الأسرة والمجتمع, فقه
الأبناء, النكاح
عبد الحميد بن جعفر داغستاني
مكة المكرمة
ابن حسن
1-الحكمة من مشروعية النكاح.
2-صفات في المرأة التي ينبغي أن تخطب.
3-الحث على كثرة الانجاب.
4-أمور تعين على صلاح الذرية.
أما بعد:
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا [النساء:1] .
خلق الله العباد وأودع في كل من الجنسين ميلا للآخر، فشرع علاقة الزواج وارتضاها لأمته، وحث نبيه على التحري من ذوات الأرحام أعلاها وأطيبها وأنقاها حفظًا لجنس البشرية وسموًا به نحو استعمار الأرض بشرع الله وحكمها به، وهي المهمة التي من أجلها خلق الخلق وبسطت لهم دواوين الأجل والرزق، قال: (( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) ) (4) رواه أبو داود والنسائي.
فالمرء إذا أراد التزوج فينبغي أن يبحث عن زوجة لطيفة المعشر تحتمل أخلاقها عشرته وتربية أولاده منها، وهي الودود.
ولا تنفع لطيفة المعشر إذا كانت عقيما، ولذلك قال (الولود) ولأهمية التناسل وإكثاره في الإسلام ولما له من آثار عظيمة جدا في الدارين فقد وصف النبي للرجال وصفة بديعة فقال: (( تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنقى أرحاما وأرضى باليسير ) ) (1) رواه الطبراني.
وفي الزواج تناسل، وفي التناسل تكاثر، وفي تكاثر الأمة تحقيق لمباهاة نبيها وقائدها يوم القيامة ومخالفة لحال الرهبان من النصارى ، قال رسول الله: (( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ولا تكونوا كرهبانية النصارى ) ) (2) رواه البيهقي.
وفي كثرة النسل من الفوائد غير ما تقدم كثير إذ فيه بقاء لعنصر الإنسان وخلود لاسمه ونسبه في الدنيا لاسيما إن صلحت تلك الذرية.
وكثرة النسل مصدر للتفاخر والعزة في الحياة ، إذ الأولاد زينة في الرخاء ، وعدة في الشدائد والملمات يحملون نعشه ويبقون ينشرون فضله ، ويوفون بعهده ، ويصلون أهل وده، فيخلد اسمه ويحفظ ذكره.
وفي الإكثار من الذرية استجلاب للرزق من رب البرية قال تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم [الإسراء:31] .
فإن النسل قوة للأمة الإسلامية ومصدر عزة لها، فالأمة التي تملك أفرادًا أكثر أقدر على الغلبة في الحروب والجهاد في سبيل الله وأصبر على شدة اللقاء مع الأعداء وأهيب جانبًا لدى أعدائها.
وفي عظيم عدد الذرية حفظ لمال الإنسان وميراثه بعد حياته وبقاء لملكه بعد وفاته، ولذا نرى الملوك على مر الدهور وكر العصور تحرص على تكثير نسلها وتزويج أولادها وبناتها في سن مبكر.
إن في الإكثار من الأولاد ذكورًا وإناثًا أمانا من نائبات الدهر وحوادث الزمن، فلو أصيب الوالدان ببعض أولادهما يبقى لهما آخرون، وتظهر أهمية ذلك عند تقدم الوالدين أو أحدهما في السن فيعجزان أو أحدهما عن الإنجاب.
إن من كان عنده عشرة من الأولاد فاحتمال الصلاح فيهم أكبر ممن كان عنده اثنان أو أربعة، وهذه منفعة عظيمة أخرى للتكاثر.
إن ولد الإنسان ونسله من كسبه في الدنيا والآخرة. وقد تقدم الكلام عن ذلك في الدنيا، وأما الكسب الآخر من الولد فيوضح ذلك قوله: (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) ) (1) ، رواه مسلم.
ويجمع بقية الخصال الثلاث الولد ذكرا أو أنثى إذا رباه أبواه على الصلاح فهو يتصدق من ميراث أبيه ويهدي ثوابه إليه، وهو يعلم الناس ما علمه أبوه فينتفعون به، بل إن العبد من المسلمين إذا نوى عند جماع أهله تحصيل الولد الصالح فإن له بكل ركعة يركعها ابنه أو ابنته ، وبكل سجدة يسجدها، وبكل حسنة يفعلها ، حسنة تضاف في موازين عمل أبويه.
فأكثروا يا عباد الله من الذرية الصالحة فالله أكثر وأطيب، ويقول: (( من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته(2) كن له حجابا من النار يوم القيامة )) (3) رواه الإمام أحمد ، وقال: (( من عال جاريتين حتى تبلغا دخلت أنا وهو الجنة كهاتين وأشار بأصبعيه ) ) (4) رواه مسلم والترمذي.
ألا فلنحسن اختيار أزواجنا كما علمنا رسول الله: (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) (5) (تنكح النساء لأربع لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) (6)
ولتكن النية عند الجماع تحصيل الولد الصالح ، ولا ينسى المسلم ذكر الله عند جماع أهله فيقول: (( اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ) )متفق عليه.
وأسأل الله أن يبلغني وإياكم السعادة العظمى في الجنة مع أولادنا وأهلينا: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء [الطور:21] .
عباد الله:
لقد وعى أعداء الأمة أن مصدر قوة الأمة يكمن في ثقتها بدينها والتزامها به ثم في كثرة عددها، ولذا كانت حربًا فكرية وغزوًا ثقافيًا على أمة الإسلام ثم حربًا لنسلهم فيما قدموه للأمة من داء فتاك أسموه بتحديد النسل ولبسوا على المسلمين فقالوا: تنظيم النسل ، وشجعوا على ذلك وعلى الزنا فصنعوا ثم نشروا ما يعرف اليوم بحبوب منع الحمل.
(4) سنن أبي داود كتاب النكاح باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء 2/220
(1) المعجم الكبير 10/ 10244.
(2) السنن الكبرى: كتاب النكاح باب الرغبة في النكاح 7/78.
(1) صحيح مسلم: كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته 11/ 85.
(2) جدته: غناه.
(3) المسند 4/154.
(4) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة باب الإحسان إلى البنات 16/ 180
(5) صحيح البخاري: كتاب النكاح باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله 6/ 141
(6) سورة الطور آية 21.
لم ترد.