فهرس الكتاب

الصفحة 2196 من 5777

بعض صفات المنافقين

الإيمان

نواقض الإيمان

عبد المجيد بن عبد العزيز الدهيشي

المجمعة

الجامع القديم

1-خطورة النفاق. 2- بعض أحوال المنافقين. 3- النفاق العملي وحكمه. 4- السلف يحذرون النفاق. 5- بعض صفات المنافقين وسماتهم.

أما بعد:

فاتقوا الله ربكم أيها المؤمنون، وأطيعوه تفلحوا، والجؤوا إليه تسعدوا، فما خاب من لجأ إلى القوي العزيز سبحانه.

أيها المسلمون، إن الله سبحانه قد أخبرنا أن الناس فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير، فهما فريقان لا ثالث لهما يوم القيامة، أما في الدنيا فإن هناك صنفًا ثالثًا له سماته وخصاله وتاريخه الحافل، وهذا الصنف أراد أن يقف في الوسط ويستمد من الفريقين ما يضمن له عيشًا رغيدًا وأمانًا من القتل والإبادة، ولكن الله تعالى جعله في الدرك الأسفل من النار عقابًا عظيمًا على معاص عظيمة.

ولخطورة هذا الصنف على المسلمين جاءت آيات القرآن منذرة ومحذرة وفاضحة لهذا الفريق من الناس، ففي مستهل القرآن الكريم وفي أول سورة البقرة يذكر القرآن المؤمنين في أربع آيات ثم يذكر الكافرين في آيتين ثم يتعرض لهذا الصنف الثالث في ثلاث عشرة آية، ولعظيم كيدهم ومكرهم وشدة أذاهم وأثرهم الكبير في زعزعة العقيدة والمسلمات الإيمانية قال الله تعالى عنهم مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم هُمُ ?لْعَدُوُّ فَ?حْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ ?للَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4] .

ويخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى خاطب هذا الجنس من البشر خطاب تهديد ووعيد قُلِ ?سْتَهْزِءواْ إِنَّ ?للَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِ?للَّهِ وَءايَـ?تِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـ?نِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة:65-67] .

وعن حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والمسلمين من بعده يقول القرآن عنهم إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50] ، فهم يفرحون إذا وقع بالمسلمين نازلة أو حلت بهم مصيبة، ويعجبهم كثيرًا أن يروا الكفار وقد أراقوا دماء المسلمين واجتاحوهم واحتلوا ديارهم وعاثوا في الأرض فسادًا، وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن المسلمون وامتثلوا أحكام الله وقوموا بما أوجب عليكم قالوا بلسان الحال أو المقال أو القلم: أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ?لسُّفَهَاء [البقرة:13] ، فمن هؤلاء يا ترى ؟ إنهم المنافقون لا كثرهم الله، فما هو النفاق يا عباد الله؟

إن النفاق هو مخالفة الباطن للظاهر، بأن يظهر صاحبُه الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار، وهو النفاق الاعتقادي.

وثمة نوع آخر من النفاق، وهو النفاق العملي، وأصوله مذكورةٌ في قوله صلى الله عليه وسلم: (( أربعٌ من كن فيه كان منافقًا، وإن كانت خصلةٌ منهن فيه كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر ) )أخرجه البخاري ومسلم.

وهذا النوع من النفاق لا ينقل صاحبه عن الإسلام ما دام أصل الإيمان في القلب، لكنه سمي نفاقًا لتلبس صاحبه ببعض أعمال المنافقين التي يخالف فيها الظاهر ما في الباطن كالكذب والخيانة والغدر وبغض الصالحين وغير ذلك.

ولا شك أن هذه ذنوب عظيمة وصاحبها على خطر شديد، وقد عرض نفسه لفتنة النفاق الأكبر، وهذا النوع من النفاق هو الذي خافه السلف وأشفقوا من فتنته واستعاذوا بالله منها، قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه:"باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر"وقال إبراهيم التيمي:"ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا"، وقال بن أبي مليكة:"أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه"، ويذكر عن الحسن: (ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق) .

ولقد بين الله تعالى أوصاف المنافقين في كتابه أكمل التبيين حتى يتعرف المؤمنون على أهل هذه الأوصاف فيحذروهم، فمما وصفهم الله تعالى به أنهم لم يرتضوا الإسلام دينًا ولم يعلنوا الكفر الصريح، فكانوا مذبذبين بين الكفار والمؤمنين، غير أنهم يبغضون المؤمنين ويتولون الكافرين، ويطلبون منهم المدد، ومنهم يستمدون عزتهم ومكانتهم، وإذا أصاب المسلمين خير شركوهم فيه، أما إن أصابهم ضر وذل تبرؤوا منهم وركنوا إلى الكفار وذكروهم بخدماتهم الجليلة التي قدموها للكفار في حرب المسلمين.

ومن صفاتهم أنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم ويتقاعسون عن تنفيذ ما يشق عليهم كشهود صلاة العشاء والفجر في المسجد، وإذا أرادوا شيئًا من العبادات فكأنما يستكرهون أنفسهم عليه، فيؤدونه بكسل وتثاقل، وأنهم يقولون مالا يفعلون، فيقولون ويكتبون الكلام المعسول والعبارات المنمقة بينما يضمرون الكيد والمكر، قلوبهم قاسية، وعقولهم قاصرة، وعند الملمات والأزمات ينكشف معدنهم الخبيث، وتفوح روائح الكفر المنتنة منهم، يخذلون المؤمنين عن الجهاد، وإن خرجوا معهم في الجهاد أحدثوا الخلل والاضطراب في صفوفهم، والمنافقون يلجئون في طلب النصر إلى الأعداء، يقول سبحانه في محكم كتابه ذاكرًا بعض أوصاف المنافقين ومتوعدًا لهم: بَشّرِ ?لْمُنَـ?فِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?لَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ?لْكَـ?فِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ?لْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ?لْعِزَّةَ فَإِنَّ ?لعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعًا وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ?لْكِتَـ?بِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَـ?تِ ?للَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى? يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ إِنَّ ?للَّهَ جَامِعُ ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?لْكَـ?فِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ?لَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ ?للَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـ?فِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ?لْمُؤْمِنِينَ فَ?للَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ وَلَن يَجْعَلَ ?للَّهُ لِلْكَـ?فِرِينَ عَلَى ?لْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ يُخَـ?دِعُونَ ?للَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى ?لصَّلَو?ةِ قَامُواْ كُسَالَى? يُرَاءونَ ?لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ?للَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذ?لِكَ لاَ إِلَى? هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ ?للَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ?لْكَـ?فِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ?لْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ فِى ?لدَّرْكِ ?لاْسْفَلِ مِنَ ?لنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ ?لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَ?عْتَصَمُواْ بِ?للَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ ?للَّهُ ?لْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:138-146] .

وللمنافقين تاريخ حافل في خذلان المسلمين في أشد الأزمات التي تحيط بالمسلمين، ها هم المنافقون وهم في معية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في معركة أحد وقبيل التقاء الصفين ينخذلون وينسحبون من ميدان المعركة وهم قرابة ثلث جيش المسلمين، وفي معركة الأحزاب وعندما أحاط الأعداء بالمدينة من كل جانب شرع المنافقون في مزاولة كيدهم وبث مكرهم فمن تخذيل وسخرية بالمؤمنين، كما قال سبحانه: وَإِذْ يَقُولُ ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ?للَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ ي?أَهْلَ.يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَ?رْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ?لنَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا [الأحزاب:12، 13] .

ولا تخلو حقبة من تاريخ الأمة الإسلامية من هذا الصنف الخطير الذي يفُتُّ في عضد الأمة ويقف في صف أعدائها عندما تدلهِمُّ الأمور ويسيطر الكافرون، والشواهد كثيرة، والله المستعان.

ومن مظاهر المنافقين وسماتهم ترك الاهتمام بأمر الدين وأهله وعدم الاهتمام بأحوال المسلمين وشؤونهم والانصراف إلى المصالح الدنيوية والانشغال بها، قال تعالى عمن حضر أحدًا من المؤمنين والمنافقين: ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ?لْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى? طَائِفَةً مّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِ?للَّهِ غَيْرَ ?لْحَقّ ظَنَّ ?لْجَـ?هِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ?لاْمْرِ مِن شَىْء قُلْ إِنَّ ?لاْمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ?لاْمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـ?هُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ?لَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ?لْقَتْلُ إِلَى? مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ?للَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ?لصُّدُورِ [آل عمران:254] ، فوصف طائفة المنافقين بأنهم مهتمون بأنفسهم ويخافون عليها الموت، ولا يهمهم ما وراء ذلك.

ومن صفاتهم وأعمالهم مساعدة الكافرين على المسلمين بالمال والقول والنصرة أَلَمْ تَرَ إِلَى ?لَّذِينَ نَـ?فَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ?لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ?لْكِتَـ?بِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَ?للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـ?ذِبُونَ [الحشر:11] ، ومن حكمة الله تعالى أن يصيب المسلمين شيء من المحن والمصائب ليتميز صف المسلمين عن صف الكافرين وإخوانهم المنافقين، كما وقع ذلك للمسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم في معركة أحد حين أصيب المسلمون، وقتل منهم من قتل، بعد أن انخذل المنافقون وانسحبوا من الميدان قبل نشوب المعركة، قال سبحانه: وَمَا أَصَـ?بَكُمْ يَوْمَ ?لْتَقَى ?لْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ?للَّهِ وَلِيَعْلَمَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ?لَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ أَوِ ?دْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَـ?كُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـ?نِ يَقُولُونَ بِأَفْو?هِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَ?للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران:166، 167] .

والإشارة هنا إلى موقف رأس النفاق عبد الله بن أُبَي بن سلول ومن معه من المنافقين، وقد كشفهم الله في هذه الموقعة، وميز الصف الإسلامي منهم. وقرر حقيقة موقفهم يومذاك: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـ?نِ يَقُولُونَ بِأَفْو?هِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ [آل عمران:167] ، فقد كان في قلوبهم النفاق الذي يجعل أشخاصهم واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها، ثم مضى سياق الآيات يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس: ?لَّذِينَ قَالُواْ لإِخْو?نِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168] ، فهم لم يكتفوا بالتخلف ـ والمعركة على الأبواب ـ وما يحدثه هذا التخلف من رجة وزلزلة في الصفوف والنفوس، بل راحوا يثيرون الزلزلة والحسرة في قلوب أهل الشهداء وأصحابهم بعد المعركة، وهم يقولون: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا فيجيبهم القرآن: قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [آل عمران:168] ، ثم بيَّن عاقبة الشهداء الذين أراقوا دماءهم وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وَلاَ تَحْسَبَنَّ ?لَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ?للَّهِ أَمْو?تًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] ، ويخبرنا القرآن أن المنافقين يسوؤهم أن يجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون خيرًا: إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة:50] ، وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة، وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ [التوبة:50] ، واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ، وتخلفنا عن الكفاح والغزو وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ [التوبة:50] ، أي بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء، ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور، ويحسبون البلاء شرًا في كل حال، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود. وقد خلت قلوبهم من التسليم للّه، والرضا بقدره، واعتقاد الخير فيه، فارتكسوا في حمأة النفاق والعياذ بالله.

اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والنفاق والشقاق، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.

أما بعد:

فإن للمنافقين صفات مغايرة لصفات المؤمنين، فحين يتآمر المسلمون بالمعروف ويتناهون عن المنكر فإن للمنافقين شأنًا آخر سجله القرآن: ?لْمُنَـ?فِقُونَ وَ?لْمُنَـ?فِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِ?لْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ?لْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ ?للَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ?لْمُنَـ?فِقِينَ هُمُ الْفَـ?سِقُونَ [التوبة:67] .

وإذا رأى المسلم من يفعل الخير غبطه وشكر صنيعه، أما المنافقون فإنهم إذا رأوا من يفعل الخير ويبذله لمزوه واستنقصوه ?لَّذِينَ يَلْمِزُونَ ?لْمُطَّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَـ?تِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ?للَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] ، والمسلم الحق يتمنى أن يجاهد في سبيل الله، ويفرح إن سمع براية جهاد ترفع، والمسلم يجاهد بنفسه وماله. أما المنافقون فيخبرنا القرآن أنهم لا يخرجون إلى الجهاد ولا يعدون له العدة وَلَوْ أَرَادُواْ ?لْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـ?كِن كَرِهَ ?للَّهُ ?نبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ?قْعُدُواْ مَعَ ?لْقَـ?عِدِينَ [التوبة:46] ، ثم بين سبحانه خطورتهم لو خرجوا مع المسلمين في القتال لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولاَوْضَعُواْ خِلَـ?لَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ?لْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـ?عُونَ لَهُمْ وَ?للَّهُ عَلِيمٌ بِ?لظَّـ?لِمِينَ [التوبة:47] ، أي لا يزال في صفوف المسلمين من يغتر بكلام المنافقين وأكاذيبهم لما يزوقون به أحاديثهم وكتاباتهم، ومهما استخفى المنافق وتنكر ولبس لباس المؤمنين وتظاهر بحبه وموالاته لهم فإن الله تعالى يفضحه بفلتات لسانه أو بخط بنانه أَمْ حَسِبَ ?لَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ?للَّهُ أَضْغَـ?نَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَـ?كَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـ?هُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ?لْقَوْلِ وَ?للَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـ?لَكُمْ [محمد:29، 30] ، وفي التحذير منهم يقول الله تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ?لْبَغْضَاء مِنْ أَفْو?هِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـ?تِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] ، وقد أُمِر المسلمون بجهاد المنافقين كما أُمِروا بجهاد الكافرين ي?أَيُّهَا ?لنَّبِىُّ جَـ?هِدِ ?لْكُفَّـ?رَ وَ?لْمُنَـ?فِقِينَ وَ?غْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ?لْمَصِيرُ [التوبة:73] .

وللنفاق في كل عصر ومصر لباسه وخلاله ومقاله، وللمنافقين في كل بلية أو مصيبة تنزل بالمسلمين مشاركة أو شماتة، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت