فهرس الكتاب

الصفحة 1875 من 5777

الصديق والصاحب والجليس

الرقاق والأخلاق والآداب

الآداب والحقوق العامة

خميس بن سعد الغامدي

الرياض

ذات النطاقين

1-أهمية الصحبة وأثرها. 2- أثر الصحبة السيئة. 3- المرء على دين خليله. 4- التحذير من

صحبة الأشرار. 5- العزلة خير من جليس السوء.

سنتعرض في هذا اليوم لموضوع مهم بالغ الأهمية؛ مهم لأن به فلاح الدنيا وكذا الآخرة، ومهم لأنه متعلق بالدرجة الأولى بعماد الشعوب ومصدر قوة الأمم، متعلق بلبنات البناء ودعائم الرسل، متعلق بالشباب. مهم لأنه يطرح في وقت ممتلئ بالفراغ.

هذا الأمر هو بالغ الأهمية نظرًا لاهتمام الإسلام به، إنه موضوع الصحبة الذي أطرحه اليوم، وفي يوم من أيام الإجازة الصيفية. نطرحه لكثرة الأصحاب وقلة الصالح منهم.

أيها المؤمنون: إن الصحبة والصداقة لها معانٍ سامية وفضائل عالية تتميز بالسجايا الكريمة والصفات النبيلة. فالصديق ما سمي صديقًا إلا لصدقه في المحبة، والخليل ما سمي خليلًا إلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللًا إلا ملأته.

ولكن هل كل من يدعي أنه صديق فهو صديق؟ وهل الجليس والصاحب والصديق يمكن إيجاده بكل سهولة؟!

أيها الأحبة: إن الجليس والصاحب له أثر كبير، بل ومباشر على جليسه ومصاحبه، ولذلك اعتنى الإسلام بجانب اختيار المجالس والمصاحب الصالح، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن الجليس المصاحب أثره ظاهر على المرء ونتائجه سريعة الظهور. فما من صديق تجالسه إلا وتكتسب منه حسبما يمتلئ به إناؤه. ففي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة ) ).

أيها الناس: لا نكاد نرى اليوم شابًا إلا وله الجلساء الذين يؤثرون في خلقه وسلوكه بل ومظهره بل وحتى علاقته بوالديه وإخوته وأخواته في البيت، فإن كانوا جلساء خير وصلاح لاشك أنك ستلحظ على الشاب سلوكًا سويًا وخلقًا متميزًا، وإن كان الجلساء من جلساء صكات الورقة وجلسات الأرصفة وسهر الليالي الطوال وإضاعة الصلوات فلا شك أن الشاب سيظهر عليه كل سلوك سيئ وكل خلق منحط.

ولكم أيها الإخوة أن تسألوا أهل السجون كيف وصلوا إلى قضبان الحديد، وكيف وضعت في أيديهم وأرجلهم القيود، إنهم بلا شك بواسطة أصدقاء السوء.

اسألوا أهل الدخان والحشيش والهروين كيف وقعوا في ذلك؟

أيها الشاب: إن صديق السوء لو لم تجني منه إلا السمعة السيئة لكفاك سوءًا. وصديق الصلاح لو لم يصلك منه إلا السمعة الحسنة لكفاك.

ولذلك روى أبو داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه: (( مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك، إن لم يصبك منه شيء أصابك منه ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه ) ).

أيها المسلمون: ما من صاحب إلا وهو من جنس من يصحب، وعلى الأقل في أعين الناس. من يصاحب الأخيار اعتبر منهم، ومن يصاحب أهل المخدرات فهو منهم ومن يصاحب أهل الفسق فهو منهم، ولذلك روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) ). ورويا كذلك عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله وسلم قال: (( لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ).

إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصاحب الأردي فتردى مع الردي

عن المرء لا تسأل وسأل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

أيها الشباب: يجب عليكم اختيار الصديق من الناس كما تختارون الجميل من المظاهر، واللذيذ من الطعام، والسائغ من الشراب، فإن أهل الشر والدناءة لا يدخرون لكم إلا شرًا ودناءة، واعلموا أنه ليس كل من كان جميل اللسان عذب الكلام دائم الابتسامة بصديق، فلربما أعجبك ملمس الثعبان ولكنه ربما لدغك، فكم من شاب قاده صديق السوء إلى السجن.

واحذر مؤاخاة الدنيء لأنه يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُ

واختر صديقك واصطفيه تفاخرًا إن القرين إلى المقارن ينسب

معاشر المسلمين: يظن بالمرء ما يظن بقرينه، وما من شئ أدل على شئ ولا حتى الدخان على النار من الصاحب على الصاحب. فما دام الأمر كذلك فعلينا أن نعلم أبناءنا صفات الصديق الصالح ونسعى إلى عونهم في البحث عنهم، فإنهم عون لهم في الدنيا وخير لهم في الآخرة. فالقرين والصاحب إما دال إلى الجنة وإما سائق إلى النار، واسمعوا إن شئتم قوله سبحانه: وَقَالَ قَرِينُهُ هَـ?ذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّـ?عٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ?لَّذِى جَعَلَ مَعَ ?للَّهِ إِلَـ?هًا ءاخَرَ فَأَلْقِيَـ?هُ فِى ?لْعَذَابِ ?لشَّدِيدِ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـ?كِن كَانَ فِى ضَلَـ?لٍ بَعِيدٍ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِ?لْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ?لْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ?مْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق:23-30] .

أيها المسلمون: الصاحبَ الصاحبَ الصديقَ الصديقَ ، لا تهمل ابنك ومن ولاك الله أمره فيتخذ الأشرار أصحابًا، فوالله إن مآله الهلاك في الأخرة أما في الدنيا فسجون وضياع أعمار بل وربما سيف يقع على الرقاب.

ولك أن تنظر إلى الشوارع في آخر الليالي لترى أثر أصحاب السوء.

ولنعلم أن الوحدة والعيش منفردًا خير من صحبة شرير يضحكك ساعة ويجعلك تبكي بقية عمرك، تبكي في غياهب السجون.

إذا لم أجد خلًا تقيًا في وحدتي فوحدتي ألذ وأشهى من غويّ أعاشره

وأجلس وحدي للعبادة آمنًا أقر بعيني من جليس أحاذره

يقول عمر بن الخطاب: (وحدة المرء خير من جليس السوء) .

لم ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت