فهرس الكتاب

الصفحة 5694 من 5777

الدَّين(2)

فقه

الديون والقروض

سعد بن عبد الله العجمة الغامدي

الطائف

سعيد الجندول

1-الحث على كتابة الدين والإشهاد عليه. 2- الرهن لضمان قضاء الدين. 3- التحذير من كتمان الشهادة. 4- فضل القرض الحسن. 5- موت المديون وترك النبي الصلاة عليه. 6- قصة بليغة في وفاء الدين. 7- الحث على حسن الأداء.

أما بعد: فلا يزال الحديث موصولًا بسابقه عن الدَّيْنِِ، وأَبْدَأُ بالمعنى الإجمالي للآيتين الكريمتين المتعلقتين بالدين دون التعرض والدخول في التفاصيل والأحكام ومعنى بعض الكلمات والألفاظ والعبارات؛ لأن الشروع في ذلك يحتاج إلى خطب متعددة، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب التفسير المعتبرة.

لما حَثَّ الله تعالى على الصدقات وحرم الربا ودعا إلى العفو عن المعسر والتصدق عليه بِإِسْقَاطِ الدين عنه قد يتبادر إلى الذهن أن المال لا شَأْنَ له ولا قِيمَةَ له في الحياة، فجاءت هذه الآية الكريمة والتي تليها آيَتَا الدين لإعطاء المال حقه والرفع من شأنه؛ لأنه قوام الحياة المعيشية للبشر، حيث جاء الإرشاد الإلهي العظيم من الله الكريم لعباده لبيان حفظ أموالهم وضبطها بالكتابة أو الاسْتِيثَاقِ بالرَّهْنِ، وذلك بكتابة الديون والإشهاد عليها بمن تُرْضَى عَدَالَتُهُمْ، منْ قِبَلِ شَاهِدَيْنِ رجليْن مسلميْن حُرَّيْنِ، فإن انعدمَ رجلٌ من الاثنين قامت امرأتان مقام الرجل الواحد؛ لكيلا تَغْلِبَ عاطفةُ الواحدةِ عليها فَتَكْتُمَ الحق والشهادة، فَوُجِدَتِ الأخرى لئلا تَضِلَّ إحداهما عن قول الحق، كما حث الله سبحانه وتعالى من يحسن الكتابة أن يكتب كما علمه الله إذا كان في سعة وفسحة من أمره، كما حرم على الشهود إذا ما دُعُوا للإدْلاَءِ بالشهادة أن يَتَخَلَّوْا عنها، وحذر من عدم كتابة الديون ولو كانت صغيرة قليلة، كما قرر ذلك كثير من أهل العلم أَخْذًا من النص القرآني، ومن ترك بابًا من أبواب الشرع أَلْجَأَهُ اللهُ وأَحْوَجَهُ إليه، خاصةً مع التهاون وعدم المبالاة، قال تعالى: وَلاَ تَسْئَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ [البقرة: 282] ، ورخص تعالى رحمةً منه في عدم كتابة التجارة الحاضرة التي يتمُّ التَّقَابُضُ والدَّفْعُ فيها في المجلس للسلعة والثمن، فقال تعالى: إِلا أَن تَكُونَ تِجَـ?رَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا [البقرة: 282] . كما نَدَبَ عزَّ وجلَّ إلى الإشهاد على البيع حسب ورود السنة بذلك، ونهى عن الإضرار بالكاتب أو الشاهد بعدم إلزام الكاتب أن يكتب إذا كان في شغله هو أو الشاهد أيضًا ابتداء للكتابة أو الشهادة أو دعوة أحدهما إلى مسافات بعيدة تشق عليهما، بل يتم الاسْتِخْلافُ في الشهادة وأدائها لدى قاضي البلدة التي يقيم فيها كل واحد، كما أنه حذر سبحانه من كتمان الشهادة، ففي الكتمان إثم عظيم، كما حذر من الْحَيْفِ والْجَوْرِ في الكتابة والإضرار بالكاتب والشهيد. ولننظر إلى ختام الآية الأولى في الدين حيث قال الله عز وجل: وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة: 282] أي: الْمُضَارَّة بالكاتب والشهيد مما هو متعلق بالدين وبغيره، فهو خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو من موجبات الفسق والخروج عن الإيمان، وأَكَّدَ ذلك سبحانه بأمره بتقواه بامتثال أمره ونهيه ليسعد المؤمنون، وكما علمهم الله هذا العلم النافع فما يزال يعلمهم سبحانه ويُنَوِّرُ بصائرهم ما داموا متمسكين بشرعه مراقبين لعظمته وإحاطته بكل شيء، وهو سبحانه يعلمهم ما فيه قيام جميع مصالحهم في حياتهم، وهو المحيط علمه بذلك، ولسعة إحاطته بكل شيء شرع ما يجلب لهم المصالح ويدفع المفاسد عنهم ويبعدها، فهو بكل شيء عليم، قال عز وجل: وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ وَيُعَلّمُكُمُ ?للَّهُ وَ?للَّهُ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ [البقرة: 282] .

ولما أمر الله تعالى بالإشهاد والكتابة في البيوع والقروض والسَّلَمِ في الآية الأولى أمر في الآية الثانية عند تعذر الكتابة لعدم وجود كاتب أو أدوات كتابة ـ وذلك في السفر ـ أمر بالاستعاضة عن الكتابة بالرهن بأنْ يَضَعَ الْمَدِينُ رَهْنًا لدى دَائِنِهِ عِوَضًا عن الكتابة؛ لكي يَسْتَوْثِقَ به دَيْنَهُ، هذا في حال الخوف منه وعدم ائتمانه، وأما إِنْ أَمِنَ بعضُهم بعضًا فلا بأس بعدم الارْتِهَانِ، والرِّهَانُ جَمْعُ رَهْنٍ، والرهن ليس مقصورًا على السفر بل هو مشروع في الحضر والسفر، قال تعالى: وَإِن كُنتُمْ عَلَى? سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَـ?نٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ?لَّذِى ?ؤْتُمِنَ أَمَـ?نَتَهُ وَلْيَتَّقِ ?للَّهَ رَبَّهُ [البقرة: 283] .

ونَهَى عز وجل نَهْيًا جازمًا الشهودَ عن كتمان الشهادة سواء في هذا الأمر أو في غيره، فالحكم عام لأي شهادة، وكما هو معلوم بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما بين تعالى عظم الذنب في كتمان الشهادة أو شهادة الزور أيضًا والقائلين به كما هو في آيات أخرى وأحاديث نبوية، وهو العليم سبحانه بكل ما يعمله جميع الخلق في السماوات والأرض وما بينهما وما دون ذلك، أحاط بكل شيء علمًا سبحانه وتعالى، قال عز وجل: وَلاَ تَكْتُمُواْ ?لشَّهَـ?دَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ وَ?للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: 283] ، وفي آية أخرى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـ?دَةً عِندَهُ مِنَ ?للَّهِ وَمَا ?للَّهُ بِغَـ?فِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] ، وفي آية أخرى: وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـ?دَةَ ?للَّهِ إِنَّا إِذًَا لَّمِنَ ?لآثِمِينَ [المائدة: 106] .

وأَذْكُرُ بعضَ الأحاديث في الديْنِ والقَرْضِ الْحَسَنِ وما جاء فيها وورد عن رسول الله ، فمما ورد في الترغيب في القرض الحسن والتيسير على المعسر وإِنْظَارِهِ وإِمْهَالِهِ والوضع عنه ما يلي، منها قول الرسول: (( مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أو وَرِقٍ أو هَدَى زُقَاقًا كان له مثل عتق رقبة ) )رواه أحمد وابن حبان والترمذي واللفظ له وقال:"حديث حسن صحيح"، ومعنى منيحة الْوَرِقِ أي: قرض الدراهم من الفضة وغيرها، وهدى زقاقًا يعني: الدلالة والهداية للطريق وإرشاد السبيل. وقال رسول الله: (( كل قرض صدقة ) )رواه الطبراني بإسناد حسن والبيهقي، وقال: (( ما من مسلم يقرض قرضًا مرة إلا كان كصدقتها مرتين ) )رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( من يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ) )رواه مسلم وابن حبان في صحيحه والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة رحمهم الله، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه طلب غريمًا له فَتَوَارَى عنه ثم وجده، فقال: إني معسر، قال: آلله، قال: آلله، قال: فإني سمعت رسول الله يقول: (( مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنَجِّيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يوم القيامة فَلْيُنَفِّسْ عن مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ ) )رواه مسلم والطبراني وغيرهما، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( تَلَقَّتِ الملائكةُ رُوحَ رجلٍ مِمَّنْ كان قبلكم، فقالوا: عَمِلْتَ من الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تَذَكَّر، قال: كنتُ أُدَايِنُ الناسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أنْ يُنْظِرُوا الْمُوسِرَ ويَتَجَوَّزُوا عنِ الْمُعْسِرِ، قال الله: تجاوزوا عنه ) )، وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم رحمها الله تعالى عن حذيفة أيضًا أنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( إن رجلًا ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، قال: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: اُنْظُرْ، قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع الناس فَأُنْظِرُ الموسر وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة ) )رواه البخاري ومسلم وابن ماجة رحمهم الله تعالى، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( حُوسِبَ رجلٌ ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله تعالى: نحن أحق بذلك، تجاوزوا عنه ) )رواه مسلم والترمذي، وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: (( من أنظر معسرًا فله كلَّ يوم مِثْلَهُ صدقة ) )، ثم سمعته يقول: (( من أنظر معسرًا فله كل يوم مِثْلَيْهِ صدقة ) )، فقلت يا رسول الله: سمعتك تقول: (( من أنظر معسرًا فله كل يوم مثله صدقة ) )، ثم سمعتك تقول: (( من أنظر معسرًا فله كلّ يوم مثليه صدقة ) )، قال له: (( كل يوم مثله صدقة قبل أنْ يِحِلَّ الدَّيْنُ، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة ) )رواه الحاكم وأحمد وابن ماجة، وقال: (( من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ) )رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح"، وفي حديث آخر: (( من أنظر معسرًا أو وضع له وقاه الله من فَيْحِ جهنم ) )رواه أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا، وفَيْحُ جهنم: لَهَبُهَا وحَرُّهَا.

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره وأسأله المزيد من فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فقد ورد في الترهيب من الدين وترغيب الْمُسْتَدِينِ في الوفاء والمبادرة إلى قضاء الدّين عن الحي والميت ما جاء عن رسول الله في أحاديث كثيرة، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ) )رواه البخاري، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (( من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته، ليس ثَمَّ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ ) )رواه ابن ماجة، وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: (( الدّيْن دَيْنَانِ، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وَلِيُّهُ، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذٍ دينار ولا درهم ) )رواه الطبراني، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: (( نفَس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقْضَى عنه ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي أُتي بجنازة ليصلي عليها قال: (( هل عليه دين؟ ) )قالوا: نعم، فقال النبي: (( إنّ جبريل نهاني أن أصلّي على من عليه دين، فقال: إن صاحب الدين مرتهن في قبره حتى يقضى عنه دينه ) )، وفي الرواية الأخرى: (( فما ينفعكم أن أصلي على رجل روحه مرتهن في قبره لا تصعد روحه إلى السماء، فلو ضمن رجل دينه قمت فصليت عليه فإن صلاتي تنفعه ) )رواه أبو يعلى والطبراني. وقيل بأنه كان لا يصلي على المدين، ثم نُسِخَ ذلك لما رواه مسلم وغيره رحمهم الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإنْ حُدِّثَ أنه تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عليه، وإلا قال: (( صَلُّوا على صاحبكم ) )، فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فَعَلَيَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته ) )، وفي رواية: (( فهو لورثته ) )رواه مسلم. ولا يظن الذين يأخذون أموال الناس ويأكلونها بالباطل ويتلفونها بعدم أدائها أن الرسول سوف يقضي عنهم، فذلك خاص بزمنه وحياته من المؤمنين كما قال ذلك بعض العلماء. وقال: (( مَطْلُ الغني ظلم، وإذا أُتْبِعَ أحدُكم على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ) )أُتْبِعَ أي: أُحِيلَ، ومطل الغني أي: مماطلته وعدم سداده لحقوق الناس وتأخيرها عن وقتها هو من الظلم.

ولنستمع إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله معلقًا به بصحته عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله: (( ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فأتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلًا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبه ويقدم عليه للأجل الذي أجّله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها ـ أي: طَلَى نقر الخشبة وسَوَّدَهُ بما يمنع سقوط شيء منه ـ ثم أتى بها البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلَّفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا الخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه وأتى بألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي جئت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه، قال: إن الله قد أدّى عنك الذي بعثته في الخشبة فانصرف بالألف دينار راشدًا ) )رواه البخاري معلقًا مجزومًا به والنسائي وغيره مسندًا.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (( يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ) )رواه مسلم، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله قام فيهم فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله تُكَفَّرُ عني خطاياي؟ فقال رسول الله: (( نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ) )، ثم قال رسول الله: (( كيف قلت؟ ) )قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله: (( نعم، إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبرائيل قال لي ذلك ) )رواه مسلم وغيره، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة جالسًا فيه، فقال: (( يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت صلاة؟ ) )قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: (( أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك؟ ) )فقال: بلى يا رسول الله، قال: (( قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ) )، قال: فقلت ذلك فأذهب الله عز وجل هَمِّي وقضى عني ديني. رواه أبو داود.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا تقاضى ـ أي: طلب القضاء لدينه ـ رسول الله فأغلظ له، فَهَمَّ به الصحابة، فقال: (( دَعُوهُ فإنَّ لصاحب الحق مقالًا، واشْتَرُوا له بعيرًا فَأَعْطُوه إِيَّاهُ ) )، قالوا: لا نجد إلا أفضل من سِنِّهِ، قال: (( اشتروه فأعطوه إيّاه؛ فإن خياركم أحسنكم قضاءً ) ).

والدينُ مُقَدَّمٌ في القضاء بَعْدَ الْوَصِيَّةِ على قسمة الميراث إن كان هناك وصية للميت، وإن لم تكن وصية فإن الدين أول ما يتم سداده من الحقوق، فلا يأخذ الورثةُ حقَّهم إلا بعد الوصية وقضاء الدين الذي على الميت، كما قال تعالى: مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 12] . والأحاديث كثيرة وإنما أشرت إلى شيء منها ليعرف المسلم ما يفيده في هذا المجال، وليكون على بصيرة من أمره مع جشع الناس وطمعهم واستغلالهم لإخوانهم المسلمين والتحايل عليهم بالطرق الربوية لإنهاكهم في الديون التي كثرت في هذا الزمان بسبب إغراءات ودعايات المرابين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات أو شركات مختلفة، وكذلك عدم تسديد بعض الناس لحقوق غيرهم وتهاونهم بأمر الدين واستخفافهم به وبعدم المبالاة بالقضاء أوْ حُسْن الطلب وحسن القضاء وعدم معرفتهم بأحكامه أخذًا وأداءً وقضاءً وتحاكمًا ولأمور أخرى تَمَّ بيانُها في الجمعة السابقة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت