التوحيد
الألوهية
محمد بن سعد الشهراني
خميس مشيط
جامع النور
1-معاني العبودية في شعيرة الحج. 2- العبودية منهج دائم. 3- حتمية العبودية. 4- فضل العبودية لله تعالى. 5- أركان العبودية. 6- أصول العبادة وأسسها. 7- العبودية لله دين الفطرة. 8- العبودية أشرف المقامات.
في الأيام الماضية صدر المسلمون عن مشاعر عظيمة ومشاهد شريفة، أتموا فيها نسكهم وأدوا شعيرتهم، تعظيما وتكبيرا لله، وإجلالا وعبودية له سبحانه، فاللّهمّ تقبل من الحجاج حجهم، وأتم لهم مرادهم، ورد الباقين إلى أهليهم سالمين مغفورا لهم، ولنا معهم برحمتك وجودك وإحسانك يا رب العالمين يا أكرم الأكرمين.
أيها الإخوة المؤمنون، إن المشهد العظيم لأفواج الحجيج ليدلّ على مقصد عظيم من مقاصد هذا الدين، إنه مقصد إفراد الله بالتوحيد وإخلاص العبودية لله، حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ. هذا هو المعنى الأسمى من إحرام الحجاج وتلبيتهم، ومن طوافهم وسعيهم، ومبيتهم ووقوفهم، ورميهم وتكبيرهم، إنهم يجلون مقام التوحيد لله، ويحققون مقام العبودية للخالق وحده.
أيها الإخوة المؤمنون، ولئن كان الحجّ بما فيه يؤصّل مقام العبودية لله فإن العبودية لله منهج دائم ومسلك ثابت لكل نواحي الحياة، يقول الله عز في علاه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، بل إنّ أصل الخلق قائم على إفراد العبودية لله، يقول الله عز في علاه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ. وهو تعالى ذكره وتقدّست أسماؤه لما خلَقنا لذلك لم يتركنا هملًا بلا بيان ولا توضيح للعبادة التي خلقنا لها وأمرنا بها، بل بيّن لنا معنى العبودية لله سبحانه، ووضح سبيل ذلك، فبعث الرسل مبشرين ومنذرين، وإلى عبادته وحدَه داعين، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
العبودية لله الواحد القهار من أعظم قضايا الحياة، وركيزة هي أساس قيام الدنيا، قضيةٌ تحفظ لهذا الكون انتظامه، وتضبط فيه مسارَه، بالخلل فيها يختلّ نظام الحياة، وبالضلال فيها تتيه البشرية في دهاليز العمى وسراديب الانحطاط ومهاوي الفساد.
العبودية ـ عباد الله ـ قضية حتمية لا فكاك للإنسان منها بحال، في كل زمان وفي كل مكان، فالإنسان بين حالين لا ثالث لهما، إما أن يتوجه بعبادته وخضوعه وانكساره لله الواحد القهار، فيكون موحدًا مطيعًا مطمئنًا سعيدًا، وإما أن يكون خاضعًا أسيرًا ذليلًا لمعبودات جاهليةٍ باطلة من أصنام وأوثان وهوى وشهوة ومال والملذات وقوانين وأعراف، وأصبح حاله كمن قال الله فيه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ ?تَّخَذَ إِلَـ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ?للَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَـ?وَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ?للَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ.
وإن الشرف كل الشرف والرفعة كل الرفعة في العبودية لله القوي الجبار، فهو الذي خلق ورزق، وأعطى وأغدق، وتفضل وأكرم، وأحيا وأمات، وأضحك وأبكى، وأغنى وأقني، وهو ربّ الأرباب وخالق مَن في السماء والأرض، سبحانه وبحمده، تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره، فأيّ ألهة هي أحق وأولى؟! ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ?للَّهُ ?لْوَاحِدُ ?لْقَهَّارُ.
أيها المؤمنون، إن العبودية الحقة لله هي القوت الحقيقي للقلوب والغذاء الأنفع للأبدان، بها تسمو الأرواح وتطمئن القلوب، وتتهذب غرائز العبد وشهواته. العبودية الحقة هي المحرّك الفعال بإذن الله لهذه النفس لتنطلق في كل الدروب بثقة وراحة وحرية وعزّ ورفعة، فبمقدار الخضوع لله تكون الرفعة، وإذا ما أحسن المرء العبادة وأخلصها ترقَّى في درجات الكمال الإنسانيّ، وأصبح لحياته قيمة، وصار لعمله لذة، ولئن كان الغنى غنى النفس فإن الحرية حرية القلب كما أن الرق رق القلب.
والعبودية الحقة أعظم ما يحصله الإنسان في هذه الحياة؛ لتكون وسيلته إلى السعادة ورضا الله وبلوغ جنته ودار رضوانه، وفي الحديث القدسي: (( يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدَّ فقرك ) )أخرجه ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو في السلسلة الصحيحة.
والقلب إذا ذاق طعم العبادة والإخلاص لم يكن عنده شيء قطّ أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع، (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيا رسولًا ) )أخرجه مسلم في الإيمان، في باب: الدليل على أن من رضي بالله ربًا من حديث العباس رضي الله عنه.
وكمال العبودية يكمن في ركنين عظيمين كما يقول ابن القيم رحمه الله، أولهما: محبة الله تعالى، وثانيهما: الذل له سبحانه، فكلما امتلأ قلب العبد لله تعالى حبًا وله سبحانه ذلًا وتعظيمًا ولأوامره وشرعه انقيادًا وعملًا كملت فيه العبودية لله تعالى.
هذه هي العبودية الحقة، تسليم وانقياد واستجابة لله في فعل المأمورات وترك المنهيات، حركات في الظاهر واعتقاد في الباطن وطمأنينة في النفس، تواطؤ وتوافق بين عبودية القلب وعبودية الجوارح، فيفعل المكلف خلاف هوى نفسه، طاعة ومحبة لله وتعظيمًا وخضوعا له، فيحب العبد ربه أحب من كل شيء، ويعظمه أعظم من كل شيء.
أيها الإخوة المؤمنون، أما أصول العبادة وأسسها فالاعتقاد الصحيح فيما أخبر الله سبحانه عن نفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته وكل ما غاب عنا، مما جاء على ألسنة الرسل وتنزلت به الكتب، وإفراد الله بالعبادة، وتنزيهه عن الشركاء والأنداد، مع ما يستبطنه القلب ويستيقنه من التوكل على الله والإنابة إليه والخوف منه والرجاء فيما عنده وإخلاص الدين له. ثم أعمال الجوارح من أنواع العبادات؛ من الصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وأداء الأمانات والوفاء بالعهود وبذل وجوه الإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل وكل محتاج من بني آدم حتى البهائم، ففي كل كبد رطبة أجر. وأعمال اللسان من تلاوة القرآن العزيز والذكر وقول الحق وحسن الحديث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعلم والتعليم واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن والكف عن المحرمات والبعد عن الكبر والرياء والعجب والحسد والنفاق والغيبة والنميمة وكل ما نهى الله عنه.
أيها الإخوة المؤمنون، والعبودية لله فطرة الله التي فطر عليها جميع مخلوقاته، لا يستنكف عنها إلا ضال، ولا يلتفت عنها إلا هالك، فالكون كله بما فيه من إنس وجن وحيوان وجماد ساجد لله، خاضع لله، مفتقر مستكين لله، مستجيب لخالقه، فالكل وفق سنن الله يسير، وفي نظام الحياة منتظم، إلا البعض من بني الإنسان الذين أبوا السجود والخضوع استكبارا وعنادا، فهم بذلك هالكون خاسرون، يقول الله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ، ويقول تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل: 48، 49] .
يقول الإمام ابن كثير:"يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد لله تعالى، قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل".
العبودية أشرف المقامات وأعلى المبتغيات، عبادة الله شرُفت بها ملائكة الله، بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِ?لْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبّحُونَ ?لْلَّيْلَ وَ?لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ. العبودية هي مقام التشريف في حق أنبياء الله ورسله، فالمرسلون هم أعلى المكلفين في مراتب العبودية، وَسَلَـ?مٌ عَلَى? عِبَادِهِ ?لَّذِينَ ?صْطَفَى ، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ?لْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ?لْمَنصُورُونَ ، وَ?ذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْر?هِيمَ وَإِسْحَـ?قَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ?لأَيْدِى وَ?لأَبْصَـ?رِ. واستمع إلى هذا الوصف الجميل لأيوب الصبور: إِنَّا وَجَدْنَـ?هُ صَابِرًا نّعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. أما صاحب الملك العريض الذي لم ينبغِ لأحد من بعده فقد وصفه ربه بقوله: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـ?نَ نِعْمَ ?لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. أما عيسى عليه السلام وقد رفعه من رفعه إلى مقام الألوهية فقد قال فيه ربه: إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ. ثم أفضل الرسل وأشرف الأنبياء نبينا محمد فقد شرَّفه ربه بوصف العبودية وهو في أعلى مقامات التكريم، وقد أسرى به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء، فقال سبحانه: سُبْحَانَ ?لَّذِى أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ ?لْمَسْجِدِ ?لْحَرَامِ إِلَى? ?لْمَسْجِدِ ?لأَقْصَى ?لَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـ?تِنَا ، وقال سبحانه: فَأَوْحَى? إِلَى? عَبْدِهِ مَا أَوْحَى?. فما أجمل حالنا إذا كنا بهذا الركب مقتدين، وعلى نهجهم سائرين، خُشَّعا سجَّدا لله، نضع جباهنا ونمرغ أنوفنا له، نظهر فقرنا وحاجتنا وضعفنا للخالق وحده، بأدب وسكون وهدوء وذل.
ومما ينبغي أن يُعلم أن ربنا عز شأنه لا تنفعه طاعات الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وفي الحديث القدسي: (( يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا ) )رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
ومع غناه سبحانه فإنه يحبّ المتقين، ويحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين.
نسأل الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته.