فهرس الكتاب

الصفحة 3194 من 5777

روائع من سيرة عمر الفاروق رضي الله عنه

سيرة وتاريخ

تراجم

عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي

عنيزة

جامع السلام

1-اختيار الله تعالى لصحابة النبي. 2- ضرورة الحديث عن سيرة الصحابة. 3- أفضل الصحابة. 4- إسلام عمر رضي الله عنه. 5- فضائل عمر رضي الله عنه. 6- إنجازات عمر رضي الله عنه. 7- استخلاف عمر رضي الله عنه. 8- خلافة عمر الفاروق. 9- مواقف عمر في عام الرمادة. 10- عمر مع ولاته وعماله. 11- عدل عمر رضي الله عنه.

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعرفوا حكمته البالغة في شرعه وخلقة وتقديره، فإنه سبحانه اختار نبيَّه محمدًا للرسالة إلى الخلق بهذا الدين الكامل لينشره بين العالمين، واختارَ له من الأصحاب أفضل الناس بعد النبيين، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقومها عملًا، وأقلها تكلفًا، جاهدوا في الله حق جهاده في حياة نبيهم وبعد وفاته، نصر الله بهم الدين ونصرهم به، أظهرهم على كل الأديان وأهلها. ولذلك فإن الحديث في سيرة صحابة رسول الله وما سطروه من عظمة واجب في هذا العصر الذي نعيش فيه اضطراب الموازين ومولاة الكفار والوقوع في الصحابة الأبرار من قبل أهل البدع والرفض والفجار. ذكرهم واجب لردع أهل الهوى من الزنادقة وأهل الكفر والابتداع الذين انتقصوا وسبّوا أخيَر جيل وجِد على الأرض، لا لشيء إلا لأنهم حملة الإسلام ورواة الحديث التي تهدم بدعهم وتظهر ضلالاتهم، فرضي الله عن صحابة رسول الله وأرضاهم، وسلط العذاب على من أبغضهم وعاداهم.

أيها الإخوة المؤمنون، كان منهم الخلفاء الراشدون الأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، فكانت خلافتهم أفضل خلافه في مستقبل الزمان وماضيه، تشهد بذلك أفعالهم وتنطق به آثارهم. أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان وأبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب وأبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان وأبو الحسن ابن عم النبي علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وكان أفضلهم خليفة رسول الله ورفيقه في الغار الذي ثبّت الله به المسلمين يوم وفاة رسول الله ونصر الله به الإسلام حين ارتدّ من ارتدّ من العرب بعد موت النبي ، وكان من بركاته على هذه الأمة ونصحه لها ووفور عقله وصدق فراسته أن استخلف على هذه الأمة بعده وزيره وقرينه عمر بن الخطاب الذي قال فيه النبي: (( لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم ناس محدَّثون يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ) )، وسأل عمرو بن العاص رسول الله عن أحب الرجال إليه فقال: (( أبو بكر ) )، قال: ثم من؟ قال: (( ثم عمر بن الخطاب ) )وعدَّ رجالًا. وأخبر النبي أنه كان ينزع من بئر فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين ـ يعني دلوًا أو دلوين ـ، ثم قال: (( أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن ) ). ولقد صدق رسول الله الرؤيا فتولى الخلافة عمر. إنها سيرة عمر رضي الله عنه التي يغني عن التعليق عليها سردُها كما هي، ففيها العبرة لكل زمان ومكان لمن أراد الاستفادة منها حين سماعها وقراءتها، وجمعُ فضائله وحصرُ قصصه صعب، لكنها غيض من فيض نورده لعلنا نعتبر بما نسمع.

ما كان إلا الشمس يسطع ضوؤها والخصب في أرض الضلال لماحل

قف أيها التاريخ سجّل صفحةً غراء تنطق بالخلود الكامل

حرك بسيرته القلوب وقد قست وغدت بقسوتها كصم جنادل

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال رسول الله: (( أبو بكر وعمر من هذا الدين كمنزلة السمع والبصر من الرأس ) )رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقال رسول الله: (( اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر ) )رواه أصحاب السنن وصححه الألباني.

إنه عمر بن الخطاب الذي كان النبي يدعو أن يعز الله به الإسلام، فاستجاب الله دعاءه. وفي قصة إسلامه أنه سمع النبي يقرأ سورة الحاقة وهو قائم يصلي عند الكعبة فقال في نفسه: هذا شاعر، فسمع قوله تعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:41-43] ، فشرح الله صدره للإسلام. يروى أيضًا أنه دخل على أخته فاطمة وزوجها وعندهما خباب من الأرت يعلمهم القرآن، فاستمع إلى الآيات من سورة طه، فلما أسلم ضرب النبي صدره ثلاثًا وهو يقول: (( اللهم أخرج ما في صدره من غلّ وأبدله إيمانًا ) ).

كان إسلامه رضي الله عنه عزة للإسلام، قال ابن مسعود: (ما زلنا أعزة منذ إسلام عمر) رواه البخاري، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (كان إسلامه فتحًا، وهجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر) رواه ابن هشام وابن سعد.

سماه النبي الفاروق، وهو الذي يفرق بين الحق والباطل.

كان رضي الله عنه شديد الخوف من الله تعالى حتى حفرت الدموع خطين أسودين في وجهه من كثرة البكاء، ومن خاف الله تعالى أخاف الله منه كلّ شيء، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي قال لعمر: (( والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجا إلا سلك فجًا غيره ) )رواه البخاري ومسلم، وعن بريده رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( إن الشيطان ليفر منك يا عمر ) )رواه الترمذي وصححه الألباني.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره جرا ) )، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: (( الدين ) )رواه البخاري. هذا دين عمر، دين يغطيه، دين يستره، فلا يظهر منه إلا كل جميل.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (( بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، وأعطي فضلي عمر بن الخطاب ) )، قالوا: فما أولته يا رسو الله؟ قال: (( العلم ) )رواه البخاري. رجل جمع الله له الدين والعلم، فأي رجل يكون؟!

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله إذ قال: (( بينا أنا نائم رأتني في الجنة فإذا أمرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فوليت مدبرًا ) )، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا سول الله؟! رواه البخاري.

أيها المسلمون، بماذا وبماذا نتحدث عن سيرة عمر؟! أنتحدث عن دينه وعلمه، أو نتحدث عن زهده وورعه وتقواه، أو عن حكمه وسياسته وعدله، أو عن شجاعته وقوته وجهاده؟! حقًا إنك لتحتار وأنت تتحدث عن عمر.

إن جاع في شدة قوم شركتهم في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها

جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة سبحان موليها

فمن يباري أبا حفص وسيرته أو من يحاول للفاروق تشبيهًا

قال ابن سعد في طبقاته: إن أول من سمي بأمير المؤمنين هو عمر بن الخطاب، وإنه هو أول من كتب التاريخ، كتبه من هجرة النبي من مكة إلى المدينة، وهو أول من جمع القرآن في المصحف، وهو أول من جمع الناس على قيام شهر رمضان وكتب به إلى البلدان، وجعل بالمدينة قارئين: قارئًا يصلي بالرجال، وقارئًا يصلي بالنساء، وهو أول من ضرب في الخمر ثمانين، وهو أول من عس في عمله بالمدينة، حمل الدرّة وأدّب بها حتى قيل بعده: لَدرةُ عمر أهيب من سيفكم.

وهو أول من فتح الفتوح؛ فتح العراق كله وأذربجان وفارس والشام ومصر، وقتل رضي الله عنه وخيله على الري قد فتحوا عامتها.

وهو أول من وضع الخراج على الأرض والجزية على جماجم أهل الذمة، وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة والبصرة والموصل، وأنزلها العرب، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار.

وأول من دون الدواوين، وكتب للناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطيات من الفيء.

وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز، وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشام، وحضر فتح بيت المقدس، ووسع مسجد رسول الله وفرشه بالحصى. هذه بعض منجزات عمر، فتعالوا لنقف مع معالم من سيرته وإن أطلنا الوقوف.

أيها الإخوة المؤمنون، لما دنا أجل الصديق رضي الله عنه كتب كتابًا في توليه العهد لعمر: (بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر إلى عمر بن الخطاب، وأنا في أول أيام الآخرة وآخر أيام الدنيا، أما بعد: فيا عمر بن الخطاب، قد وليتك أمر أمة محمد ، فإن أصلحتَ وعدلت فهذا ظني فيك، وإن اتبعت هواك فالله المطلع على السرائر، تعلم ـ يا عمر ـ أن لله حقًا في الليل لا يقبله في النهار، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة... ـ حتى قال له في آخر هذه الوصية: ـ فإن حفظت قولي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه، وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجِزه. يا عمر، اتق الله، لا يصرعك الله مصرعًا كمصرعي، والسلام) .

تولى عمر الخلافة واستلم الحكم في اليوم الذي توفي فيه الصديق، وبحث عن ميراث أبي بكر فإذا هو ثوبان وبغلة، فبكى وقال: (لقد أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر) .

تولى الخلافة عمر بن الخطاب بعد أبي بكر رضي الله عنهما وقوي سلطان الإسلام، وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها حتى قيل: إن الفتوحات قد بلغت في عهده ألفًا وستًا وثلاثين مدينة مع سوادها، بنى فيها أربعة آلاف مسجد، وكان رضي الله عنه مع سعة خلافته مهتمًا برعيته قائمًا فيهم خير قيام. قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: إن الله عز وجل أعز به الإسلام، وأذل به الشر وأهله، أقام شعائر الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام، مطيعًا في ذلك الله ورسوله، واقفًا عند كتاب الله، متمثلًا لسنة رسول الله ، محتذيًا حذو صاحبيه، مشاورًا في أموره السابقين الأولين مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم ممن له علم أو رأي أو نصيحة للإسلام وأهله، حتى إن العمدة في الشروط على أهل الذمة من أنصاري وغيرهم ما ألزموا به أنفسهم من إكرام المسلمين والتميز عليهم في اللباس والأسامي وغيرها، وأن لا يظهروا الصليب على كنائسهم، ولا في شيء من طرق المسلمين، وأن لا ينشروا كتبهم أو يظهروها في أسواق المسلمين، ولقد كان رضي الله عنه يمنع من استعمال الكفار في أمور الأمة أو إعزازهم بعد أن أذلهم الله، قال أبو موسى الشعري: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبًا نصرانيًا، فقال: أما سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ؟! ألا اتخذت حنيفًا ـ يعني مسلمًا ـ؟! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله. وكتب إليه خالد بن الوليد يقول: إن بالشام كاتبًا نصرانيًا لا يقوّم خراج الشام إلا به، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب خالد إلى عمر: إنه لا غنى بنا عنه، فرد عليه: لا تستعمله، فكتب خالد: إذا لم نستعمله ضاع المال، فكتب إليه عمر: مات النصراني والسلام.

ولقد كانت السياسة الحكيمة لعمر في منع تولي غير المسلمين لأمور المسلمين وإن كانت شيئًا بسيطًا، كانت هذه السياسة مستوحاة من سياسة النبي حيث لحقه مشرك ليقاتل معه فقال النبي: (( إني لا أستعين بمشرك ) )، وهو مبدأ شرعي عظيم فيه تحقيق الولاء للمسلمين والبراءة من الكافرين ورسالة إلى أصحاب العمل والعمال الذين يستقدمون الكفار للأعمال ويقدمونهم على إخوانهم المسلمين.

ولما تول عمر رضي الله عنه صعد المنبر وألقى خطبته العظيمة، بين فيها سياسته وأوضح فيها واجباته تجاه الأمة، وسار الناس سيرة عمرية ما سمع الناس بمثلها. كان عمر يأخذ الدنيا في يوم، ويسلمها للفقراء في يوم. تأتيه القوافل محملة بالغنائم والفيء والذهب والفضة على الجمال، وتدخل المدينة، وخليفة المسلمين يصلي بالناس في بردته وبها أربع عشرة رقعة تختلف بعضها عن بعض.

قلب إمبراطورية هرقل وكسرى، وجعل عاليها أسفلها، وغنم أموالها، ولا يجد خبز الشعير ليأكله. يقبل الليل وتهدأ العيون وينام الناس فيأخذ عمر درته ويجوب بها سكك المدينة علّه يجد ضعيفا يساعده أو فقيرا يعطيه أو مجرمًا يؤدبه.

خرج مرةً في سواد الليل فرآه طلحة رضي الله عنه فذهب عمر فدخل بيتًا، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت، وإذا بعجوز عمياء قاعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتّبع؟! هذا وعمر خليفة المسلمين.

وقدم الأحنف بن قيس مع وفد العراق وفي يوم صائف شديد الحر على عمر، وكان عمر محتجرًا بعباءة ويهنأ بعيرًا ـ أي: يطليه بالقطران ـ من الجرب الذي أصابه من إبل الصدقة، فقال: يا أحنف، ضع ثيابك وهلمّ فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير فإنه من إبل الصدقة فيه حقّ اليتيم والأرملة والمسكين، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، فهلا تأمر عبدا من عبيد الصدقة فيكفك؟! فقال عمر: وأي عبد هو أعبد مني ومن الأحنف؟! إنه من ولي أمر المسلمين يجب عليه لهم ما يجب على العبد لسيده في النصيحة وأداء الأمانة.

وكان راتب عمر من بيت مال المسلمين مقابل أن يتولى الخلافة درهمين كلّ يوم له ولعياله، وربما احتاج أحيانًا لمزيد، فيأتي صاحب بيت المال فيسقرضه، وربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيأتيه به عمر، وربما أخرج عطاءه فقضاه.

أخرج ابن سعد عن البراء بن معرور أن عمر مرض مرة فنعِت له العسل، وكان في بيت المال عكّة فيها شيء من العسل، فخرج يومًا حتى جاء المنبر وقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي علىّ حرام، فأذنوا له.

وتستمر مسيرة عمر ويدخل عام الرمادة سنة ثماني عشرة للهجرة، فيقضي على الأخضر واليابس، ويموت الناس جوعًا، حلف عمر أن لا يأكل سمنًا حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وضرب لنفسه خيمة مع المسلمين حتى يباشر بنفسه توزيع الطعام على الناس. عن طاووس عن أبيه قال: أجدب الناس على عهد عمر، فما أكل سمنًا ولا دسمًا حتى أكل الناس، قال أسلم: كنا نقول: لو لم يرفع الله سبحانه وتعالى الضائقة عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين.

عن يحيى بن سعد قال: اشترت امرأة لعمر فرقًا من سمن فقال عمر: ما هذا؟ قالت: هو من مالي وليس من نفقتك، فقال عمر رضي الله عنه: ما أنا بذائقه حتى يحيى الناس.

ووقف على المنبر يوم الجمعة يخطب الناس ببرده المرقع، ووالله لو أراد أن يبني بيته بالذهب لاستطاع، ولو أراد أن يمشي من بيته إلى المسجد على الحرير لاستطاع، لكنه يقف على المنبر أثناء الخطبة فيقرقر بطنه من الجوع، فيقول لبطنه: قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين.

أما حاله مع ولاته فقد ورد في السير أن رجلًا من مصر جاء إلى عمر شاكيًا محمدَ بن عمرو بن العاص حيث اشترك معه في سباق، فلما سبقه بدأ يضربه ابن عمرو بن العاص ويقول: خذها وأنا ابن أكبرين، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن استدعى عمرا وابنه محمدا وقال للرجل: خذ الدرّة فاضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى قال: خذ الدرة واضرب بها عمرًا، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، قد استوفيت حقي وضربت من ضربني، فقال عمر: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه، ثم التفت إلى عمرو وقال له: يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! مؤكدًا رضي الله عنه على إعطاء الناس حقوقهم وإقامة حدود الله فيهم.

ويكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة عند الله من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فترتع عمالك، فيكون مثلك عند ذلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبغي بذلك السمن وإنما حتفها في سمنها.

وكتب مرة إلى عتبة بن فرقد وكان قد ولاه على أذربجان، فقال له: إنه ليس من كدّ أبيك ولا من كدّ أمك، أي: إنّ هذا الذي تأخذه من بيت مال المسلمين ليس من كدّ أبيك ولا من كدّ أمك ثم قال له: فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياك والتنعم وزي أهل الشرك ولباس الحرير.

وكان إذا أصدر تعليمات بالمنع من شيء أو نهى عن شيء جمع أهله وأقاربه وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإنهم لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، ولا أجد أحدًا منكم فعل ما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة.

يخرج رضي الله عنه ذات مرة إلى السوق فيرى إبلًا سمنًا تميزت عن الإبل، فيسأل: إبل من هذه؟ فيقولون: إبل عبد الله بن عمر، فغضب ويرسل في طلبه، ويسأل عن الإبل فيقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنها إبل هزيلة اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى الحِمى لأرعاها، فقال له عمر: ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل أمير المؤمنين واسقوها، وهكذا تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله خذ رأس مالك الذي دفعته في هذه الإبل، واجعل الربحَ في بيت مال المسلمين.

هذا هو عدل عمر، فالقرابة عنده لا تعني المحاباة وإلغاء القوانين وأكل أموال الناس، بل القرابة عند أمير المؤمنين الفاروق من المتابعة والمسؤولية والبعد عن كل شبهه ومطالبة ذويه بأن يكونوا على قدر من المسؤولية ويكونوا عونًا على الواجب.

وفي يوم من الأيام يأتي الهرمزان مستشار كسرى لابسًا تاجًا من ذهب وزبرجد وعليه الحرير، يدخل المدينة فيقول: أين قصر الخليفة؟ قالوا: ليس له قصر، قال: أين بيته؟ فذهبوا فأروه بيتًا من طين وقالوا له: هذا بيت الخليفة، قال: أين حارسه؟ قالوا: ليس له حارس.

وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان

طرق هرمزان الباب فخرج ولده، قال له: أين الخليفة؟ فقال: التمسوه في المسجد أو في ضاحية من ضواحي المدينة، فذهبوا إلى المسجد فلم يجدوه، وبحثوا عنه فوجدوه نائمًا تحت شجرة، وقد وضع درته بجانبه، وعليه ثوبه المرقع وقد توس ذراعه في أنعم نومة عرفها زعيم. تعجّب الهرمزان مما رأى وهو الذي فتح الدنيا ينام بهذه الهيئة تحت شجرة وقال كلمته المشهورة: حكمتَ فعدلت فأمنت فنِمت يا عمر.

وراعَ صاحبَ كسرى أن رأى عمَرًا بين الرعية عُطلًا وهو راعيها

فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملًا ببردة كاد طول العهد يبليها

وعهده بملوك الفرس أن لها سورًا من الجند والأحراس حاميها

فقال قولة حقٍ أصبحت مثلًا وصار الجيل بعد الجيل يحكيها

أمنت لما أقمت العدل بينهمُ فنمت نومَ قرير العين هانيها

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت