العلم والدعوة والجهاد
قضايا دعوية
مراد وعمارة
باب الوادي
التقوى
1-الطريق الصحيح لعرض الإسلام. 2- وجوب تصفية الإسلام مما علق به من شوائب العصور الماضية. 3- الاستفادة من وسائل العصر الحديث لنشر الإسلام.
تعلمون ـ أيُّها المسلمون ـ أنَّ من مقتضيات القيام بهذا الدين بذلَ ما في الوسع والطاقة والجهد لنشره وتبليغه إلى الناس كافَّةً في جميع الآفاق، ليظهره الله على الدين كلِّه؛ لأنَّه يجب على الجميع أن يحقِّقوا لدين الله كلَّ أسباب الظهور والعلوِّ على الدين كلِّه، تنفيذًا لقول الله عزَّ وجل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] .
فالدعوة إلى الإسلام مهمَّة المسلمين بعامة والعلماء والحكام بخاصَّة، فإنَّ الدعوة معلَّقة كسائر الواجبات بالقدرة والاستطاعة، ولمَّا كان العلماء والأمراء هم أقدر الناس على القيام بالدعوة كانت في حقِّهم أوجب، ولكنَّ ذلك لا يعفي غيرهم من هذا الواجب.
إنَّ ممَّا يتعلَّق من البحث بأطراف هذه القضيَّة أن نلفت النظر إلى أنَّ عرض الإسلام يجب أن يكون في محتواه صحيحًا سليمًا من كلِّ إضافة أو تغيير أو زيادة أو تبديل، وأمَّا طريقة عرضه فينبغي أن تكون مناسبةً للتطور الحضاري، فافهموا الفرق بين محتوى الدين فهو ثابت لا يتغيَّر، وبين وسيلة البلاغ التي تتطوَّر طرقها باختلاف العصور.
فالمحتوى يجب أن يعرض نظيفًا كما أنزل، بعيدًا عن المؤلَّفات التي ألِّفت في العصور البالية، والتي تأثَّرت بالانحطاط الذي صارت إليه معظم الدول الإسلامية في ذلك الوقت، خصوصًا الدول التي كانت تحت مظلَّة السلطة العثمانية، في العصور التي اصطلح عليها بـ (ما بعد الموحِّدين) .
والإسلام الصحيح لا يمكن عرضه في صورة أبهى من الصورة التي جلاَّها القرآن المجيد بآياته البليغة، وأحكمت بيانها نصوص السنَّة النبويَّة الشريفة وسيرةُ النبيِّ وأصحابِه.
ولذا يجب الرجوع إلى المنابع الصافية الأولى للإسلام، فجميع ما وصل إلينا من التراث الإسلامي ينبغي قبل إحيائه تهذيبُه وتشذيبه ممَّا علق به وتراكم عليه في عصور الضبابيَّة والجمود الفكري والتخلُّف الحضاري. هكذا نصح العلماء الربانيُّون، وهكذا وجّه المفكِّرون المحقِّقون. وعبارات أعيانهم في ذلك معروفة فلست أطيل عليكم بها، وإنَّما أخصُّ بالذكر منهم واحدًا هو من نوادر المفكِّرين المسلمين، ذلكم هو الأستاذ مالك بن نبي الجزائري رحمه الله، فقد تكرَّر منه التنبيه على هذا الأصل حتَّى قال:"إنَّ تصفية الأفكار الميتة وتنقية الأفكار الميتة يعتبران الأساس الأوَّل لأيِّ نهضة حقَّة"، وقال أيضًا:"كلُّ محاولة لإعادة بناء حضارة الإسلام يجب أن تقوم أوَّلًا وقبل كلِّ شيء على أساس سيادة الفقه الخالص على الواقع السائد الذي نشأ عن صفين، ولا شكَّ أنَّ هذا يقتضي رجوعًا إلى الإسلام الخالص، أعني تنقية النصوص القرآنيَّة من غواشيها الكلاميَّة والفقهيَّة والفلسفيَّة"، وقال أيضًا:"موسى وعيسى ومحمَّد صلوات الله عليهم أجمعين لم يكونوا علماء كلام، ينطقون أفكارًا مجرَّدة، ولكنَّهم كانوا مجمِّعين لتلك الطاقة الأخلاقيَّة التي أوصلوها إلى نفوس فطريَّة. وعلم الكلام يمجِّد الجدال وتبادل الآراء، وهو في الوقت ذاته يشوِّه المشكلة الإسلاميَّة ويفسد طبيعتها، فعلم الكلام لا يواجه مشكلة (الوظيفة الاجتماعيَّة) للدين، لأنَّ المؤمن لا يفيد شيئًا من مدرسة تعلّمه مسألة وجود الله فحسب، دون أن تلقِّنه مبادئ الرجوع إلى السلف"، وقال في موضع آخر:"فما السبيل إلى أن يتحرَّك العالم الإسلامي تحت أوزار القرون وأثقال التقاليد والعادات المتخلِّفة المتراكمة؟.."
فأيَّة مقارنة لتلك التقاليد بالإسلام؟! فينبغي تنقية الثقافة الإسلاميَّة من تلك المقدَّسات الوهميَّة، التي تسمَّى (تقاليد) ، ولقد قام بتلك المهمَّة على خير وجه الشيخ عبد الحميد ابن باديس فاستطاع أن يخلِّص الجزائر من تلك التقاليد الزائفة التي كانت تتجسَّد في الطريقة المرابطيَّة، ولكنَّ فردًا واحدًا يعجز عن القيام بتلك المهمَّة وحده"انتهى."
فهذا ما يتعلَّق بكيفيَّة عرض الإسلام في محتواه، وأمَّا وسائل عرضه فهذا ما نوجز بيانه بعد حين، والحمد لله رب العالمين.
قد ذكرت لكم ما يتعلَّق بكيفية عرض الإسلام في محتواه، وبقي القول في وسائل عرضه، فلا شكَّ أنَّ متابعة الرسول في نهجه الدعوي المتميِّز تقتضي أن يحسن المسلمون البلاغ بما يحقِّق لدين الله الظهور على الدين كلِّه، ولا يكون ذلك تامًّا كاملًا ما لم يحسن المسلمون الطرق العصريَّة لوسيلة البلاغ والاتصال، فالبلاغ هو وسيلة الدعوة، ولكن طرق البلاغ في تطوُّر مستمرّ، فقد كانت الكلمة المسموعة هي الطريقة الممكنة في أوَّل الأمر في عصر الصحابة، ثمَّ تطوَّرت بالكتابة وإعمال الأقلام، وفي عصرنا ظهرت طرق جديدة للنشر منها المسموع ومنها المقروء ومنها المرئي المتحرِّك، وهي في عالم اليوم يتربَّع على عرشها القنوات الفضائيَّة التي تبث البلاغات والثقافات والبرامج والأفكار عبر الأقمار الصناعيَّة والأنظمة الكابلية والرقمية، وباستخدام الألياف الصناعية وأشعَّة الليزر.
وهل من المقبول أن تبقى هذه الوسائل حكرًا على أيدي الكفار والفجار يبثُّون فيها سمومهم وشرورهم ويبقى الصالحون بعيدين عن ذلك بشبهة الورع؟!
فنخشى إن لم يبادر الصالحون إلى إحسان الانتفاع بهذه الوسائل العصرية للاتصالات الفضائية في الدعوة إلى الله أن نكون عرضة لسخط الله جراء انتشار الفساد على وجه الأرض بسبب تقاعسنا عن شرور البث المباشر ذي الطبيعة الماضية الفاجرة أيًّا كان مصدره، فإنَّ آثاره السيئة المتمثِّلة في بث اليأس في نفوس المسلمين، والشعور بفقدان الذات ومحو الهويَّة الإسلامية، فضلًا عن ضعف الانتماء وعدم الالتزام بأحكام الدين وآدابه، ونشر الفاحشة والانحلال وغير ذلك من المضار.
وإذا كان الكفار والمنافقون حريصين على إيصال ما لديهم من باطل إلى كلِّ أحد في إبداع وروعة وهم لا ينتظرون من وراء ذلك ثواب الله، بل هم عرضة لعقابه وأليم عذابه، فما بالنا ونحن قد خصَّنا الله تعالى بأكمل دين وأتمِّه وحمَّلنا مسؤولية إبلاغه للبشرية إنقاذًا لها من النار؟! فلا جرم وجب على ذوي السلطة والخبرة استخدام ما في الوسع من وسائل البث والنشر الفضائي تحقيقًا لما وعد الله به من ظهور الدين وتمكينه لأهله، وعسى أن يأتي الله بقوم يفعلون ويذهب بالقاعدين، والحمد لله رب العالمين.