الرقاق والأخلاق والآداب, فقه
الديون والقروض, فضائل الأعمال
صهيب بن محمود السقار
بنغازي
مسجد المشعر الحرام
1-عظم فضل التجاوز عن الدَّين. 2- فضل حسن القضاء. 3- الحث على الاقتداء بالنبي. 4- فضل إنظار المعسر والإسقاط عنه. 5- صور مشرقة من مداينات السلف الصالح.
لا ينبغي أن يحرم المتديّنون وعمار المساجد من الأجر العظيم الذي كتبه الله تبارك وتعالى على آداب الدين ومعاملاته، يجب أن نقف عند كل حرف من قول هذا الخبر عن نبينا محمد.
ذكر رسول الله رجلا كان مسرفا على نفسه، حوسب فلم يوجد له حسنة، فقيل له: هل عملت خيرا قط؟ فقال: لا إلا أني كنت رجلا أداين الناس فأقول لفتياني: سامحوا الموسر وتجاوزوا عن المعسر، فقال الله تعالى نحن أحق بذلك منه، فتجاوز الله عنه وغفر له.
هذا رجل مسرف على نفسه، ليس له من الحسنات إلا حسنة استخفّ بها لكن نبيّنا محمدا بين لنا أنها خلق عظيم في معاملة الناس، وأن الله تبارك وتعالى أولى أن يقابله بمثل ما عامل به عبيده من الإحسان، يقول النبي: (( أُتِيَ اللَّه بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ فقَالَ: يَا رَبِّ، آتَيْتَنِي مَالًا فَكُنْت أُبَايِعُ النَّاسَ فَإِذَا بَعَثْتُ غلامي في طلب حقوقي قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَاتْرُكْ مَا تَعَسَّرَ ) ).
استسلف النبيّ من رجل جملا بكرا صغيرا وقال: (( إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك ) )، فلما قدمت إبل الصدقة قال: (( يا أبا رافع، اقض هذا الرجل جمله ) )، ففتش أبو رافع عن جمل صغير في مثل سنّ الجمل الذي أخذه النبي فلم يجد، فقال: يا رسول الله، لم أجد إلا جملا رباعيا، فقال النبي: (( أعطه يا أبا رافع، فإن خير الناس أحسنهم قضاء ) ).
لما سمع الصحابة الكرام بهذا الهدي النبوي تمسّكوا به في معاملاتهم، أولئك السلف الذين كانوا يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين التقطوا من نبيّهم محمد أن خيارهم أحسنهم قضاء، فكانوا يرون أن من حسن القضاء أن يمشي المنتفع بالقرض قبل حلول الأجل إلى صاحب الحقّ والفضل، يشفقون على صاحب الفضل أن يتحمّل ذلّ المطالبة بحقه، أولئك الذين التقطوا من نبيّهم محمد أن خيارهم أحسنهم قضاء، ما كانوا يحبون أن يؤخّروا سداد الدين حتى يأتي أجله المحدّد، فإذا قدر أحدهم على سداد الدين قبل أن يأتي أجله بادر وسارع إلى سداده.
جاء أعرابي إلى رسول الله يطالبه بسداد ما له عليه، فقال له رسول الله: (( ليس عندنا اليوم شيء، فإن شئت أخرتَ عنا حتى يأتينا شيء فنقضيك ) )، فصاح الأعرابي: وا غدراه! فنهره الناس وقال له عمر بن الخطاب: قاتلك الله، أيغدر رسول الله ؟! فقال له رسول الله: (( دعنا يا عمر، فإن لصاحب الحق مقالا ) ).
نقرأ في سيرة نبيّنا محمد أنه استدان من يهوديّ وأعرابي، ونتساءل: وأين أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من أغنياء الصحابة الذي كانوا وأصحابه يتسابقون إلى تقديم الروح والمال بين يديه؟! كيف تركوا النبي يحتاج إلى الاستدانة من يهودي وأعرابي؟! والجواب: أن النبي استدان من أعرابي ويهودي ليشرع لأمته أحكام الدين، تحمل الأذى من يهودي وأعرابي حتى نقتدي به في أدب الإسلام وحضارته وذوقه الرفيع.
أقرض زيد الحبر اليهودي رسول الله إلى أجل معلوم، فلما اقترب الأجل تعجّل الحبر اليهوديّ قبل حلول الأجل بثلاثة أيام، وقدم على رسول الله وهو بين أصحابه، وأخذ بمجامع قميصه وردائه، وشد على رقبة النبي ونظر إليه بوجه غليظ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي؟! فو الله، ما علمتكم ـ يا بني عبد المطلب ـ إلا أهل ظلم ومطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ورسول الله يتبسم، أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يتحمل ما تحمله رسول الله، فقام إلى الحبر اليهودي وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير وقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع وتصنع به ما رأى؟! فوالله الذي بعثه بالحق، لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، فنظر رسول الله إلى عمر في سكون وهدوء وتبسّم ثم قال: (( يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن المطالبة، اذهب به يا عمر فأعطه حقه وزده عشرين صاعا من تمر بدل شدتك عليه ) ).
هذه سيرة الحبر اليهودي، وهذه سيرة سيد الخلق معه، وهذه ردة فعل عمر، فماذا ستكون ردة فعل الواحد منا إن قدر وجوده في زمان هذه الحادثة؟! من يهون عليه أن يرى يهوديا يجر نبينا محمدا من ردائه؟! من يصبر على يهودي يؤذي نبينا محمدا في أهله نسبه؟! يا من يغار على سيدنا محمد ، لا تضيعوا صبر نبيكم وحلمه وأدبه، من فاتته الغيرة على نبيه محمد ما فاته الاقتداء بهديه وأدبه وخلقه، ما فاته أن يأمر بحسن الأداء وحسن المطالبة، ما فاتك أن تكون في بذل الدَّين لغيرك أو سداده مثلا يقدر للنبي تضحيته وصبره على جفاء الأعراب، ما فاتك أن تكون في بذل الدين لغيرك أو سداده استمرارا لخلق النبي ، ما فاتك أن تكون في معاملاتك للآخرين تجربة طيبة مباركة تشيع بين الناس حضارة الإسلام وآدابه، لا نقبل أن نرى في أمة محمد من تضعف غيرته على نبيه محمد ، من حقنا أن نتهم بضعف الغيرة من ضيّع في معاملاته صبر نبيه محمد على جفاء الأعراب وغلظتهم. كيف يجمع المسلم بين دعوى الغيرة على نبيه وهو يجعل من معاملاته تجربة مريرة وعذرا يمنع به المعروف؟! كم من مسلم يَطلب من أحدهم قرضًا وهو يخفي في نيته وباطنه عدم الرغبة في السداد والقضاء! فمتى نسمتع إلى هدي نبينا محمد ونصحه؟! متى يلتحق المسلم بالذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه؟! ومن أحسن قولا من نبينا محمد لما قال: (( من أخذ دينا وهو ينوي قضاءه وكل الله به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه ) ). كيف يجمع المسلم بين دعوى الغيرة على نبيه وهو يأخذ قرضا يبيت في باطنه ونيته المكر والغدر وكأنه لم يسمع قول نبيه محمد: (( من ادّان دينا وهو ينوي أن يؤديه أدى الله عنه يوم القيامة، ومن استدان دينا وهو لا ينوي أن يؤدّيه فمات قال الله عز وجل يوم القيامة: ظننتَ أني لا آخذ لعبدي بحقه؟! فيؤخذ من حسناته فيجعل في حسنات الآخر، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات غريمه فجعلت عليه ) ).
المسلم إذا أخذ قرضا يبيت في باطنه ونيته المكر والغدر فهو الخاسر الأكبر، خسر وعد النبي لما قال: (( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله ) ). بلغنا عن نبينا محمد أنه قال: (( من أنظر معسرا أو ترك له أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ) ). بلغنا عن نبينا محمد أنه قال: (( من أنظر معسرًا أو ترك له حاسبه الله حسابًا يسيرًا ) ). يجب أن نقارن بين معاملاتنا ومعاملات سلفنا الذين بلغهم عن نبيهم عين ما بلغنا، أما سلفنا رضوان الله عليهم فقد استمعوا القول فاتبعوا أحسنه.
باع الحسن البصري بضاعة بأربعمائة درهم إلى أجل، فلما حل الأجل قال له المشتري: اسمح يا أبا سعيد، قال: قد أسقطت عنك مائة، قال له: فأحسن يا أبا سعيد، فقال: قد وهبت لك مائة أخرى، فقبض من حقه مائتي درهم، فقيل له: يا أبا سعيد، هذا نصف الثمن! فقال: هكذا يكون الإحسان وإلا فلا.
كان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه رجلا موسرا اقتدى بنبيه محمد فبذل ماله لإخوانه، ولما مرض قيس حنّ واشتاق إلى بعض إخوانه وعتب على بعض من تأخر عليه في زيارته وعيادته، فسأل عن سبب تأخرهم فقيل له: إنهم يستحيون أن يأتوك بسبب تأخرهم في سداد الدَّين الذي أخذوه منك، فقال: أخزى الله مالا يمنع عني إخواني من زيارتي، ثم أمر مناديا ينادي: من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل، فلما أقبل الليل كثر دخول الناس لزيارته حتى كسوا عتبة بابه.
السلف الذين تخرجوا في مدرسة محمد يقول فيهم الفضيل بن عياض رحمه الله:"ما كانوا يعدون القرض معروفا". قوم بلغهم عن نبيهم محمد أنه قال: (( من أقرض دينارًا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله، فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة ) ).
من بلغه عن نبيه أن المال الذي بذله دينا سيسترده ويكتب له به صدقة فكيف يعد الدين معروفا وفضلا؟! قوم فهموا عن نبيهم محمد فكان فيهم من لا يحب أن يسدّد له غريمه الدين لأجل هذا الوعد حتى يكون كالمتصدق بجميعه في كل يوم.
بعض المسلمين اليوم يحتال في صنع الأعذار والظروف ليأخذ الدين، أما سلفنا رضوان الله عليهم فقد كانوا يحتالون لدفع المال لمن يحتاجه. كان أحدهم يتلطف في إدخال السرور والرفق على إخوانه المتعففين، كان يضع عند أحدهم الحاجة ويقول له: أمسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل له أحد أعوانه ليقول له: أنت في حل مما تركناه عندك.
كان أبو سهل الصعلوكي من كبار العلماء العاملين، كان من الأجواد الكرام إذا طلب منه مسلم مالا لم يناوله إياه، وإنما كان يطرحه في الأرض فيتناوله الطالب من الأرض، فلما عوتب في ذلك قال: ليس في الدنيا ما يستحق أن أرى يد مسلم تحت يدي وقد قال النبي: (( اليد العليا خير من اليد السفلى ) ).
قدم رجل من قريش من سفر فمر على رجل من الأعراب على قارعة الطريق أضر به الفقر والمرض، فقال لغلامه: ما بقي معك من النفقة فادفعه إليه، فصب الغلام في حجر الفقير أربعة آلاف درهم، فتأثر الفقير وهمّ بالوقوف ليشكر القرشي، فلم يقدر من ضعفه ومرضه، فرجع إلى قعوده وجعل يبكي، فقال له الرجل: ما يبكيك؟! لعلك استقللت ما دفعناه إليك، فقال: لا والله، ولكني تذكرت الموت فأبكاني أن تأكل الأرض من كرمك.
كيف تغيرت مفاهيم المسلمين؟! صرنا نعد الإكثار من بذل الدَّين للمحتاجين من الإخوة والأرحام إسرافا، نحِنّ شوقا إلى مثل الحسن بن سهل من سلفنا رضوان الله عليهم، قيل له: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف في الخير. فقلب اللفظ وجمّل المعنى، فمتى يكون في بذل المال للإخوة والمحتاجين إسرافا؟!
هذا كلام نظري تجد تطبيقه في سيرة ابن شهاب شيخ الإمام مالك، كان ابن شهاب من أسخى التابعين، كان يعطي كل من جاءه وسأله حتى لا يبقي من ماله شيئا، فإذا لم يبق معه شيء تسلّف من أصحابه، فيعطونه حتى إذا لم يبق معهم شيء حلفوا له أنه لم يبق معهم شيء، فيستلف من عبيده، فإذا لم يجد شيئا تكدّر وتغير وجهه، فيقول للسائل: أبشر فسوف يأتي الله بالخير فلا تعجل. ومثل ابن شهاب إذا أحسن الظن بالله وجد الله عنده فوفّاه وقيّض له ما يبيض به وجهه عند السائل.
هذه سيرة لا ينبغي أن نكتفي باستعذاب سماعها، هذه سيرة يجب علينا أن نسعى بأنفسنا لإحيائها. المتديّنون وعمار المساجد أوّل من يجب عليهم إحياء سنة النبي ، لا ينبغي أن يقتصر المتديّنون وعمار المساجد من سنة نبيهم على الهيئة واللباس، أعظم من ذلك أجرا أن تقرن ذلك بإحياء خلُق النبي وأدبه في معاملاته؛ ولذلك قال المتقدمون:"لا يغرنك من المرء قميص رقعه أو إزارا فوق كعب الساق منه رفعه أو جبين لاح فيه أثر سجود قد قلعه، ولدى الدرهم فانظر غيّه أو ورعه".
يجب على المتدينين وعمار المساجد أن يتدبروا ترتيب الأوصاف التي مدح الله بها الصادقين المتقين، يجب أن نتأمل ترتيب المدح بالصلاة والزكاة، يقول الله تبارك وتعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.
الله تبارك وتعالى مدح الصادقين المتّقين بعد الإيمان بإنفاق المال مع حبه والحاجة عليه، الله تبارك وتعالى قدم المدح بالإنفاق على ذوي القربى واليتامى والسائلين على الصلاة والزكاة لينبه المتدينين وعمار المساجد على الاهتمام بالمعاملات المالية والإنفاق.
لم ترد.