فهرس الكتاب

الصفحة 5382 من 5777

اقتربت الساعة

الإيمان

أشراط الساعة, اليوم الآخر

عبد العزيز بن الطاهر بن غيث

طرابلس

جامع أم القرى

1-قرب موعد يوم القيامة. 2- عدم الشعور بمضي الأعوام وانصرام الأيام. 3- وجوب التصديق بالغيب الذي أخبر الله ورسوله به. 4- موقف أبي بكر رضي الله عنه في حادثة الإسراء. 5- أهمية الاستعداد ليوم القيامة. 6- بعض علامات الساعة. 7- الغرض من تذكر يوم القيامة. 8- كيف يكون الاستعداد ليوم القيامة؟

أما بعد: فيقول الله تعالى في كتابه العزيز: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] ، ويقول سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: 1، 2] .

إخوة الإيمان، يخبرنا الله سبحانه في هذه الآيات عن قرب الساعة، ويبين لنا أن حساب الناس اقترب، وأن يوم القيامة دنا منهم، وأنهم مع ذلك لاهون غافلون منغمسون فيما هم فيه، منغمسون من أمر الدنيا، منشغلون بها وليسوا منشغلين بما ينتظرهم من هول هذا اليوم العظيم وما يتلوه من حساب ومصير.

دنو هذا اليوم وقربه أمر لا ينبغي أن يجادل فيه مسلم أو يشك فيه مؤمن، أفلا يكفي لليقين بقرب هذا اليوم أن الله يقول في بيان واضح: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63] ؟! ألا يكفي أننا آخر الأمم وشريعتنا خاتمة الشرائع ولا نبي بعد نبينا ؟!

لقد بين رسولنا هذا الأمر بيانًا لا بيان بعده عندما قال كما عند مسلم من حديث جابر: (( بعثت أنا والساعة كهاتين ) )وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ولكننا نشعر أن هذا اليوم بعيد، وأن المسافة بيننا وبينه طويلة، وهو في الحقيقة قريب، فالله سبحانه يقول في كتابه: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا [المعارج: 6، 7] ، ونحن أيضا نستطول ونستطيل هذه السنين منذ بعثة رسول الله ونعدها زمانًا طويلا، ويتساءل بعضنا ويقول في نفسه: كيف تكون بعثة الرسول مقترنة بالساعة وقد مضى على بعثته أكثر من ألف وأربعمائة سنة؟! وهذه نظرة قاصرة يرى صاحبها أن هذه السنين مدة طويلة، وهي في ميزان الله تعالى زمن قصير، يقول سبحانه: وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [الحج: 47] ، إنه والله زمن يسير لا يُعدُّ عند الله سبحانه شيئًا مذكورا، ونحن إذا سألنا الآن من أمضى في هذه الدنيا أربعين سنة: ماذا تُمثل له هذه الأعوام؟ لقال: إنه لا يدري كيف مضت ولا ماذا فعل فيها.

أيها المسلمون، إن الأساس في تلقي الأخبار الغيبية عن الله وعن رسوله هو التصديق واليقين الكامل بصحة هذه الأخبار، فإذا كنا موقنين مؤمنين بكلام الله ورسوله صار ما يخبرنا به الله ورسوله كأنه حقيقة ماثلة أمامنا، لا نشك في حدوثها، ولا نتردد في قبولها، بل ونعمل وفق هذه الأخبار، هذا هو الإيمان الحق، الإيمان الذي يدفع صاحبه إلى الجد والحزم، هذا الإيمان مثّله صحابة رسول الله أحسن تمثيل في تلقيهم عن الله ورسوله، فما نزل أمر في كتاب الله إلا آمنوا به علموا حقيقته أم لم يعلموها، وما يخبرهم رسول الله عن شيءٍ من الغيب أو الشهادة إلا كانوا كأنهم يرونه رأي العين، والمواقف والأدلة على هذا كثيرة، من ذلك ما ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن حادثة الإسراء، تقول رضي الله عنها: لما أسري بالنبي إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس؟! قال: أوَقال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أوَتُصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم؛ إني لأُصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أُصدّقه بخبر السماء في غدوةٍ أو رَوحة؛ فلذلك سمي أبو بكر: الصديق. أخرجه الحاكم والبيهقي.

ومن الأدلة أيضًا على إيمان ويقين الصحابة رضوان الله عليهم أن رسول الله أخبر صحابته يومًا عن المسيح الدجال الذي يأتي آخر الزمان، فبلغ من يقينهم بكلام رسول الله أنهم ظنوا أن الدجال على أبواب المدينة. أخرج الترمذي وابن ماجة عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله الدجّال ذات غداة، فخفّض فيه ورفّع حتى ظننا أنه في طائفة النخل. الحديث.

هكذا هو التلقي عن الله وعن رسوله ، فالله سبحانه يقول: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء: 1] ، إن هذا اليوم من القرب بحيث أن الله سبحانه تحدَّث عنه في أكثر من آية بصيغة الماضي الذي حدث لا بصيغة المضارع أو المستقبل، وهذا زيادة في التأكيد على حدوث هذا اليوم لا محالة وعلى قربه، يقول سبحانه: أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل: 1] ، ويقول سبحانه: أَزِفَتْ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم: 57، 58] ، إلى غير ذلك من الآيات.

هذا الحساب الذي اقترب ـ إخوة الإيمان ـ وهذا الأمر الذي أتى وهذه الآزفة التي أزفت ماذا أعددنا لها؟ وبماذا سنلقاها؟ لا تُعِدُّوا لها الأموال فإن الأموال لن تجدي، ولا تُعِدُّوا لها الأملاك فإنها لن تجدي، ولا تُعِدُّوا لها الجاه والسلطان فإنه لن يُجدي، ولا تُعِدُّوا لها الأجسام الفتية والمنظر والقوام الجميل فإنه لن يجدي، أعدوا لها ـ رحمني الله وإياكم ـ الإيمان والعمل الصالح، واعلموا أنها آتية لا محالة، وليسأل كل مقصر نفسه: يومها ماذا أقول؟!

هذا اليوم العظيم ـ إخوة الإيمان ـ أشارت إلى قربه الآيات القرآنية كما أسلفنا، وأشارت الأحاديث النبوية الصحيحة أيضا إلى ذلك، فرسول الله يبين أنه بُعث وكأنه في سباق مع الساعة أيهما يأتي أولًا، فيقول كما في صحيح الجامع من حديث أنس: (( لست من الدنيا وليست مني، إني بعثت والساعة نستبق ) )، ويقول في تبيين أمر قرب الساعة وحال الناس من هذا الأمر، يقول: (( اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصا، ولا يزدادون من الله إلا بُعدا ) )أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود، وعن عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا من المدائن على فرسخ، فلما جاءت الجمعة حضرنا فخطبنا حذيفة فقال: إن الله عز وجل يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدًا؟! قال: يا بني، إنك لجاهل، إنما يعني العمل اليوم والجزاء غدا. ذكره المنذري في الترغيب والترهيب.

هذا ـ إخوة الإيمان ـ عن قرب هذا اليوم العظيم، ويكفي في قربه أننا نؤمن بأنه قادم وآت، فكل ما هو آتٍ قريب، ومع هذا لم يكتف رسول الله بإخبارنا بقرب هذا اليوم، بل زاد على ذلك بأن بيّن لنا بعض أماراته وإشاراته وعلاماته التي متى رأيناها أيقنّا بقرب هذا اليوم، وكنا على أُهبة الاستعداد لملاقاته وملاقاة الله عز وجل، وقد ذكر رسول الله الكثير من علامات الساعة وأماراتها، ولكننا نذكر بعضها لوضوحها ووضوح دلالتها في وقتنا هذا بالذات، عسى الله أن يقوِّي بها إيماننا بهذا الأمر العظيم، ويجعلنا ممن يستعدون له بالإيمان والعمل الصالح.

من هذه العلامات كثرة الهرج، أي: كثرة القتل، يقول: (( لا تقوم الساعة حتى يفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج ) )، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: (( القتل القتل القتل ) )ثلاثا. أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة. ودلالة هذا الحديث واضحة؛ فلا زمان كثُر فيه القتل وسفك الدماء وإزهاق الأرواح في كل ناحية من نواحي الأرض أكثر من زمننا هذا، حتى إن القاتل لا يدري فيم قَتل ولا المقتول فيم قُتل كما ورد في الأثر.

ومن هذه العلامات تقارب الزمان وسرعة مضيّه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار ) )أخرجه الترمذي. وهذا الأمر لا تجد أحدًا من الناس يناقش فيه أو يماري، فكل الناس يصرّحون بأن الزمان أصبح من السرعة بحيث أنهم لا يشعرون بمروره، فالأسبوع كاليوم، فنحن نصلي الجمعة اليوم ثم لا نشعر إلا والجمعة الأخرى غدا! بل إن العام ما إن يقال: إننا نستقبل عامًا جديدا حتى يقال: إننا نودعه ونستقبل غيره وهكذا

ومن العلامات المميزة والواضحة لنا وضوح الشمس ضياع الأمانة والذِّمّة، عن أبي هريرة عن رسول الله قال: (( إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة ) )أخرجه البخاري. وهذا هو والله زمان ضياع الأمانة، لا أمانة ولا أمان، لقد وصل ضياع الأمانة إلى الحد الذي يخشى فيه المسلم أن يتعامل بالمال مع جار أو صديق أو أخ حتى لا يفقد هذا الأخ أو الصديق فالله المستعان. والأمانة الضائعة في وقتنا ليست الأمانة في الأمور المالية فقط، بل إنها أمانات متعددة، فالأمانة المالية والأمانة العلمية والأمانة الوظيفية وأمانة القول والكلمة، إلى آخر أنواع الأمانات التي أصبحت أثرًا بعد عين، نسأل الله السلامة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 16-22] .

بارك الله لي ولكم في آيات كتابه، وجعلنا من حزبه وأحبابه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

معشر المسلمين، عندما نذكر يوم الحساب أو يوم القيامة هذا اليوم العظيم إنما نحاول أن نحييَ موات أنفسنا ونُلِين قسوة قلوبنا، ونحاول أن نستدرك بالعمل الصالح والتوبة قبل فوات الأوان، فالناظر في أحوالنا لا يرى وجودًا لهذا اليوم العظيم في قاموس حياتنا، ولا استعدادًا له أو خوفًا منه، بل لعل الكلام عن هذا اليوم يُعدّ الآن من قبيل الدروشة والتخلف، وهذا هو الواقع لا مبالغة فيه، فمن الطبيعي أن من آمن بشيء عمل له، أمّا نحن فإننا نغترف من ملذات الحياة الدنيا حلالًا وحرامًا، ونطلق العنان لألسنتنا وشهواتنا، ونظلم الناس ونأكل أموالهم بالباطل، وهذا كله يدل على أننا نعيش كأننا مخلدون في هذه الدنيا وليس وراءنا يوم تنتهي فيه الدنيا هو يوم القيامة، ويوم نقف فيه بين يدي الله للحساب عن كل ما اقترفنا.

فالمقصود ـ بارك الله فيكم ـ ليس مجرد الخوف والشفقة من هذا اليوم أو الحديث عنه بين الحين والآخر؛ إنما المقصود إعداد العدة لهذا اليوم بقلوب سليمة وأعمال صالحة، هذا هو الخوف الحقيقي من هذا اليوم، وهذا هو الخوف النافع في هذا اليوم، فالله ينفي النفع في هذا اليوم عن أيّ مكسب من مكاسب الدنيا، ويجعل النفع فقط فيما حصلته القلوب السليمة من إيمان وعمل صالح، يقول سبحانه: يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88، 89] . إذا عبَّدت قلبك وجسدك لله سبحانه ووحّدت الله حق توحيده وعبدته حق عبادته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تكون بالفعل خائفا من هذا اليوم مدركًا لخطورته وعظمته، إننا لو قدّرنا هذا اليوم حق قدره وعرفنا هوله وشدته مَا هنأنا بعيش ولا تلذذنا بدنيا.

يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهل ومن أوطان

يوم تشققتِ السماء لِهوله وتشيب فيه مفارق الولدان

يوم عبوسٌ قمطريرٌ شره في الْخلق منتشر عظيم الشان

ينبغي ـ إخوة الإيمان ـ أن لا نغامر بمصيرنا الذي سيقرر في هذا اليوم العظيم، لا نغامر به في سبيل هذه الدنيا الفانية؛ لأن الإنسان سيعلم القيمة الحقيقية لهذه الدنيا يوم القيامة، ويتمنى النجاة بكل ما في الدنيا، فلا يعطى ذلك، عن أنس قال: قال رسول الله: (( يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم، فيقول الله: كذبتَ، قد أردتُ منك أهون من ذلك، قد أخذتُ عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك ) )متفق عليه.

فاتقوا الله عباد الله، واستعدوا لهذا اليوم بإخلاص العمل وحسن الاعتقاد وأكل الحلال ورد المظالم واسترضاء من أخطأتم في حقه من الخلق، ولا تأخذكم العزة بالإثم، فهذا أوان الاستدراك، وهذا أوان الرجوع.

اللهم خذ بأيدينا إلى البر والتقوى، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت