الإيمان, الرقاق والأخلاق والآداب
أعمال القلوب, أمراض القلوب, خصال الإيمان
فريح بن محمد الفريح
الذيبية
جامع بلدة السمار
1-منن الله تعالى على نبيه. 2- نعمة انشراح الصدر. 3- أسباب انشراح الصدر: توحيد الله تعالى، العلم النافع، العمل الصالح، اجتناب المعاصي، التقليل من المباحات. 4- الحث على النظر إلى الأدنى في أمور الدنيا. 5- الحث على الاجتهاد في وقت الشباب والصحة. 6- ضرورة العناية بإصلاح القلب.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه، واجتنبوا نهيه ولا تعصوه، واعلموا أن تقوى الله جماع الخيرات ومنبع المسرات، فيها سعادة الدارين والزلفى عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، بالتقوى تشرح الصدور وتنال المغفرة من العزيز الغفور، يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
أيها المسلمون، لقد امتن الله على نبيه محمد بمنن عظيمة وآلاء جسيمة، فشكرها نبيُّ الله وأدى حقها.
امتن عليه بالرسالة، وجعله خاتم النبيين، وامتن عليه بالإيواء من اليتم، فجعل له من يحوطه ويرعاه بعد وفاة أبيه وأمه، وهداه من الضلالة، وأغناه من الفقر، قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى.
وإن من أعظم ما امتن الله به عليه أن شرح له صدره، فقال ممتنًا عليه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ، أي: جعل فيه نورًا، وجعله فسيحًا رحيبًا واسعًا، وهذه نعمة لا تقدر بثمن، وهي منة من الله سبحانه، إذا رأى في عبده الخير شرح له صدره، فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ، وإذا كان العبد ضالًا معرضًا ضيّق الله عليه صدره وجعله حرجًا شديد الضيق، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ، فبسبب عدم إيمانهم جعل الله الرجس عليهم، لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان، وهذا ميزان عدل لا يميل وطريق لا يتغير، فإن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى يسره الله لليسرى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسيسره الله للعسرى.
عباد الله، إذا كان انشراح الصدر وسعته نعمة عظمى وفضيلة كبرى لا يدركها إلا الأقلون فإن العاجز الكسول من لم يتعب نفسه في الحصول عليها والظفر بها والعمل بأسبابها حتى يلقى ربه سبحانه، وإن اللبيب الفطن هو من جعل صلته بالله قوية باتباع شرعه والحذر من غضبه ومقته، وقد ذكر أهل العلم عددًا من الأسباب تشرح الصدر، ومن أهمها:
1-توحيد الله: فكلما كان الإنسان أكثر توحيدًا لله وأكثر معرفة بأسمائه وصفاته ونقى هذا التوحيد مما يضاده أو ينقصه كان صدره أوسع وعيشه أهنأ، وكلما نقص من هذا الأمر نقص من سعة صدره شيء حتى تضيق الحياة بأسرها على المشرك والملحد، يقول الله سبحانه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، وقال: فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وقال سبحانه: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ.
وإن من أعظم العقوبات الدنيوية التي يصاب بها الإنسان ضيق الصدر والقلق والرهبة والخوف والاضطراب، ولهذا تهدَّد الله بها أعداءه المشركين عقوبة لهم، فقال: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ، وقال: فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ، وقال سبحانه: وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ، وفي الحديث عن النبي أنه قال: (( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ) )، أي: فهو منشرح الصدر في الحالين؛ في حال السراء والضراء بسبب قوة إيمانه بالله سبحانه وتعالى.
2-العلم النافع: فالعلماء هم أشرح الناس صدورًا وأكثرهم حبورًا وأعظمهم سرورًا؛ لما عندهم من ميراث الأنبياء وهو العلم الشرعي النافع، قال الله تعالى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ، وقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ.
فمن أراد الحياة السعيدة فليكثر من العلم النافع تصلح له دنياه وأخراه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"إنها لتمر بقلبي ساعات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فهم في عيش طيب"، يقول هذا مع ما لقي من الأذى في هذه الحياة الدنيا، عودي وأوذي وسجن مرات، لكن لقوة إيمانه ويقينه وكثرة علمه لم يضق صدره، ولم تنشغل نفسه بما هو فيه. ولما سجن رحمه الله قال وهو يدخل باب السجن: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ، فشبّه ما هو فيه من النعيم بالجنة.
3-ومما يشرح الصدر العمل الصالح، فإن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، يقول سبحانه: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ، وقال سبحانه عن بني إسرائيل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ.
4-ومما يشرح الصدر اجتناب المعاصي، فإنها كدر حاضر ووحشة جاثمة وظلام قاتم وسواد في الوجه دائم، وفي الحديث: (( ما وقع بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة ) )، وهي تميت القلوب وتحجب الإنسان عن ربه، وكثرتها تورث الذل وتحرم العبد التوفيق.
5-ومما يشرح الصدر التقليل من المباحات، فلا يكثر من الكلام والطعام والمنام والاختلاط بالناس، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، وقال: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
وليلجأ الإنسان إلى ربه، ولينطرح بين يديه، وليكثر من الدعاء والإلحاح على الله أن يشرح له صدره ويغفر له ذنبه، وليكثر من الصدقات والإحسان إلى الناس مخلصًا لله بهذا العمل، فإنه من أعظم أسباب شرح الصدور وإزالة القلق عن النفس.
وانظر ـ يا عبد الله ـ إلى من أسفل منك في أمور الدنيا لا أمور الآخرة أو العلم الذي يتحقق به خشية العبد لله، ولا تنظر إلى من هو أعلى منك، كما جاء في الأثر: (( انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو أعلى منكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ) ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله، وفق من شاء لطاعته، وشرح صدورهم فجعلهم من أهل ذكره وشكره وحسن عبادته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها الزلفى لديه في دار كرامته، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، ختم الله به رسالاته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم لقائه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
عباد الله، من أتعب نفسه في أول الطريق جاءته الراحة في آخره، ومن أدلج في الليل في وقت الطمأنينة والهدوء واعتدال الجو أراح جسمه في وقت الشمس والحر والضنك في النهار، ومن أصلح قلبه وأكثر من عبادة ربه في حال شبابه وصحته وفقه الله وكتب له ذلك في مرضه وتعبه، يقول النبي: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا ) )تفضلًا منه ورحمة.
والإنسان إذا أصلح قلبه وطهره من الغل والحقد والحسد وطهره من الالتفات إلى غير الله فأصلح سريرته أصلح الله له علانيته، فلم يقل إلا خيرًا، ولا يعمل إلا خيرًا، (( ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ).
فأصلحوا قلوبكم، وأروا الله من أنفسكم خيرًا، وأسروا أنفسكم على طاعة الله ما دمتم في زمن المهلة، فإن العمر قصير والدنيا زائلة، وإنكم موقوفون بين يدي الله، ومسؤولون عن أعمالكم، ومجزيون عليها، الحسنة بعشر أمثالها أو يتفضل الله عليكم بالزيادة، والسيئة بمثلها أو يتفضل الله سبحانه بالعفو، فيا خسارة من باع دنياه بأخراه، ويا حسرة من وجد صحف أعماله ليس فيها عمل صالح، ووجد عمله السيئ مكتوبًا بين يديه لم يترك منه شيء، وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ، وستحاسب نفسك بنفسك، وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ، قال الحسن البصري رحمه الله:"قد أنصفك من جعلك حسيب نفسك".
فاحذر أن تكون ممن قال الله فيهم: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا. واجتهد أن تكون ممن قال الله فيهم: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ، سرور في الأهل، وحساب يسير، ومناولة الكتاب باليمين؛ تشريفًا وتكريمًا لهم.
اللهم اجعلنا منهم بمنك وعفوك يا كريم.