فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 5777

الابتداع في الدين

قضايا في الاعتقاد

البدع والمحدثات

عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري

المدينة المنورة

قباء

كمال الدين وشموله والأدلة على ذلك , وعدم حاجته إلى زيادة فيه - محاسن الدين -

الواجب تجاه الدين - الابتداع في الدين , معناه وخطورته

أما بعد فإن الله تعالى لما أرسل على رسوله صلى الله عليه وسلم البشارة بإكمال الدين وهي قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا [المائدة:3] . عرف بذلك أن هذا الدين لا يحتاج إلي رقابة أو زيادة من أحد فقد بلغه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم البلاغ فجزاه ربه عن أمته خير الجزاء, ديننا والحمد لله كامل شامل بنيت عقيدته علي التوحيد وتميزت بالوضوح والنقاء وبنيت شريعته على العدل والإحسان وتميزت بالكمال وبنيت حركته علي الدعوة والجهاد وتميزت بالرحمة والقوة, مصادره ثابتة صافية لا اضطراب فيها ولا خلل ولا نقص ولا غموض لأنها مصطفاة من وحي رب العالمين القرآن والسنة والطريق إلي معرفة هذا الدين واضحة بينة وهي العلم والتفكير وإعمال العقل لفهم المصادر الربانية التي أنزلها اللطيف الخبير سبحانه وتعالى.

ديننا والحمد لله أحكمت آياته وسرائره وسننه وعقيدته وشريعته لا غموض فيه ولا رواسب ولا مجال فيه للأهواء ولا للآراء أن تلعب فيه كما لعب أحفاد اليهود ورهبان النصارى في دينهم.

إن صفتي الكمال والشمول من أعظم خصائص هذا الدين فإنه يبدأ بأعظم شيء وأعلى شيء وهي عقيدة لا إله إلا الله ثم ينظم بشرائعه وآدابه كل شيء في حياة الإنسان لا يهمل صغيرة ولا كبيرة ينتظمها كلها في حماه الواسع الكريم حياة كاملة كريمة. إن الدين ينظم جميع علاقات هذا الإنسان التي تتكون من شبكتها حياته اليومية بل حياته كلها وعمره كله, ينظم علاقات هذا الإنسان بالخالق سبحانه وتعالى وعلاقته بالمخلوقين ينظم علاقاته بالناس أفرادًا وجماعات يدخل في ذلك العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية والعلاقات السياسية والدولية والفكرية والثقافية ينظم ذلك كله بشرعه وآدابه.

فما على الإنسان إلا أن يتعلم هذا الدين ويتعلم شرائعه وآدابه فيجد فيها ما ينظم فيه سائر شؤون حياته لا حاجة بهذا الإنسان إلي أن يحدث من القوانين ما ينظم به شئون حياته فإن في هذا الدين ما هو كفيل بهذا كله ولكن أعجب ما في أحوال هذا الإنسان إعراضه عن تعاليم هذا الدين وعن معرفة شرائعه وآدابه حتى إذا أعوزته الحاجة فيما يتصل به في شؤون حياته أو بعض شؤون حياته ذهب يبتغي إلى ذلك سبيلًا غير سبيل الله الخالق الحكيم والخالق أعلم بخلقه ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [ الملك:14] .

وأسوأ من هذا الإنسان أولئك الذين سلكوا مسلكًا من أعظم المسالك خطرًا وهو الزيادة في الدين واستحسان ما لم يستحسنه الشارع الحكيم وهذا هو ما يسمى بالابتداع , فإن الابتداع في الدين هو إحداث أمر ديني على غير مثال سابق ومعنى ذلك أن يحدث الإنسان قولًا أو فعلًا وينسبه إلى الدين وليس من الدين فلا حجة لديه تثبت أن الدين أمر بذلك أو أن الرعيل الأول فعلوه, ومعنى أن ينسبه إلى الدين أن يعتقد أنه قربى مما يتقرب به إلى الله تعالى ويوهم الناس بذلك, فالعبادة مثلًا بجميع صورها من صلاة أو صيام أو نسك أو غير ذلك قد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نوافلها وفروضها وشرح طريقة أداء كل منها وفسر ذلك وبينه أتم البيان, لم يؤخر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيان عن وقت الحاجة فإذا جاء إنسان بعد ذلك فزاد عبادته وزعم أنها مما يتقرب به إلى الله فليثبت الحجة أنها مما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله الصحابة الكرام وإلا فإن عبادته التي زادها بدعة وهو مبتدع ضال وإن كانت نيته صحيحة سليمة وأنه يتقرب إلى الله تعالى فإن النية هنا لا تشفع للمبتدع أبدًا.

أيها المسلمون: إن الابتداع في الدين أمره خطير وقدره جسيم وذنبه عظيم بل إن العلماء اعتبروا الابتداع في الدين ذنبًا أعظم من الكبائر وقد يجر الابتداع في الدين أصحابه إلى الكفر والإلحاد وإلى مناصبة السنة العداء, إن الابتداع في الدين من أشد الذنوب ضررًا بعد الإشراك بالله تعالى لأن جرمه لا يقتصر على صاحبه بل يتعداه إلى الأمة فيفسد عليها دينها ويشوش عليها عقيدتها ويشوش عليها شريعتها وبذلك كان الابتداع في الدين من أشد الذنوب ضررًا بعد الإشراك بالله تعالى وسوف نكمل هذا الجزء في مسائل إن شاء الله تعالى نبدأ منها اليوم بالمسألة الأولى وهي: أن في الابتداع في الدين إخلالًا لعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله فإن فيها اتهامًا لسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قصر في بلاغه وبقى شيء من الدين لم يدل الناس عليه وهذا نقض للجزء الثاني من لا إله إلا الله محمد رسول الله, فإن شهادة المبلغ بأن محمدًا رسول الله إيمان واعتقاد منه بأن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي مرسل من ربه وأنه بلغ رسالات ربه وأدى الأمانة كاملة والجزاء من المبلغ بمتابعة هذا النبي الكريم , ففي الابتداع وفي الزيادة في الدين إخلال بركن المتابعة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم وإخلال بالاعتقاد بأنه أدى الرسالة كاملة وبلغ أتم البلاغ , قال الإمام مالك إمام دار الهجرة إمام هذه المدينة النبوية في عصر التابعين قال:"من ابتدع في الإسلام بدعة يرى أنها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله تعالى يقول: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة:3] . وما لم يكن يومئذ دينًا فما يكون اليوم دينًا"رحمه الله.

ما لم يكن دينًا في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يتنزل عليه من ربه فكيف يكون اليوم دينًا وقد انقطع الوحي وكثرت الفتن واشتدت الغفلة.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أشد رحمته وشفقته بالأمة والله ما ترك خيرًا إلا بلغها به ولا شرًا إلا حذرها منه وسكت عن أشياء رحمة بها وليس نسيانًا من الشارع الحكيم , قال صلى الله عليه وسلم: (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ) ) [1] . صلى الله وسلم وبارك عليه.

[1] رواه الدار قطني (4/182/184) .

والطبراني في الكيبر (22/589) .

والبهقي (10/12-13) .

والنووي في الأربعين النوويه حديث رقم (30) .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت