُّ الظلال، ويحلولك سواد الليل، وتجف الحلوق، وينتشر الخوف، تتناثر الأنظار لتبحث عن بارقة ضوء، ووميض أمل، لعله يعيد الضياء، مقربًا بزوغ الفجر، وعسعسة الصباح.

عباد الله، هذه الخطبة تأتي في هذا الوقت، الذي اشتد سواد ليله، ليتلمس الناس معالم فجر صباح بداية النهاية لأمريكا الصليبية النصرانية.

عباد الله، الحديث عن بداية النهاية، عن هذه الدولة التي تمادت في الطغيان، يمكن من خلال ثلاثة محاور:

أولها: المحور الشرعي.

والمحور الثاني: فهو المتعلق بأحوالها الداخلية.

أما المحور الثالث: فهو محور هذه الأحداث والعدوان الواقع على أفغانستان والمسلمين، وهو المحور الذي سأقتصر عليه في هذه الخطبة بمشيئة الله تبارك وتعالى، وأرجو أن ييسر الله لي، أو لبعض الإخوة من الدعاة وطلبة العلم الحديث عن المحورين السابقين.

الصلب جاؤوا هادمين لديننا بدؤوا بشعب الله في الأفغان

مستضعفين أقلة لكنهم كثر بنور الحق والإيمان

وقفوا أمام الروس وقفة هادر لله در شوامخ الشجعان

أطفالهم وشيوخهم ونساؤهم حملوا اللواء بقوة الشبان

الحاقدون تجمعوا لقتالهم هيهات يهزم فتية الرحمن

أيها الإخوة، قبل الشروع في الحديث عن عوامل بداية النهاية لأمريكا، من خلال هذه الحرب، لا بد من بيان بعض الأمور الهامة التي تساعدنا كثيرًا في فهم ما يجري، بل إنه لا يمكن أن ندرك هذه الحقيقة أعني انطلاق بداية النهاية لهذه الدولة, إلا بفهم هذه المقدمات:

المقدمة الأولى: في سابق الزمن، كانت الحروب بين القوى حروبًا عسكرية بالدرجة الأولى، فالنصر يتحقق حينما تدحر جيوش دولة، دولة أخرى، أما الآن وبعد هذا التقدم التقني الهائل، والتداخل بين جوانب الحياة، لم يعد الصراع بين الأمم مقتصرًا على الصراع العسكري المسلح، بل انتقل العالم إلى ما يعرف بصراع الحضارات، حيث لا بد لأحد الطرفين من الانتصار على الآخر في عدة جوانب حتى يقال: إن النصر كان حليفه.

وعليه فإننا حينما نتحدث عن بداية النهاية لأمريكا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة هزيمتها العسكرية على المدى القريب، فالهزيمة العسكرية في إحدى المواجهات، لا يعني بالضرورة خسارة المعركة برُمتها، بل قد يكون ذلك مجرد حلقة واحدة من حلقات صراع طويل لا يمكن تحديد المنتصر فيه إلا بالنظر إلى جميع السلسة.

إذا تقرر هذا علم أن النصر الحقيقي والشامل لا يتحقق إلا بعمل دؤوب متزن متكامل طويل النفس، لا بمجرد أعمال عسكرية متناثرة لم تدرس نتائجها جيدًا.

الثانية: وهي أن الحالة التي وصلت إليها الأمة من الهزيمة المعنوية اشترك في صنعها جميع فعاليات الأمة، بدءًا من جيوشها العسكرية، ومرورًا بقادتها وحكامها، وانتهاء بأصغر أفراد الشعب، نعم كلٌ يختلف في القدر الذي يتحمله من هذه المسؤولية، فمسؤولية الحاكم ليست كمسؤولية المحكوم، ومسؤولية العالم ليست كمسؤولية العامي، لكن على كلٍ شيء من وزر هذه الهزائم إلا من قام بواجبه، وقليلٌ ما هم.

عباد الله، إن إيماننا بهذه الحقيقة يضعنا أمام حقيقة أخرى، إلا وهي أن الإصلاح مسؤولية الجميع، فكما أن الجميع اشترك في صنع الهزيمة، فلا بد أن يشترك الجميع في صنع النصر.

ثالثًا: هذا الذل الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام ليس وليد شهر أو شهرين، ولا سنة ولا سنتين، بل هو وليد عشرات السنين، رعت هذا الذل حتى أصبح إرثًا ثقيل الحمل، ورثناه ممن سبقنا، وسنورثه لمن بعدنا إن لم نقف أمامه وقفة شجاعة تنهي وجوده، وتوقف تداوله بين أجيال الأمة.

يا أمة طال الطريق بها وأصابها في نهجها خلل..!!

يا أمةً ترجو النجاح وفي أعضائها تتسابق العللُ..!!

ماذا أصاب العزمَ هل حفروا قبرًا له أم هدَّهُ شللُ..!!

رابعًا: إن سقوط أمريكا المعادية للمسلمين والمتسلطة على رقاب الغير، لن يكون إلا على يد المسلمين، فإن جميع الحضارات المعاصرة قد عجزت وستعجز عن مقاومة الهيمنة الأمريكية، ولن يقف في وجه الزحف الأمريكي إلا الحضارة الإسلامية، وقد صرح عدد من مفكريهم بهذا.

عباد الله، بعد فهم هذه الحقائق، يسهل علينا أن ندرك معالم بداية نهاية أمريكا كدولة صليبية نصرانية.

أيها الإخوة، إن الحديث عن بداية النهاية لراعية الصليبية في العالم ضروري جدًا في هذه المرحلة، حتى ندرك حجم الفرصة التي بين أيدينا، فنعمل كل ما في وسعنا حتى نستغلها، ونحسن التعامل مع الحدث، ونستثمره في صالح قضايانا العادلة، ولعل ذلك يكون أيضا حافزًا للعمل الجاد.

عباد الله، إنها والله مسؤولية، وكأني والله أرى أن الامتحان الأكبر في هذه الأزمة ليس من جهة الضربات العسكرية التي تواجهها الأمة، بل من جهة الخير الذي فتح على هذه الأمة بهذه الأزمة، والله عز وجل يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِ?لشَّرّ وَ?لْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] .

إن شحذ العزائم وبعث الأمل في النفوس وبيان مواطن القوة، وإظهار مواطن قوة الذات، وبيان مواطن ضعف العدو وخلل بنيانه، واجب، وضروري لرؤية ملامح ومعالم طريق النصر، وهو ما نريده في هذه الخطبة.

المعلم الأول: أيها الإخوة، إن استقراء التاريخ، يقطع بأن المسلمين الصادقين لا يمكن أن يهزموا في المواجهات العسكرية مع أي جهة من الجهات مهما بلغ عتادها وقوتها، ومهما بلغت قلة المسلمين، هذا على مستوى الحرب، نعم قد تنالهم هزيمة مرحلية، لكن النصر سيكون حليفًا لهم في نهاية الأمر.

كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ?للَّهِ وَ?للَّهُ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ [البقرة:249] .

وقال الرسول كما في حديث ابن عباس: (( خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة ) )رواه أبو داود والترمذي، وهو حديث صحيح [1] .

وعليه، فإن المسلمين الصادقين لم يخشوا يومًا ما نزال العدو، وكانوا يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله، وما من أمة سرى في جسد أبنائها حب الموت في سبيل مبادئها إلا كان النصر حليفها وإن طال بها الزمن.

والأمر بالضد كذلك، فما من أمة تركت التضحية بالنفس والمال والغالي والرخيص في سبيل مبادئها إلا كتب عليها الذل، وضرب عليها الهوان، ومصداق ذلك قول الرسول كما في حديث ابن عمر عند أبي داود: (( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) ) [2] .

وكما قال أبو بكر الصديق لسيف الله المسلول خالد بن الوليد في حروب الردة: (احرص على الموت توهب لك الحياة) .

وقد أجمع العقلاء من كل ملة ونحلة أن الحياة لا توهب بالحياة

درب المعالي شائك ومخضب راي الجهاد عظيمة الصفحات

أيها المؤمنون، بعد انتهاء ما يسمى بالحرب الباردة لم يبق أمام أمريكا إلا عدو واحد هو الإسلام، ولم يكن حصار أمريكا للعالم الإسلامي خارجيًا فقط، بل نجحت أمريكا في الإختراق الثقافي العقدي من داخل المسلمين، وكان هذا أخطر أسلحتها وأشدها فعالية وفتكًا.

وأمام هذا أُسقط في يد كثير من الدعاة، فلم يقتصر حصارهم ومنعهم من أداء مهمته على الأنظمة، بل شاركهم في هذا الحصار ثلل من عامة الناس والرعاع.

كان الدعاة يوصفون بضيق الأفق والانغلاقية ومحدودية التفكير، حينما يجأرون خوفًا من استعمار جديد يجتاح عقيدة الأمة، تارة تحت غطاء الاقتصاد، وتارة تحت غطاء الديموقراطية، وتارة بدون غطاء ولا ستر.

كان الدعاة يواجَهون بالسخرية والازدراء حينما يطالبون الأمة بتوحيد الصف، ونبذ الفرقة بشتى صنوفها.

كان الدعاة يلمزون بالإرهاب حينما يدعون الناس للعمل بما تمليه عليهم عقيدة الولاء والبراء، مثل التخلص من ولائهم للغرب النصراني.

كل هذا ولا مجيب ولا مستجيب إلا في دوائر ضيقة محدودة، وكأن الأمة دخلت في سبات عميق، الأمر الذي جعلنا نظن بأن طول العهد بالخنوع والجهل والانغماس في الشهوات يحتاج إلى نيران ملتهبة توقظ هذه الأمة، وتثير مشاعر الخوف من خطر الحريق الداهم، لتتحرك نحو إنقاذ نفسها، بل إنقاذ البشرية كلها.

وهنا تأتي مشيئة الله التي قضت بأن النصر والعاقبة ستكون للإسلام وأهله، فيقدر الله عز وجل بقدره وحكمته أن تهب رياح عاتية لتئز جوانب هذه الأمة، فتولد نيران الحمية للدين، والغضب لانتهاك حرمات الله، والثأر لعزة هذه الأمة المسلوبة.

حدث الغزو الروسي لأفغانستان، وارتكب الروس فظائع خارجة عن التصور، وخرج من رحم هذا الأتون المحرق تجديد لمصطلح الجهاد، وعادت بعض أدبياته للظهور بعد أن كادت أن تكون مجرد تراث أدبي.

ثم جاءت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأريقت الدماء على جوانب رحلة الصراع هذه، وأنجبت لنا هذه الملحمة فتى عنيدًا، اسمه حب المقاومة ورفض الخنوع.

ثم تلى ذلك أزمة الخليج والحرب بين العراق من جهة وحلفائها من جهة أخرى، وخسرت الأمة أنواعًا من المكاسب المادية، لكن الأزمة ساعدت في إحداث تصدع في نظرة المسلمين للغرب، وانبهارهم بعدالته ومثله المدعاة.

عباد الله، ثم يقدر الله بحكمته التي لا تقاربها حكمة، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، ورحمته بهذه الأمة التي لا تدانيها رحمة، فيريد تهيئة المسلمين لتداعيات هذا الحدث، فتكون الانتفاضة الفلسطينية الباسلة مرة ثانية، لتعلي صيحات الجهاد، ولتغرس معاني الولاء والبراء، ولتثبت حب المقاومة والاستعلاء على خور النفس، ولتزيد من التصدع في ولاء المسلمين للغرب الصليبي.

فمالكم؟ كلما يهوي لكم علم فلا يعود هوى في إثره علم

من قبل ضاعت فلسطين أندلس جرحان يزداد لذعا فيهما الألم

فهل يدوم لنا البيت الحرام إذا ظلت معاقلنا تغزى فننهزم

أحداث متوالية، لكن يبدو أن الأمة ما زالت بحاجة إلى حدث هائل ينفض ما تبقى من المعتقدات البالية الخاطئة، ويعمق الإيمان ببعض الحقائق السابقة.

أيها المؤمنون، ويقدر الله جل وعلا فتجري أحداث يوم الثلاثاء 23 جمادى الآخرة لعام 1422هـ الموافق 11 سبتمبر2001م، فيهتز العالم في حدث فظيع، لا يعادله في الفظاعة إلا الأحداث التي لحقته.

وهنا يشاء الله عز وجل أن تتصرف أمريكا بكل غباء ممزوج بغرور، ليفرز حمقًا لا يمكن أن يوجد في فرد فضلًا عن مجموعة، فضلًا عن دولة بهذا الحجم، إلا لحكمة بالغة أرادها الله جل وعلا.

عباد الله، إن تصرفات أمريكا، التي عقبت الحادث والمتمثلة في مسارعتها لاتهام المسلمين بهذا العمل، ثم دعوتها الصريحة إما معنا أو مع الإرهاب، ثم فلتات اللسان المتعددة التي جرت على لسان أكثر من مسؤول وجهة إعلامية، ثم حشد هذه الأرتال العسكرية الهائلة، كل ذلك بعث رسالة واضحة لجميع المسلمين في كل بقعة من بقاع الأرض أن المقصود بهذه الحرب هو الإسلام والمسلمون.

حاولت أمريكا بكل حيلة إعلامية وغير إعلامية، وكذا حاول حلفاؤها إقناع المسلمين بأن هذا ليس مقصودًا، ولكنها لم تفلح ولن تفلح بإذن الله تعالى.

عباد الله، وعلى إثر هذا تكرست لدى عموم المسلمين، إلا من طبع الله على قلوبهم، القناعة بعداوة أمريكا للمسلمين، ووجهها الصليبي القبيح، وهذا والله أكبر مكاسب هذه الأزمة، التي لم تضعها أمريكا ولا حلفاؤها في حسبانها.

إن أمريكا بهذا الاستعداء الفاضح للمسلمين دقت أول المسامير في نعشها، بل وزادته مسامير أُخر.

أما أولًا: فقد أوصدت في وجهها جُل أبواب الغزو الفكري المسلط على المسلمين، فلن يعد لها القدرة على الامتداد الثقافي الفكري التغريبي، كما كان لها في السابق، وهذا هو أول مكاسب المسلمين.

لقد قامت أمريكا نفسها بتحصين المسلمين ضد وبائها الفكري الثقافي، بصورة عجز عن القيام بها المسلمون والدعاة والمصلحون أنفسهم، وهذا من رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة.

فهذا هو أول معالم بداية النهاية للعدو، ألا وهو تحصين الجبهة الداخلية.

اللهم بارك لنا في القرآن، وامنحنا اليقين والإيمان، أقول قولي هذا...

[1] في صحيح الجامع.

[2] رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنه.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله، أما المعلَم الثاني من معالم بداية النهاية: فإن أمريكا بهذه الاستثارة المبالغ بها لمشاعر المسلمين كفتنا همّ تأجيج مشاعر المسلمين تجاه تحركاتها المشبوهة، ومواقفها الصليبية المتعصبة.

يوما ما كنا نقول للناس: إن هذه الدولة ترعى الصليبية بثوب جديد، فكان بعض أقوامنا يتهموننا بالعصبية والإفراط والتشدد، وأعيتنا حيل كثيرة عن إقناع شرائح عديدة من المسلمين بهذه القضية، أما اليوم وبهذه التصرفات الرعناء من هذه الحكومة فقد كفتنا المؤونة، وأدت أكثر مما كنا نطمح له، وهذا والحمد لله من أول بشائر بداية النهاية واتضاح معالم طريق النصر.

لقد اعترف المحللون البريطانيون والأمريكيون بأن أمريكا لم تنجح في المعركة الإعلامية ضد ابن لادن، على الأقل في ساحة العالم الإسلامي.

إن عجز أمريكا عن الانتصار الإعلامي ولو في الساحة الإسلامية، لا لأن أفغانستان تملك قنوات فضائية، ولا محطات تلفزة منتشرة في بقاع العالم، ولا لأنها تملك السيطرة على شبكة الانترنت، ولا لأنها وظفت عملاء خونة في الإجهزة الإعلامية في العالم الإسلامي، لا لذلك كله، بل لأن أفغانستان تملك شيئًا واحدًا، هو: الوحدة مع الأمة في أصل الإيمان بالله جل وعلا.

ذلك الإيمان الذي يدعو جميع المسلمين لنصرتها، والوقوف معها بكل ما يستطيعون، الإيمان بالله الذي يوجب على المسلمين موالاتها في هذه المحنة، والبراءة من عدوها، الإيمان بالله الذي تعيشه الأمة عملًا بقول الله جل: إِنَّمَا ?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ، الإيمان بالله الذي تطبق الأمة به قول رسول الله الذي رواه البخاري عن ابن عمر: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).

وطالما بقيت معالم هذا الإيمان راسخة في النفوس، فلن تربح أمريكا وحلفاؤها حربها الإعلامية ولا غير الإعلامية ضد المسلمين، وإن طال الزمان.

ولنمض للعلياء نحفل بالمنى والنصر آت لامحالة آت

ولتقر عين المؤمنين بحكمة وعد الإله بمحكم الآيات

عباد الله، لم نكن والله نظن أن أمريكا بهذه الدرجة من الحماقة في التفكير، لا سيما تجاه العالم الإسلامي.

هل كانت أمريكا تظن أن المسلمين بهذه الدرجة من السذاجة والبلاهة بحيث يسهل عليها خداعهم، فتشن هذه الحرب الشعواء الهوجاء عليهم ثم تقول لهم: لست استهدفكم ولا استهدف دينكم.

ألم تتعلم أمريكا من درس انتفاضة الأقصى، وما تبع ذلك من غليان الشعوب الإسلامية، أن مساس عقيدة الأمة، ورموزها الإسلامية خطوط حمراء، لا يمكن أن يتنازل المسلمون عنها، حتى وإن اختلفوا مع بعضهم في بعض التفصيلات تجاهها.

ألم تعلم أمريكا أن عقيدة الولاء والبراء التي حاولت هي وأذنابها طمس معالمها في أجيال هذه الأمة، مازالت حية، مشتعلة تحرق كل من اقترب إليها.

ألم تقرأ أمريكا وحلفاؤها شيئًا من الفتاوى التي صدرت في أرجاء كثيرة من بلاد المسلمين، بل من بعض البلاد التي توصف دائمًا بأنها حليف رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، ألم تقرأ أمريكا في فتاوى المسلمين عبارت تحذر الأمة بأن مظاهرة الكفار على المسلمين نقض لعقيدة التوحيد، يخرج المسلم من الملة.

هل كانت أمريكا تظن أن المسلمين سيتقبلون هذه الفتاوى، دون أن يتحرك لهم ساكن، ولو بالضغط على حكامهم، وفعل ما يستطيعون فعله.

ألا تتعظ أمريكا الآن، وهي ترى بعض دولها الصديقة قد بدأت بالتراجع ولو في الظاهر التفافًا على الجماهير الغاضبة، ورغبة في احتواء أثر تلك الفتاوى على الناس.

ألم تعلم أمريكا أن الفاسق من المسلمين حينما يهدد بالكفر المخرج من الملة، فإنه سيرتدع عن فعله، ويبدأ في إعادة حساباته.

أيها الإخوة، إن خفي على أمريكا كل هذا، وما أظنه خاف، فلم خفي على عملائها وما أكثرهم بين صفوفنا، أم أن أولئك العملاء سقموا من تسلطها واستذلالها لهم، فنجحوا في استدراجها لمستنقعات الهزيمة.

عباد الله، المعلَم الثالث من معالم بداية النهاية، فقدان الهيبة الأمريكية التي تكرست عند الدول والشعوب، حيث أصبحت أمريكا في أذهان كثير من الناس ماردًا عملاقًا جبارًا يسحق كل أحد قبل مجرد التفكير في إيذائه.

لا نريد أن نتحدث عن فقد أمريكا لهيبتها من خلال نفس الهجمات التي شنت عليها يوم الثلاثاء، فهذا أمر أصبح حقيقة، لا ينبغي أن تصرف الأوقات في إثباته، لكننا نريد أن نتحدث عن المواجهة القائمة الآن، بين أمريكا وأفغانستان.

أمة الإسلام، نحن نعلم أيها الإخوة أن أمريكا قد يكون لها مآرب أخرى غير ضرب ما تسميه بالإرهاب، فنحن نعلم أن لعابها يسيل ولم تستطع كبح جماح نزواتها الشيطانية تجاه نفط بحر قزوين والمناطق المحيطة به والذي يعتبر ثاني أو ثالث أكبر احتياطي نفط في العالم.

ونحن نعلم أن عنجهية أمريكا تأبى عليها إلا أن تخضع الصين وأي مارد آسيوي للركوع بين يديها.

وهناك كثير من الأهداف المعلنة والخفية التي أصبحت تتكشف أمام العالم يومًا بعد يوم.

لكن أمريكا أظهرت أن حربها إنما هي حرب ضد الإرهاب وأهله، وجمعت هذه الجيوش الجرارة، وهذا التحالف الرهيب، من أجل هذا الغرض، وظهرت المعركة أمام العالم كله كأنها بين أسد مفترس ضاري، وقط لا يوازي قبضة الأسد.

فبالله عليكم حينما يرى العالم كله أسدا يصارع قطًا، ألا يفقد الأسد هيبته بمجرد دخوله في صراع هذا القط، وقد قال شاعرنا من قبل:

ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

ثم ألم تضع أمريكا في حسبانها احتمالًا ولو ضئيلًا جدًا بخسارة المعركة، فكيف سيكون موقفها أمام العالم الذي جرته معها لهذه الهزيمة المريرة، إذا لم تحقق ما تفيهقت به.

حتى لو انتصرت أمريكا، فهل سيقبل العالم أدبًا يقال له: انتصر الأسد على القط؟

أيها الإخوة، إن أمريكا في جميع الأحوال هي الخاسر الأول، وهذا رأي كثير من المحللين حتى الغربيين منهم.

عباد الله، ورابع هذه المعالم التي نذكرها في هذه الخطبة: إزالة الغطاء عن بعض أسباب ضعف الأمة وذلتها.

أيها الإخوة، إن أمريكا والغرب الصليبي لم يكن قادرًا على الوصول إلى ما وصل إليه إلا من خلال مجموعة من الزعماء الذين سخرهم أداة لاستعباد شعوبهم وقهرها، حيث جعلهم أحذية يطؤها، ويطأ بها الأشواك التي يمكن أن تنخز جسده فتؤذيه، حتى إذا انتهت مهمة أحد هذه الأحذية، خلعها المستعمرون وألقوها في أقذر الأماكن، وأنتن المزابل، واستبدولها بحذاء آخر، حتى إذا كثرت الأشواك في الطريق واشتد عودها لم تعد تلك الأحذية البالية قادرة على حماية الجسد الأمريكي ومقاومة الوخز المستمر، فتمزقت شر ممزق، وتركت الجسد الأبيض مضرجًا بالدماء، حتى يأتي أمر الله بفنائه القريب.

إن كان رأس الكفر شعبي قد غزا من إخوة الإيمان في الأفغان

فالدور يأتي للعروبة بعدهم رغم الولاء، ليسلبوا قرآن

لقد أراد الله بهذه الأمة الخير حينما توالت الاختبارات والمحن عليها، لتفضح أولئك الذين يقفون عقبة كؤودًا في وجه الشعوب، ويحولون بينها وبين بذلها كل ما تستطيع من نفس ومال في سبيل قضاياها العادلة، ابتداء من قضية فلسطين، والانتفاضة، وانتهاء بهذه الأزمة التي تمر بها الأمة.

لقد استكملت هذه الأزمة ما كشفت عنه الانتفاضة الفلسطينية من المواقف الممعنة في الذلة والمهانة والولاء لأعداء دين الله، هذه المواقف المبغوضة من الله، والملعونة من عباد الله، تجاه هذا العدوان الفاضح على هذا الشعب المقهور لتجبر الأمة على إعادة النظر في تسليم زمام أمورها لهذه القيادات، ولتضعها أمام حقيقة كانت تستتر من قبل وراء غشاوت هافتة، وهي أن الأمة لا يمكن أن تعود إلى عزها وتتبوأ المكانة التي تصبو إليها إلا بالعمل الدؤوب على التخلص من العملاء، واستبدال أولئك الذين لا يعملون إلا من أجل شهواتهم الرخيصة، ونفوسهم الدنيئة، استبدالهم بالمخلصين الذين يحملون هم الأمة، ويعملون لمصالحها العليا.

قال الله جل وعلا: مَّا كَانَ ?للَّهُ لِيَذَرَ ?لْمُؤْمِنِينَ عَلَى? مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى? يَمِيزَ ?لْخَبِيثَ مِنَ ?لطَّيّبِ [آل عمران:179] ، وقال جل من قائل: وَكَذَلِكَ نفَصّلُ ?لاْيَـ?تِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ?لْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] ، واستبانة سبيل المجرمين من أول ما يبدأ به لنفض أثواب الهزيمة.

أما المعلَم الخامس من معالم بداية النهاية لأمريكا: فهو معلَم واضح بيِّن لا أشك في أن عقلاء أمريكا والعالم كله بدؤوا بإدراكه، لكني لست أدري لم لا تريد أمريكا الاعتراف به، أم لأن عقلاءها لم يخلصون النصح لها، أو لأن الغرور إذا مزج بالغباء ولد حمقًا يمنع من إدراك أتفه الأمور وأيسرها، وهذا هو ما أرجحه.

أتدرون ما هو هذا المعلَم يا عباد الله، هذا المعلَم كشف عنه، ودل عليه أمران، كل واحد كاف في إثباته، أما أول هذين الأمرين فهو ما يسمى بالجمرة الخبيثية، وأما الثاني فهو طريقة أمريكا في إدارة المعركة على أرض أفغانستان، أو لنقل في سماء أفغانستان.

أما الجمرة الخبيثة، فهي من جند الله الذي يسلطهم على من شاء، ولله جنود لا يعلمها إلا هو وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى? لِلْبَشَرِ ِ [المدثر:31] .

عباد الله، في أمريكا يعيش الآن الناس حالة من الفزع، أطارت النوم من أعينهم، ومنعتم من التلذذ بأنواع ملذاتهم التي انغمسوا فيها ولا يستطيعون لها فكاكًا، ولولا ضيق الوقت لذكرنا بعض الأمثلة التي ذكرها بعض القادمين من أمريكا وأشارت إليها النيويورك تايمز في عدد السبت الماضي (13 أكتوبر) .

أيها المسلمون، هل تظنون أن الأفراد أو المجتمعات يمكن أن تتهيأ للنصر وتعمل له بخطوات ثابتة صحيحة وهم محاصرون بأشباح الخوف، ومكبلون بأغلال الوهم.

إن الرعب والجبن جرثومة عنيفة تدمر بنيان الأمم وتزهق حضارتها، وقد ألمحنا في خطب سابقة عن تأثير ذلك في إحداث الهزيمة النفسية، ومن ثم الهزيمة الحضارية والعسكرية.

أما خوف أمريكا الواضح من خوض الحرب البرية مع علمها بتفوقها العسكري المادي على قوات أفغاننسان؟ فقد مرغت كرامتها في التراب، وكل يوم يمر، تفقد من هيبتها بمقدار ما يكتسب خصمها من شعبية ونفوذ.

أيها الإخوة، لا أظن أني أجانب الصواب حينما أقول: إن خصم أمريكا الذي قام بتفجيرات الثلاثاء، بصرف النظر عن شخصيته ودوافعه، نجح في استدراج الولايات المتحدة الأمريكية لمعركة شرسة ستكون ولا شك بداية النهاية لها، والله عز وجل يقول: وَسَيَعْلَمْ ?لَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227] .

أمة الإسلام، أعيد الكلام قائلًا: لماذا نتحدث عن بداية النهاية لأمريكا، إنه وكما قلنا لبث الأمل في النفوس حتى يحدوها إلى العمل، ويسوقها نحو الأمل، نحن نحتاج إلى هذه الحقائق وهذا الحديث حتى نطرد اليأس الذي يكبلنا عن العمل المثمر النافع، إن الله متم نوره ولو كره الكافرون، على يد من؟ على يد الثلة المخلصة التي تبذل كل ما في وسعها تضحية في سبيل دينها، حتى تنال العز في الدنيا، وجنات عرضها السموات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت