فهرس الكتاب

الصفحة 4449 من 5777

أحوال المسلمين

العلم والدعوة والجهاد

المسلمون في العالم

محمد بن راشد الرشيدي

خيبر

جامع التقوى بالثمد

1-الفرق بيننا وبين السلف الصالح. 2- صور العزة والكرامة في سلفنا الصالح. 3- سبب عزة المسلمين في الماضي. 4- حال المسلمين اليوم. 5- سبب ذل المسلمين. 6- الطريق إلى النصر والتمكين. 7- حرص الكفار على إضلال المسلمين. 8- كلمة للشباب المسلم.

عباد الله، إن من تدبّر أحوال المسلمين في أيام مضَت وأحوالهم في هذه الأيام ليرى الفرق الشاسع والبونَ العظيم بين الحالين، لقد كان المسلمون في الماضي أعزة منتصرين، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، لم يستعص عليهم بلد، ولم يقف أمامهم جيش، مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، ومع هذا كله فإنهم لم يتركوا بلدًا إلا فتحوها، كانوا يخرجون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم لنصرة هذا الدين.

هذا ربعي بن عامر رضي الله عنه يقف أمام ملك الفرس بكل عزة وفخر يقول: (أتينا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ظلم الأديان إلى عدالة الإسلام) . وهذا عقبة بن نافع رضي الله عنه يقف على أطراف المحيط الأطلسي بعد أن فتح بلاد المغرب ويقول: (والله، لو أعلم أن وراء هذا البحر أرضًا لخضته غازيًا في سبيل الله) .

ولا تزال صور العزة والكرامة في تاريخ هذه الأمة تتجدّد صورة بعد صورة وعصرًا بعد عصر، فهذا المعتصم رحمه الله تستنجد به امرأة مسلمة آذاها أحد النصارى في عمّورية، فما كان منه إلا أن قال وبكل عزة وشهامة:"والله، لا يمسّ شعر رأسي غسل من جنابة حتى أفتح عمّورية"، فجهز جيشه وفتح عمورية، وجعل ذلك الرجل الذي آذى المرأة عبدًا عندها.

فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب

وهذا صلاح الدين الأيوبي رحمه الله يستنجد به الأقصى بعد أن لوّثه النصارى، فيجهز جيشه، ومنع الضحك في جنوده، وسار إلى الأقصى بكل عزة وشجاعة، فطهره من أنجاس النصارى، ورده إلى بلاد المسلمين.

هكذا كان المسلمون في الماضي، أعزة منتصرين، لا يعتدي على كرامتهم أحد كائنا من كان، فكيف نالوا هذه العزّة وتلك الكرامة؟! والله، ما نالوا تلك العزة والكرامة إلا لأنهم تمسكوا بدين الله، وأعزوه في أنفسهم، وقدموه على كل شيء، فأعزهم الله ونصرهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] . لقد كانوا يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله، ويتسابقون إلى بذل المال في سبيل الله، كانوا يتسابقون إلى المساجد وحلقات العلم والإيمان، فأعزهم الله ونصرهم وسخّر لهم جنود السماوات والأرض بقدرته.

عباد الله، وفي هذه الأيام تبدلت أحوال المسلمين، فتبدلوا بعد العزّ ذلًا، وبعد الكرامة مهانة، وبعد النصر هزيمة، يقتلون ويشرَّدون، يعتدَى على ديارهم وتسبَى نساؤهم. هذه الأندلس صارت ديارًا للنصارى بعد أن كانت إحدى بلاد المسلمين، وهذه القدس أولى القِبلتين وثالث المسجدين ومعراج النبي ، الأرض التي بارك الله حولها، التي هي منبع الرسالات وأرض النبوات، هذه اليوم في أيدي اليهود، يقتلون فيها المسلمين، ويخربون ديارهم، ويشردون أطفالهم، والمسلمون يتفرجون أذلة صاغرين كأنهم لا حول لهم ولا قوة. وصار حال المسلمين في كثير من بقاع الأرض شرّ حال.

أحلّ الكفر بالإسلام ضيمًا يطول به على الدين النحيب

فحقّ ضائع وحمى مباح وسيف قاطع ودم صبيب

وكم من مسلم أمسى سليبًا ومسلمة لها حرم سليب

وكم من مسجد جعلوه ديرًا على محرابه نصب الصليب

دم الْخنزير فيه لهم خَلوق وتحريق الْمصاحف فيه طيب

أمور لو تأملهن طفل لطفل فِي عوارضه المشيب

أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش المسلمين إذًا يطيب

أما لله والإسلام حقّ يدافع عنه شبان وشيب

فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا

نعم، هكذا تسلط الكفار على المسلمين في هذه الأيام، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح: لماذا صار المسلمون إلى هذه الحال من الذلة والصغار بعد تلك العزة والكرامة التي كانوا عليها؟! والله، ما صاروا إلى هذه الحال إلا لأنهم ضيعوا أمر الله فضيعهم، وطلبوا العزة من غيره فأذلهم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) . ووالله، لو تمسك المسلمون بدينهم حق التمسك لما صاروا إلى هذه الحال، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

نعم إخوة الإسلام، لما ضيعنا أمر ربنا وأهملناه وأشغلتنا الدنيا عن الانتصار له والدفاع عنه صرنا إلى هذه الحال، لما استبدل شبابنا المساجد بالملاعب والشوارع أصابتنا الذلة والمهانة، لما استبدلنا أشرطة القرآن وحلقات الذكر بالأغاني والجلوس أمام الشاشات والمباريات صرنا إلى هذه الحال، لما استبدلنا الصدقة والجهاد بالزرع وأكل الربا صرنا إلى هذه الحال، وهذا مصداق قول النبي: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) )، وقول النبي: (( توشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ) )، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ؟! قال: (( لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ويسلط عليكم الوهن ) )، قالوا: وما الوهن؟ قال: (( حب الدنيا وكراهة الموت ) ).

نعم والله، هذه حال الأمة اليوم؛ غثاء متشتتين، أحبوا الدنيا وأبغضوا الجهاد في سبيل الله، فاجتمعت الأمم على قتالهم، فوالله لا عزّ لنا ولا نصر إلا بهذا الدين، فإذا تمسكنا به حق التمسك وأقمناه في أنفسنا وفي بيوتنا وبين أبنائنا وبناتنا فوالله سننتصر على أمم الأرض كلها، وقد تكفل الله لنا بذلك، فقال جلّ وعلا: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] .

ولنا في سلفنا الصالح القدوة الحسنة والسيرة الغراء، فمع قلة عددهم وكثرة أعدائهم فقد نصرهم الله، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها؛ لأنهم أعزوا هذا الدين، وضحَّوا بكل شيء في سبيله، فنصرهم الله وأعزهم.

يا أمة الإسلام لن تتسنمي رتب العلا بالْمال والأحساب

لن تسلكي درب الخلاص بمدفع وبكثرة الأعوان والأصحاب

لن تبلغي إلا بنهج صادق وتعلّق بالخالق الوهاب

تفنى الجيوش وتنتهي آثارها وننال بالإيمان عز جناب

تفنَى القوى مهما تكاثر عدها وتظل قوة ربنا الغلاب

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفوته من خلقه، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فلقد أدرك الكفار سبب نصرة المسلمين في الماضي، وعرفوا أنهم ما انتصروا عليهم إلا بهذا الدين، وإلا فهم أكثر منهم عددًا وعدة، ولكن هذا الدين هو سبب نصرهم، فوضعوا أول أمر حتى ينتصروا على المسلمين هو أن يبعدوهم عن ربهم وعن دينهم، فينتصروا عليهم بقوتهم المادية، وأصبح همُّ هؤلاء الكفار ليس قتال المسلمين بالأسلحة، بل هو إبعاد المسلمين عن دينهم، فإذا حققوا ذلك قاتلوهم وانتصروا عليهم بكل سهولة.

وقد بدؤوا هذا المخطط بإفساد شباب الإسلام وإبعادهم عن دينهم، فركّزوا على الشباب والنساء خاصة حتى يضلوهم ويبعدوهم عن دينهم، يقول أحد قادة التنصير:"إن مهمتكم التي ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية هو أن تخرجوا المسلم من الإسلام، فيصبح مخلوقًا لا صلة له بالله"، ثم يقول بعد ذلك:"لقد أعددتم نشًا لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، فجاء النشء الإسلامي مطابقًا لما أردتم، لا يهتم بعظائم الأمور، يحب الراحة والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، حتى أصبحت الشهوة هدفه في الحياة".

نعم يا شباب الإسلام، هكذا أراد الكفار من شباب الإسلام؛ أن يبعدوهم عن دينهم ويشغلوهم بالشهوات والأمور المحرمة عن طريق الإعلام الفاسد من تلفاز ودش وأفلام ومجلات خليعة، حتى لا يهتموا لأمر دينهم وعقيدتهم، شغلوهم بالأمور التافهة كالرياضة واللعب والأغاني، حتى صارت الرياضة هدف كثير من شباب المسلمين، بها يفرحون، وعليها يحزنون، ولها يحبون ويكرهون. أما النساء فشغلوهن بالأزياء والموضات، حتى أصبح كثير من البنات لا هم لها إلا لباسها وزينتها وأن تفتن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد حرص هؤلاء الكفار على نزع حجاب المرأة حتى تكون فتنة للمسلمين، يقول أحد المستشرقين:"لن يستقيم حال الشرق حتى ننزع حجاب المرأة ونغطي به القرآن"، ويقول كافر آخر:"كأس وغانية تفعل بالأمة المحمدية ما لا يفعل ألف مدفع".

نعم يا شباب الإسلام، هذا ما أراده الكفار بكم، فهل نقول لهؤلاء الأعداء: نعم سنسير كما تريدون ونتبع أهواءكم، أم نقول لهم: كلا وحاشا سنبقى على ديننا متمسكين بعقيدتنا مهما فعلتم وأردتم؟! فلنقف لهم بالمرصاد، ولنضحِّ بكل شيء من أجل ديننا، فوالله إن تمسكنا بديننا فسوف نجد السعادة والعزة والحياة الطيبة السعيدة، وسننتصر على أمم الأرض كلها، وعد من الله، والله لا يخلف وعده.

يا فتية الإسلام هذا يومكم هيا بأخلاق النبي تَخلّقوا

فكوا الحجاب عن العيون فباطل ما يدعيه مغرب ومشرّق

أدوا الأمانة قبل أن لا تملكوا إلا البكاء وحرقة الأكباد

وتوغلوا في كل درب نافع لا تتركوا الميدان للأوغاد

تأتِي البشائر بعد طول مشقة كالغيث بعد البرق والإرعاد

يا شباب الإسلام، والله إن هذا الدين سيبقى على مر الأيام والسنين، فإذا لم ننتصر له نحن وندافع عنه فسوف يهلكنا الله ويستبدل قومًا غيرنا لينصروا دينه ويدافعوا عنه، قال تعالى: إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة:39] .

يا شباب الإسلام، نريد شبابًا مؤمنين حقًا، يضحون بأموالهم وأنفسهم من أجل هذا الدين، شبابًا لا تشغلهم الملاهي ولا الشهوات عن طاعة الله وطاعة رسوله ، شبابًا تربوا في المساجد وفي حلقات العلم والإيمان.

لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفِساحْ

في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصِّحاحْ

شعب بغير عقيدة ورقٌ تذريه الرياحْ

من خان حي على الصلاة يخون حيّ على الكفاح

نريد شبابًا يفتخر بهذا الدين ويعتز به، تتجلى فيه آداب الإسلام وأخلاقه، ويعكس للعالم كله الصورة الحقيقية للمسلم الحق. نريد شبابا قدوتهم النبي وصحابته الكرام.

شباب ذللوا سبل المعالِي وما عرفوا سوى الإسلام دينًا

إذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا

وإذا جن الْمساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا

شباب لم تحطمه الليالي ولَم يسلم إلَى الخصم العرينا

وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لُحونا

وما عرفوا الْخلاعة فِي بنات وما عرفوا التخنث في بنينا

كذلك أخرج الإسلام قومي شبابًا مخلصًا حرًا أمينا

وعلمه الكرامة كيف تبنى فيأبَى أن يذل وأن يهونا

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يصلح أحوال المسلمين وأن يردهم إلى الحق ردًا جميلًا.وصلوا على النبي المصطفى والرسول المجتبى، فقد أمرنا الله فقال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت