الأسرة والمجتمع, الرقاق والأخلاق والآداب
قضايا الأسرة, مكارم الأخلاق
مرسال بن عبد الله المحمادي
جدة
جامع ابن تيمية
1-الحكمة من الزواج. 2- مواقف للرسول مع زوجه خديجة. 3- وقوف خديجة رضي الله عنها ومؤازرتها للنبي. 4- حسن العهد.
أيها المسلمون، حينما شرع الله الزواج جعله سكنًا؛ يسكن الرجل لزوجته وتسكن المرأة لزوجها، والزواج أمر ديني يستقر الرجل فيه والمرأة كذلك، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21] ، يرحم الزوج زوجته، وتتودّد المرأة لزوجها؛ ليكون البيت هادئًا مستقرًا ومطمئنًا.
فهذا هو الأصل، لكن الواقع اليوم وللأسف قد اختلف كثيرًا، نجد بعض النساء يشتكين من أزواجهن ومن سوء التعامل ونكران الجميل، وكذلك الأزواج يشتكون من الزوجات.
واليوم سأقف معكم بعض المواقف للرسول مع زوجته خديجة رضي الله عنها، فقد كان الرسول قبل أن ينبَّأ يعيش في مكة، وعرف عند أهلها بالأمانة والصدق، وكانت خديجة تملك مالًا كثيرًا، ولم يكن لها من يرعى تجارتها، وكانت تبحث عن رجل تثق به ينمي لها مالها، فوقعت يدها على محمد ، فأرادت أن تجربه لعلها تجد فيه ضالتها، فاتفقت معه على أن يخرج في تجارة لها إلى الشام، ووعدته أن تعطيه مالًا وفيرًا أكثر مما تعطي غيره، وأرسلت معه غلامها ميسرة، وقد رأى من العجائب مع محمد ما لم يره من قبل، ومنها ما قاله له الراهب: من هذا المستظل بالشجرة؟ فقال: رجل من مكة، فقال له: ما نزل تحت هذه الشجرة إلاّ نبي، وكانت سحابة تظلّله من الشمس، وعاد إلى مكة وأربح خديجة ما لم تربحه في تجارة.
وحينما حدثها غلامها عن العجائب التي رآها وكانت امرأة عاقلة فطلبت من محمد الزواج، وصرحت له بالسبب الذي دفعها لذلك فقالت: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، وكان رجالات قريش يتمنون الزواج منها لرجاحة عقلها، فأخبر محمّد أعمامه بقول خديجة، فأيدوه وتزوج محمد خديجة، وكانت أول زوجة.
كل هذا قبل أن يختاره الله للرسالة، وولدت له القاسم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله، وكان عمره خمسة وعشرين عامًا عندما تزوج، وكان عمرها خمسة وثلاثين وقيل: أربعين وقيل غير ذلك.
وحين أراد الله بخلقه خيرًا اختار محمدًا للرسالة، وأول من وقف معه زوجته خديجة، فكانت أول من آمن به على الإطلاق، وهكذا تكون الزوجة الصالحة مع زوجها، فهي أول من يقف معه في الشدائد، وحينما نزل الوحي على الرسول خاف وارتعد وعاد إلى بيته إلى زوجته، ولم يذهب لقرابته ولا لأصدقائه، بل ذهب لزوجته لأنها عاقلة تجيد التصرف في المواقف الصعبة، وحدثها بما حدث له في أول لقاء مع الوحي وقال: (( لقد خشيت على نفسي ) )، فقالت له في ثقة ويقين: إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. لقد كانت بعد ذلك هي الزوجة المثالية التي تخفّف عنه ما يعانيه من أذى قومه، تثبته وتصدّقه وتهون عليه أمر الناس، ووقفت معه بمالها، فلم ينس الرسول الزوج الكريم هذه المواقف لزوجته، فهل أنت كذلك أيها الزوج، أم أنك ممن يأكل مالها وحين يغنيك الله من فضله تستغني عنها وترمي بها لتأخذ فتاة صغيرة تدلِّلك لتقتل زوجتك الأولى قهرًا؟! ولا يمكن أن نعارض تعدّدَ الزّوجات، ولكن طريقة بعض الأزواج في التعدّد من ظلم وعدم عدل بين زوجاته وإهمال لزوجته الأولى وإهانتها أحيانًا تجعلك تقف كثيرًا عند حال هؤلاء.
لقد كان الرسول طوال حياته يذكر لخديجة كلّ خير فعلته معه، حتى بعد موتها، فلم ينس فضلها عليه حتى بعد أن ماتت، فكيف به في حياتها؟! لقد بشرها ببيت في الجنة من قصب ـ أي: لؤلؤ ـ لا صخب فيه ولا نصب، وقال عنها: (( إنها من خير نساء العالمين ) ). وحينما توفيت حزن عليه الزوج محمد حزنًا شديدًا، وكان كثير الذكر لها بعد موتها والثناء عليها، حتى غارت عائشة منها وهي ميتة، فكيف لو كانت موجودة؟! قالت: ما غِرت على أحد من نساء النبيّ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها.
وذات يوم أهدِي لرسول الله جزور أو لحم، فأخذ رسول الله عظمًا منها ناوله لمن عنده وقال: (( اذهب بهذا إلى فلانة ) )، فسألت عائشة فقال الرسول مغضبًا: (( إن خديجة أوصتني بها ) )، فغارت عائشة وقالت: لكأنه ليس في الأرض امرأة إلا خديجة، فقام رسول الله مغضبًا، فلبث ما شاء الله ثم رجع فإذا أمّ رومان قالت: يا رسول الله، ما لك ولعائشة؟ إنها حدثة ـ أي: صغيرة ـ، وإنك أحقّ من تجاوز عنها، فأخذ بشدق عائشة وقال: (( ألست القائلة: كأنما ليس في الأرض امرأة إلا خديجة؟ والله، لقد آمنت بي إذ كفر قومك، ورزقت منها الولد وحرِمتُموه ) ).
وزادت غيرتها ذات يوم فقالت له: هل كانت إلا عجوزًا قد أبدلك الله خيرًا منها؟! فغضب حتى اهتزّ مقدم شعره من الغضب، ثم قال: (( لا والله، ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس ) ).
وهكذا، فقد حفظ الرسول مكانة زوجته، فكان لها عنده منزلة عظيمة، وكانت خديجة مثالًا عظيمًا للزوجة الصالحة المؤمنة، وقد كان يرجع إليها زوجها الرسول ويستشيرها، فقد كانت بمثابة الوزير له، فأين الأزواج من هذا؟! إن بعضنا لا يستشير زوجته في أي شيء حتى فيما يخصّها أو يخصّ بيتها؛ لأنه يرى ذلك عيبًا، وكأنّ هذه الزوجة لا قيمة لها في حياته إلا لقضاء وطره فقط، فاقتدوا برسولكم الكريم، (( وخيركم خيركم لأهله ) ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
أيها الأزواج، اقتدوا برسول الله في تعامله مع زوجاته، فهذا الرسول الزوج لم يعيّر يومًا من الأيام زوجته خديجة بأنها كانت ثيبًا، ولم يذكرها يومًا بأنها تزوجت قبله مرتين، ولم يعيّرها يومًا بأنها أكبر منه كما يفعل بعض الأزواج اليوم، والّذي يتزوّج من امرأة وهو فقير ربما لا يجد ما يأكله، وحينما يغنيه الله بسببها أو غير ذلك يبدأ بتغيير زوجته بسبب أنها أكبر منه أو أنه لم يخترها بنفسه بل اختارها أهله له، وأنه لم يرها أو غير ذلك؛ لأنه يريد أن يتزوج من غيرها ويعدّد، وليس همّه إحياء سنّة أو إعفاف الفتيات، ولكن للمتعة والتجديد فقط، ولمثل هذا نقول: قال الرسول: (( من كانت له امرأتان فمال لإحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ) ).
لقد كان الرسول يتذكّر وقوف زوجته خديجة معه دومًا لدرجة أنه لحبّه لها لم يتزوج عليها في حياتها، فهل فينا من يحفظ حقّ زوجته؟! هل فينا من يكرم زوجَته وهي حيّة فضلًا عن إكرامها بعد موتها؟! ولقد جاءت عجوز من صويحبات خديجة إلى النبيّ ، فأحسن النبي لقاءها وأكرم مثواها وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، وصار يسألها عن أحوالها وما صارت إليه، فقالت عائشة لما خرجت: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال! فقال: (( إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان ) )، وكان النبي إذا ذبح الشاة قال: (( أرسلها إلى أصدقاء خديجة ) )، فأين نحن من هذا الخلق ومن هذا الوفاء؟!
اللهم صل على محمد...