العلم والدعوة والجهاد
المسلمون في العالم
سعيد بن عبد الباري بن عوض
جدة
سعد بن أبي وقاص
1-تشريف الله للأمة الإسلامية. 2- الدور التاريخي العظيم للأمة المسلمة. 3- الإيمان والعمل
الصالح سببان للتمكين في الأرض. 5- المستغربون في أمة الإسلام.
وبعد:
لقد كتب الله عز وجل لهذه الأمة البقاء إلى أن تقوم الساعة، وأعني بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كيف لا يكون ذلك وهي أفضل الأمم على الإطلاق بلا منازع ولا منافس. وذلك بشهادة الله عز وجل لها من فوق سبع سماوات، قال جل شأنه: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] . إذًا فلقد اختار الله تعالى هذه الأمة لتكون لها القيادة والسيادة لهذه الدنيا. إنه عباد الله تكليف وتشريف. فهو تشريف من الله تعالى حيث اختار هذه الأمة من دون الأمم الأخرى لتقود العالم أجمع. وذلك لا شك لوجود مقومات ومؤهلات وجدت في هذه الأمة المرحومة أهلتها لذلك، والله جل شأنه اختارها لعلمه بذلك. فأي شرف بعد هذا؟ وأي عز بعد ذاك؟
وهو كذلك تكليف... لأنها مسؤولية عظيمة ومهمة جسيمة تحتاج إلى بذل وعطاء... وتضحية بسخاء.. لكي تؤدي هذه الأمة ما أسند إليها من تلك المهمة. فيا لعلو المكانة.. ويا لثقل الأمانة.
فهذا هو الشرف الذي حظيتم به أنتم أيها المؤمنون الموحدون من دون سائر الناس. وتلك هي المسؤولية التي ترتبت على ذلك التشريف. فيا ترى هل قامت هذه الأمة بما ترتب على هذا التشريف؟ أم أنها تخاذلت وقصرت في ذلك.
إن الجواب على هذا السؤال لا يكون بالكلمات فإن الكلمات لن تستوعبه. لكن ليرفع كل واحد منا رأسه وليخرق حجب التاريخ ثم لينظر ويتأمل فيما فعله آباؤنا وأجدادنا في سابق العصور وما قدموا لهذه الدنيا على مر الدهور. ولنقرأ التاريخ لكي ننبهر ونندهش مما قدم أولئك الأفذاذ لهذه الدنيا. نعم... لقد أخرجوا الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد. وهل بعد هذا الفضل من فضل؟ لقد نشروا دين الله فتحوا البلاد وقلوب العباد. أخضعوا الدنيا لحكم الله وأمر الله، قدموا دماءهم رخيصة في سبيل نشر دين الله في أنحاء المعمورة. وهل هو كذلك فقط؟ كلا.. فلقد نشروا العدل بين الناس قبل أن يدخلوا بلادهم. وليس ذلك فقط، بل لقد نشروا العلم وفاقوا الدنيا في علومهم حتى تعلمت كل الحضارات منهم وأصبحت تنهل من علومهم. وهكذا تقدمت تلك الأمة. أعني أمة ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ تقدمت على كل الأمم في كل مجالات الحياة. ولقد ضحوا في سبيل ذلك بكل شيء.. نعم بكل شيء. وهل وجدت أعظم من روح يجود بها صاحبها راضيًا مطمئنًا... بل فرحًا مسرورًا. يقول محمد إقبال الشاعر المسلم:
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم فخارا
كنا جبالًا في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنمًا وجوارا
ندعو جهارا لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدر الأقدارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها ذهبا وصاغ الحلي والدينارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها الأزهارا
هذا ـ عباد الله ـ هو وصف لتلك الأمة جادت به قريحة شاعر يعتز بأمته، وإننا جميعًا يجب علينا أن نعتز بهذه الأمة وأن نفرح بها.
إن وجود هذا الشعور واجب على كل مسلم وخاصة في مثل هذه الأيام التي أصيبت فيها الأمة بالضعف والخور.
إن الذين ينسبون هذا الضعف والخور إلى تمسك المسلمين بدينهم وعقيدتهم هم كفرة خونة أو أنهم جهلة يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون. إن الذي يتهم دين الله بأنه هو السبب في تخلف المسلمين قد وقع في الكفر، وهذا ما يريد أعداء الله أن يوحوا به إلينا. يريدون أن ينشروا بيننا أن تمسكنا بديننا سبب لتأخرنا وأننا لو تركنا هذا الدين أو حرفنا فيه ـ ونعوذ بالله من ذلك ـ فإننا سوف نتقدم ونلحق بركب الحضارة. لكن المسلم الحق المعتز بدينه يقول: إن كان ذلك هو ثمن الحضارة فلا مرحبًا بالحضارة.
والحقيقة عباد الله أن هذه مغالطة كبيرة. يظهر كذبها للمتأمل في تاريخ الأمة الإسلامية. ونحن المسلمين يمكن أن نحصل على الحضارة مع تمسكنا بديننا وعقيدتنا، لكن أعداء الإسلام يحاولون دائمًا التركيز على أن سبب التأخر هو التمسك بالدين وتعاليمه. وهذا كلام مرذول مردود بالكتاب والسنة يقول جل وعلا: وَعَدَ ?للَّهُ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ?لأرْضِ كَمَا ?سْتَخْلَفَ ?لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ?لَّذِى ?رْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذ?لِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ?لْفَـ?سِقُونَ [النور:55] .
فهذا كلام الله جل وعلا يبين أن الإيمان والعمل الصالح هما سبب التمكين في الأرض. وأولئك يقولون: إن سبب تأخر المسلمين هو تمسكهم بدينهم. ولا شك أن هذا القول مغالطة مكشوفة لكل من تأمل التاريخ، حيث إنه من خلال معرفة تاريخ المسلمين في الماضي والحاضر يرى المتأمل أن المسلمين كانوا أهل الحضارة وقادوا الدنيا في الأزمان السابقة. وتلك هي الأزمنة التي كان المسلمون فيها متمسكون بدينهم كأحسن ما يكون.
لكن عندما قصر المسلمون ـ إلا من رحم الله ـ في الالتزام بدين الله وشرعه حدث لهم ما حدث من التأخر عن الحضارات. وإنما يحاول أعداء الإسلام أن ينشروا ذلك المفهوم المغلوط بين المسلمين لكي يبعدوهم عن تمسكهم بدينهم لكي يتأخروا عن الناس ويظلوا أمة تابعة.
الحمد لله الذي لا تنفد مع كثرة الإنفاق خزائنه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يؤازره، ولا نظير له يعاونه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلى الناس كافة، فقد فاز متابعه ومعاونه، وخسر مضادّه ومباينه. صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه الذين جُمِعت لهم غرر الدين القويم ومحاسنه.
أما بعد:
فإن الله سبحانه ببالغ حكمته، وسابغ نعمته، شرف دين الإسلام وطهره من الأدناس، وجعل أهله خير أمة أخرجت للناس، فالإسلام الدين القويم الذي اصطفاه الله من الأديان لنفسه، وجعله دين أنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فارتضاه واختاره، وجعل خير عباده وخاصته هم أولياؤه وأنصاره، يحافظون على حدوده ويثابرون، ويدعون إليه ويذكرون، ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم بآيات ربهم يؤمنون، وإلى مرضاته يسارعون، ولمن خرج عن دينه يجاهدون، ولعباده بجهدهم ينصحون، وعلى طاعته يثابرون، وعلى صلواتهم يحافظون، وعلى ربهم يتوكلون، وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون.
فإذا علم ذلك يا عبد الله فليعلم أن هذا الكلام ليس المقصود منه التفاخر المجرد بما كان عليه الآباء والأجداد.
كلا... ولكن لكي يعرف المسلم حقيقة هذا الدين العظيم وتلك الأمة العظيمة.
إننا اليوم في هذه الأزمة التي تمر بها الأمة نشاهد من تنكر لدينه وأمته وولى وجهه قبل المشرق أو قبل المغرب وذلك بحثًا عن العز والمجد كما يظن، ولكن ليكن معلومًا لهؤلاء أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن أولئك المدبرين لا يعلمون. ينادون ويطالبون أن نتبع القوم في كل صغيرة وكبيرة وأعني بالقوم علوج الغرب. يطالبوننا بأن ننسى التراث ونتخذه ظهريًا. ويعنون بالتراث ديننا. دينهم الشك، وديدنهم التشكيك. قلوبهم مريضة، وعقولهم مستعبدة. قد أضلهم الله فطلبوا الهدى من غيره وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] . ينعون علينا تمسكنا بديننا، ويشنعون علينا أن خالفناهم في منهجهم. وليتهم بعد ذلك حققوا ما يأملون. فلا هم صاروا مثل القوم ولا بقوا مع المسلمين، وإنما غدوا بين الفئتين مذبذبين. فاللهم ثبتنا على الإسلام واحفظنا به قائمين وقاعدين وراقدين، يا أرحم الراحمين.
معاشر المؤمنين، وليكن معلومًا أيضًا أن هذا الكلام ليس للتسلية عما نحن فيه من المصائب، بل لدفع اليأس من النفوس والرد على أعداء الإسلام المشككين فيه والطاعنين في المتمسكين به. ولا يظنن ظان أن الله سيترك هذه الأمة لتهلك بيد أعدائه، كلا... فإن هذه الأمة تمرض، ولكنها لا تموت، وتغفو ولكنها لا تنام، إنها باختصار... وجدت لتبقى ولو كره الكافرون.
إن المتأمل لحال المسلمين اليوم يرى أن أمم الكفر قد تداعت علينا من كل حدب وصوب يقتلون ويدمرون ويحرقون ويغتصبون ويفعلون كل ما يستطيعون ليبيدوا أهل هذا الدين تمامًا كما وصف لنا رسولنا ، ففي سنن أبي داود من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) )فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت ) ).
ولكن مع هذا كله استمع إلى ما ورد في صحيح مسلم من حديث ثوبان قال: قال رسول الله: (( إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال: من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا ) ).
فيا أيها اليائس، استمع إلى هذا الحديث وغيره كثير يخبرنا فيه رسولنا أن هذه الأمة خلقت ليكون لها البقاء وتكون لها السيادة والريادة. ولكن علينا العمل والسعي لذلك. وأول ما نعمله هو التوبة النصوح والعودة إلى الله، وسيأتي النصر من عند الله، وعد الله، والله لا يخلف الميعاد.
اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين من يهود ونصارى ومن مجوس وحداثيين وعلمانيين. اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغادر منهم أحداُ.
عباد الله، إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] . فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.