الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار
مصطفى ابن سعدة
مليانة
السلام
1-الحث على فعل الخيرات واجتناب المنكرات. 2- نعيم الجنة. 3- قرب الجنة والنار من العبد. 4- شكر الله تعالى على استقلال الجزائر. 5- التحذير من الكفار والفجار.
وبعد: أيها المسلمون، اتقوا الله سبحانه، وافعلوا ما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه، فإن الرحيلَ إلى الدار الآخرة قريب، وهناك ينقسم الناس إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: فَرِيقٌ فِى ?لْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ?لسَّعِيرِ وَلَوْ شَاء ?للَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً و?حِدَةً وَلَـ?كِن يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ وَ?لظَّـ?لِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ [الشورى:7، 8] .
عباد الله، استكثروا من الخير والعمل الصالح، وحافظوا على الصلوات، وأدّوا الواجبات، واتّقوا المحرمات، لتفوزوا بجنة عرضها الأرض والسماوات. إنَّ دخول الجنة أعظم فوز وأكبر نجاح، قال تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] ، وإنَّ الخسران الأكبر والغبن الحقيقي لمّا يخسر العبد في الآخرة فلا يكون من أهل الجنة: قُلْ إِنَّ ?لْخَـ?سِرِينَ ?لَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ?لْخُسْرَانُ ?لْمُبِينُ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ ?لنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذ?لِكَ يُخَوّفُ ?للَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ي?عِبَادِ فَ?تَّقُونِ [الزمر:15، 16] .
إنّها الجنة عباد الله، التي وعد الله بها عباده الصالحين والمؤمنين: جَنَّـ?تِ عَدْنٍ ?لَّتِى وَعَدَ ?لرَّحْمَـ?نُ عِبَادَهُ بِ?لْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلَـ?مًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ ?لْجَنَّةُ ?لَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا [مريم:61-63] ، الجنة الدار الكريمة، ذات الدرجات والطبقات العالية، والغرف المبنية، وأبوابها ثمانية، أرضها فسيحة، وأرائكها مريحة، وريحها طيبة، توجد من مسيرة مائة عام، أخرج الترمذي والنسائي وأحمد أن رسول الله قال: (( إن ريحَها ليوجد من مسيرة مائة عام ) )، وظلالها وفيرة وطعامها لذيذ، وشرابها هنيء، قال تعالى: إِنَّ ?لْمُتَّقِينَ فِى ظِلَـ?لٍ وَعُيُونٍ وَفَو?كِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ [المرسلات:41، 42] ، وقال أيضًا جل في علاه: مَّثَلُ ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى وُعِدَ ?لْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ?لأنْهَـ?رُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى? ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّعُقْبَى ?لْكَـ?فِرِينَ ?لنَّارُ [الرعد:35] . ومهما ذكر من وصفها وأخبر عن حسنها فلن يستطيع عقل الإنسان أن يدرك ويقف على حقيقة عظمة نعيم الجنة، وعظيم خيراتها وثمارها، وبهاء قصورها ولذة طعامها وشرابها، وغير ذلك، أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] ) )، فكلّ ما فيها تقرّ بها أعين المؤمنين، وينسَون بعظيم نعيم الجنة الشدائدَ والمحن والبؤس والآلام التي مرّت بهم في الدنيا، أخرج مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( يؤتي بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا ـ والله ـ يا رب. ويؤتى بأشدّ الناس بؤسًا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مرّ بك من شدة قط؟ فيقول: لا ـ والله ـ يا رب، ما مرّ بي من بؤس قطّ ولا رأيت شدة ) )، فاصبر ـ يا هذا ـ فلا فرح ولا حزن يدوم، وغدًا على ربّك القدوم، إمّا إلى الجنة فتنسى جميعَ الأحزان والهموم، وإمّا إلى النار فتزداد غمًا بالعذاب والزقوم. الجنة الآن قريبة منك، فلا تضيّعها ولا تخسرها، أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك ) )، ومعنى الحديث أن الجنة والنار قريبتان من كلّ عبد، مثل شراك النعل، وهو الخيط على ظهر النعل، ووجه الشبه والقرب أن يسيرا من الخير قد يكون سببًا لدخول الجنة، وقليلًا من المنكر قد يكون سببًا لدخول النار، فينبغي الرغبة في كل أسباب الجنة، وتجنّب جميع أسباب النار، وهذه الخطبة ترغّب في الجنة في انتظار الحديث عن أوصاف الجنة لعلّ الله سبحانه يهدينا للعمل لها والسعي والاجتهاد لطلبها، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، سيد البشر، والشافع المشفع في أرض المحشر، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، صلى الله عليه وآله وأصحابه وأتباعه وأهل سيرته وسنته وطريقته ونهجه إلى يوم الدين.
وبعد: أيها المسلمون، تمرّ على بلادنا ذكرى وطنيّة وهو استعادة الشعب المسلم استقلالَه وحريته وسيادته، بعد أن رفع راية الجهاد في سبيل الله من أجل الدفاع عن الوطن المسلم في وجه فرنسا الصليبية الكافرة، فنحمد الله سبحانه على توفيقه ونصره، قال تعالى: وَ?ذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ?لأرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ?لنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مّنَ ?لطَّيّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26] .
لقد عانت أمتنا معاناة شديدة تحت وطأة الاستعمار، ذاقت العذاب والاضطهاد، والظلم والاستعباد، ولكن ولله الحمد بفضل الله عز وجل ثم بفضل رجال مخلصين أهل الشجاعة وحب الوطن والدين، نصرهم الله على الكافرين والظالمين، فنسأل الله سبحانه أن يجزل لهم المثوبة يوم الدين، ويرحم الشهداء المخلصين.
عباد الله، ليس هناك أمة إلا وتحبّ وطنها وتعزّ بلادها وتحميه من أعدائها، وليس عيب أو حرام أن يحبّ المسلم بلده، بل العيب والحرام في خيانة الأمة والبلاد، الحرام في النفاق وعدم الإخلاص في حفظ أمانة الشهداء رحمهم الله تعالى الذين أدّوا واجبهم، واليوم بلادنا تحتاج إلى رجال مخلصين أوفياء ليحفظوا لهذه الأمة عقيدتها ودينها، ووحدتها واستقرارها أمام المؤامرات الصليبية لزعزعة أمن واستقرار بلادنا الطيبة، فنصحًا لله ولرسوله وللمؤمنين تمسكوا ـ عباد الله ـ بدينكم، والتزموا هدي نبيكم ، وكونوا عباد الله إخوانًا، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، إياكم وسبيل الفرقة والفتنة والنزاع، قال تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَ?لَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَ?خْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ?لْبَيّنَـ?تُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105] ، إذا رأيتم من يخرب الديار وينشر الفتنة والدمار فلا تكونوا مثله، بل كونوا ـ رحمكم الله ـ تسعون إلى الخير، وتبنون المستقبل، وتبعثون الحياة والبسمة والأمل، ثم من الاستقلال الذي من أجله دافع وقدّم المجاهدون أرواحهم في سبيل الله أن تحافظَ الأمة على دينها ومقوّماتها وشخصيتها العربية الإسلامية أداء للأمانة وحفاظًا عليها، قال تعالى: ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ?للَّهَ وَ?لرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـ?نَـ?تِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27] .
يجب أن لا تسلك الأمة سبيل الكفار والفرنسيين الذين طردتهم وحاربتهم، أن لا تقلدهم وتتبع وجهتهم وتقدس نظامهم وأفكارهم، لقد استقللنا من وجودهم، ولكننا لم نستقل من عاداتهم وأفكارهم وثقافتهم، فنسأل الله سبحانه أن يهدينا إلى سبيله، ويحفظنا بدينه، ويجمع شملنا.
اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضاه، اللهم اهدنا واهد بنا ويسر الهدى لنا، اللهم تب علينا وأصلح حالنا واغفر لنا ذنوبنا، اللهم اجعل بلدنا آمنًا مطمئنًا طيبًا مباركًا سخاء رخاء زاهرًا مزدهرًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على أفضل رسلك وخاتم أنبيائك محمد وآله وصحبه أجمعين، وألحقنا بالصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.