سيرة وتاريخ
القصص
عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس
مكة المكرمة
جامع الفرقان
القصص القرآني وما فيها من عبر - نوح عليه السلام وفضله , وقصته مع قومه وما فيها من
عبر: حجة قوم نوح في الإعراض عن دعوته: أنه بشر , وأن أتباعه هم الأراذل والضعفاء
وأنه لا فضل له عليهم - في نظرهم - جواب نوح على شبههم ودحضها
أما بعد:
فيا عباد الله القصص في القرآن كثير وأشرفها قصص الأنبياء وفي جميعها عبرة لمن اعتبر, وإن من أولي العزم من الرسل أبو البشر الثاني الذي أفنى الله جميع البشر فلم يبق إلا ذريته كما قال جل شأنه وجعلنا ذريته هم الباقين أي لا غيرهم , وما من نبي بعده إلا وهو من ذريته إلى إبراهيم الخليل عليهم جميعًا وعلى نبينا الصلاة والسلام , ثم ما من نبي بعد إبراهيم إلا وهو من ذريته كما قال سبحانه ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب , ذكر الله قصة نوح في كتابه في مواضع كثيرة إشادة به وثناء عليه وإن لنا فيها يا عباد الله لعبرة , فمنها صبره الطويل على دعوة قومه ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا , قضى كل هذه المدة كلها داعيًا مجاهدًا صابرًا محتسبًا مبشرًا ونذيرًا قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ولكن الملأ وهم السادة والكبراء كما يقول ابن كثير رحمة الله عليه تصدوا لدعوته يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون , فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرًا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين , فهذه ثلاث حجج ودلائل تنصلوا بها وتبينوا بها كذب نوح عليه السلام في زعمهم الباطل, أول حججهم الداحضة وأدلتهم الخاسرة على كذب نوح في نظرهم أنه بشر وكان الواجب على الله في زعمهم الباطل أن يبعث ملكًا لا بشرًا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولًا والله عز وجل أعلم حيث يجعل رسالته, وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر أي لأخذناهم بالعذاب لأن الملك إذا نزل نزل به ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا وللبسنا عليهم ما يلبسون , أي بقى اللبس قائمًا عندهم لأنهم يرونه رجلًا ولا يرونه ملكًا في صورته , وقد قال الله جل وعلا الله أعلم حيث يجعل رسالته , أما حجتهم الثانية أن أتباعه عليه الصلاة والسلام هم الأراذل وليسوا الرؤساء والشرفاء, ثم هؤلاء الذين اتبعوه من الأراذل لم يكن اتباعهم له عن تروي ولا فكر بل بمجرد ما دعاهم أجابوه وذلك دليل على سفههم في نظرهم وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي أي اتبعوك لأول وهلة ولم يتدبروا الأمر, أما حجتهم الثالثة فهو قولهم واستدلالهم على تكذيب نوح بقولهم وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين أي ما رأينا لك يا نوح أنت ولا اتباعك علينا فضيلة في خلق وخُلق ولا رزق ولا مال ولا حال بل أنتم أقل منا في كل ذلك, وهكذا عادة أعداء الرسل يستدلون بأحقية ما هم عليه بالكثرة في المال والأولاد وغيرهما من مظاهر الحياة الدنيا كما قال جل وعز عن اتباعهم من المشركين وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون. وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه أي لو كان في اتباع الرسل خير ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء وهذا هو استدلال المفسدين في الأرض في كل زمان ومكان, كما قال شيخهم فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلي وسلم عليه وعلى آله أجمعين.
أما بعد: فيا عباد الله تلكم هي حجة المفسدين في الأرض على عهد نوح عليه الصلاة والسلام, فماذا كان جواب أبي البشر وأبي الأنبياء الثاني عليه الصلاة والسلام: قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون , هذا هو رده على حجتهم الأولى قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي فهم يطلبون أن يرسل إليهم من الله ملكًا وهو يقول وما يضيركم أن يكون بشرًا إذا كان هذا البشر قد جاءكم بالحق الواضح, إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده والرحمة هي النبوة التي فيها رحمة له ولهم , كما قال جل وعلا في سورة أخرى أهم يقسمون رحمة ربك أي النبوة وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم فعميت أي طمست عليكم فلم تستطيعوا رؤية الحق رغم جلائه أنلزمكموها وأنتم لها كارهون والجواب لا نستطيع إلزامكم بها فلسنا عليكم بمصيطرين كما قال جل وعلا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين , وقال سبحانه: لست عليهم بمصيطر ، ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء ، إنك لا تهدى من أحببت , فما وظيفة الأنبياء وأتباعهم إلا البلاغ والإرشاد والنصح.
أما شبهتهم الثانية فقد رد عليها بقوله عليه الصلاة والسلام: ويا قوم لا أسألكم عليه مالًا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قومًا تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون هذا جوابه على كون اتباعه أراذل , فبدأ بقوله لا أسألكم عليه مالًا وهكذا جميع الأنبياء لا يسألون أتباعهم مالًا كما قال الله جل وعلا مخاطبًا نبيه أم تسألهم خرجًا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين , فليس الأنبياء ولا أتباعهم المخلصين يسألون أتباعهم مالًا على هدايتهم وبيانهم وإرشادهم كلا إنما يفعلون ذلك ابتغاء وجه الله. ثم قال وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم هؤلاء المؤمنون الذين تطالبونني بطردهم وإبعادهم لن أطردهم لأنهم آمنوا فهم الأشراف وإن ازدريتموهم , وأنتم الأراذل ولو كنتم عند أنفسكم أشرافًا, وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قومًا تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون أي إن طردتهم على الرغم من إيمانهم , يقول الله جل وعلا ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا , يقول الله جل وعلا ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين , ويقول سبحانه واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا , ويقول جل شأنه كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ْ.
أما شبهتهم الثالثة فقد أجاب عليها نوح بقوله ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذًا لمن الظالمين هذه هي سيرة الأنبياء وهكذا كان الأولياء والصالحون من أتباع الأنبياء عليهم جميعًا الصلاة والسلام, فلنقتدِ بهم ولنسلك سبيلهم ولندرس سيرهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
ثم اعلموا يا عباد الله أن الله عز وجل أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى فيه بملائكته المسبحة بقدسه وثلث بكم أيها المؤمنون فقال عز وجل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا.