العلم والدعوة والجهاد, موضوعات عامة
المسلمون في العالم, جرائم وحوادث
ياسر بن محمد بابطين
جدة
جامع الأمين
1-فاجعتان متتاليتان. 2- نعي أمة الغثاء. 3- حديث دم الشهيد. 4- أمة لن تموت. 5- ميراث الشهيدين.
أيها المؤمنون، تحار الكلمات وهي تقفُ عاجزةً أمامَ مشاعرِ الغيظِ التي تغلي بها قلوبُ المؤمنين، وقد دوت في الآفاق فجيعةٌ لم تمهلهم حتى يغيبَ دوِيُّ سابقتها، يحترق قلبُ كلِّ ذي قلب، للجرح يُنكأُ في إثرِ الجرح، والطعنةِ تشقُّ الطريقَ لطعنةِ أخرى، في جسدٍ توثقه القيود، وتلهيه الوعود، وتلعب بمصيره حفنةٌ من يهود.
قد سطّرت يدُ الشهيد بالدّماء أسطرا
للجنّ والإنس معا رسالةً لمن قرا
إذا ادْلهمّ ليلُنا والعير أعياها السُّرى
ولم يعد دليلُنا ولا كفيلنا يَرى
وأحْدقت بنا العدا قاد الشهيدُ العسكرا
فشقّ بالدِّما لنا طريقَنا المظفّرا
إذا الدماء لم تسِلْ فالقدس لن تُحرّرا
الحمد لله على نهر الدّم الذي جرى
حمدًا على ما خطَّ مولانالنا وقدّرا
جفّ الكتاب يا أُناسُ قبل أن نُصوَّرا
من الرماد فانهضوا للمجد أقوى جوهرا
لم تخلَق الشموسُ كي تُدسَّ في بطن الثرى
لله في أعناقنا عقد موثّقُ العرى
بعنا النفوسَ والدّما وربنا قد اشترى
فيا نسورَنا التي ليس لها ندّ يُرى
من الحضيض أقلعي وحلّقي على الذُّرى
أنْعم بكم من أسهم قهّارة لن تُقهرا
ترمي الرّدى في نحره ولا تعود القهْقَرى
مَن أمُّه القدس ومَن أبوه سيّد الورى
تبًّا له إن لم يَعِشْ ولم يمتْ غضنْفرا
لقد ذهب الشيخ الجليل، وها هو في أثره التلميذُ النبيل، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أما هما فقد وفدا على ربٍّ كريم، يلقيان عنده الراحة بعد ذاك العناءِ الطويل، رَبٍ اشترى منهما يومَ بذلا، وأكرمهما حين نزلا، وأعطاهما ما سألا، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46] ، نحسبهما كذلك ولا نزكي على الله أحدا.
ليس لنا اليومَ أن ننعاهما، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198] ، وما مات من وافى شهيدا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171] ، إنما ننعى أمةً كالغثاء، تُستباح أرضُها، وتُغتال أئمتُها، وتُنتهك حرمتُها، تَضيع حقوقها، ويُمرّغ أنفُها، وفي بنيها من لا يزال يُدغدغ عواطِفَه بألحانِ الغانيات، ويُرسل طرفه في مفاتنِ الراقصات، ويُغيّب ضميرَه في المدرَّجات، ويدسُّ رأسَه في أحضانِ الشهوات، ألا نستحي من الله؟! دمُ ابنِ ياسين لا يزالُ ينزف، وأكفٌ لا تزال تُصفِّق لأبطالِ"ستار أكاديمي"، فلسطين تغلي لمقتل الرنتيسي، وفي الوقت ذاته وقبله وبعده تغلي المدرجاتُ لشيءٍ آخر، أين نحن من الحدث؟! أين قلوبنا، همومنا، أموالنا، أبناؤنا؟!
إذا كنا لا نريد أن نصنع النصرَ لأمتنا فلا أقلّ من أن نبحث عن النجاة لأنفسنا، عما يعتق رقابنا من النار، ويفكها من غل السؤال بين يدي الجبار، فإن في عُنق كل واحد منا سؤال عظيم: ماذا قدمت لمسرى نبيك وللمستضعفين في الأرض المباركة؟
لقد حدّثنا دم الشهيد أن النصر رحلة أول خطواتها الانتصار على النفس، وأنه جسر أوله الإصلاح وآخره التمكين. وحدّثنا دم الشهيد أنّا أمةٌ لا يزيدها البلاء إلا تمحيصًا وتمايزًا في الصف ووضوحًا في التوجهات. لقد كنا نسمع قبل سنوات من يتكلم عن أمريكا الصديقة والسلام العربي الإسرائيلي، أما اليوم فليس يخفى على أحد زيف هذه الدعاوى، فعداوة أمريكا لنا عقيدةٌ تغذيها الأحداثُ وإن غابت عن المقررات، وخيارُ المقاومة اليوم علامةُ إيمانٍ أو نفاق، تجلت الحقائق، وسقطت الأقنعة، وذهب زمان الاستغفال.
حدّثنا دم الشهيد أنّا أمة تُطعَن فلا تموت، وتقهر فلا تستسلِم، باقيةٌ ما بقيت الدنيا، منتصرة ما دام الصراع، إن أهينت عزّت، وإن وخِزت هبّت، حرامٌ على بنيها أن يدبّ اليأس في قلوبهم، عار أن يهنوا للمصاب يصيبهم، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] .
لقد عاشت الأمة أحداثًا أفظع مما نرى اليوم، ففي سنة سبعَ عشرة وثلاثمائةٍ للهجرة، وفي يوم التروية، غزا القرامطةُ الرافضةُ بيتَ الله الحرام، فانتهبوا أموال الحجيج، واستباحوا قتالهم، فقتلوا في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة خلقًا كثيرًا، وكان الناس يفرون منهم، فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يُجدي ذلك عنهم شيئا، بل يُقتلون وهم كذلك، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة يقول:
أنا لله وبالله أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا
ثم أمر أن يدفن القتلى في بئر زمزم، وهدم قبّة زمزم، ونزع كسوة الكعبة عنها، وشققها بين أصحابه، ثم أمر بأن يُقلع الحجر الأسود، فجاءه رجل فضربه بمثقل وهو يقول:"أين الطير الأبابيل؟! أين الحجارة من سجيل؟!"، وأخذوا الحجر الأسود إلى بلادهم، فمكث عندهم حتى ردوه بعد ثنتين وعشرين سنة، ثنتين وعشرين سنة يُطاف بالكعبة لا حجرَ فيها، فسبحان من يمهل ولا يهمل.
وفي أواخر المحرم من سنة ست وخمسين وستمائة دخل التتار بغداد، فقتلوا جميعَ من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والشيوخ والكهول والشبان، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يومًا، ودخل كثير من الناس في الآبار والمزابل، وكمنوا أيامًا لا يظهرون، وكان الناس يهربون إلى الأسطحة فيلحقهم التتار فيقتلونهم، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، وقُتل الخليفة، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن وتعطّلت مساجد بغداد، لا تُقام فيها الجماعة مدة شهور، وقتل في هذه الوقعة من المسلمين ثمانمائة ألفِ نفسٍ في أقلّ تقديرات المؤرخين، وانقضت الأربعون يومًا، وعادت بغدادُ كأنها خراب، ليس فيها إلا القليل من الناس، والقتلى في الطرقات كالتلول، فهل قُضي على الإسلام؟! هل هزّت هذه الضربة الموجعة عزيمة أسود مصر الذين أعادوا للأمة مجدها في عين جالوت؟!
والقدس أين تاريخ القدس؟! ألم يُسلِّمها العبيديون الرافضةُ للصليبيين بعد أن انتزعوها من أيدي المسلمين، فأعمل النصارى سيوفهم سبعةَ أيام، وقتلوا أكثرَ من سبعين ألفًا من المسلمين؟! ألم يشهد المسجد الأقصى مجزرة فظيعة بلغت فيها الدماء الركب، وظل المسجد الأقصى في قيده، ثنتين وتسعين سنةً، لا تُقام فيه صلاة، عُلقت به الصلبان، ودوّت النواقيس؟! وما مات الإسلام، ولا ماتت عزائم المسلمين، بل تحرك الغضب في النفوس المؤمنة ومضى وعدُ الله، إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] . إن تنصروه، فهل نصرناه؟! إننا لا نريد فألًا مخدّرًا، ولا يأسًا مقعِدًا، لن ينفعنا أمل لا يؤول إلى عمل، ولن نصبر على عمل لا يحدوه أمل، لكننا لا بد أن نغزل خيوط الفجر القادم، مهما اشتدّ الظلام، ومهما طغى اللئام، فالله مولانا ولا مولى لهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:7-11] .
الحمد لله صدق وعده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أيها المؤمنون، لقد مضى الشيخان، فماذا تركا وراءهما؟ بحثنا فيما ورّثا، فما وجدناهما تركا مالًا ولا متاعًا إلا القليل، ولكنهما تركا دَينا عظيمًا وحِملًا ثقيلًا، برئت منه ذممهما، وبقي في ذممنا نحن، إنه الأقصى الجريح، الأقصى الأسير الكسير، قبلة الأنبياء، ومسرى محمد بن عبد الله ، تركا لنا قضية المسلمين الأولى، تركا لنا يتامى فلسطين وأراملها، أطفالها وشيوخها، في أعناقنا كل ذلك، في أعناقنا دمع الأم على دم ابنها، وبكاء الزوجة على قتل زوجها، وسؤال الصغار: متى يعود أبونا؟ في أعناقنا مساجدُ صارت حاناتٍ ودورَ فجور، وبيوتٌ لم يبق منها إلى الأنقاض، رحلة النصف قرنٍ وأكثر لا تُختزل في كلمات، ولا تصوّرها عبارات، ألا فلنُرِ الله منا خيرا، أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، واسوهم بمشاطرة الهم، تألموا لمصابهم، أكثروا من الدعاء لهم وعلى عدوِّهم، ذبوا عن أعراضهم، فنحن جسدٌ واحد.