فقه
الحج والعمرة
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
1-العلم قبل القول والعمل. 2- صفة الحج. 3- الحث على التكبير في عشر ذي الحجة. 4- من أحكام الأضحية.
أما بعد: فإن الواجب على المسلم أن يعبد الله على علم وبصيرة، لا يعبده على جهل وضلال، يجب عليه التعرف والسؤال عن أحكام دين الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يجب عليه تعلمه ومعرفته والعمل به ويعمل بذلك مخلصًا العبادة لله رب العالمين؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا له سبحانه وصوابًا على سنة رسوله محمد.
ومما يؤسف له في هذا الزمن الذي كثر فيه العلم الدنيوي والديني أيضًا نجد التطبيق العملي لبعض شعائر الإسلام من الصعوبة بمكان لدى كثير من المسلمين، وأكبر دليل على ذلك تلك الأخطاء والإشكالات التي تقع في مناسك الحج لكثير من الحجاج الذين لو اتبعوا المنهج القويم وسلكوا الطريق المشروع لما وقعوا فيما وقعوا فيه، ولما صعب عليهم أداء ذلك النسك وتلك العبادة المفروضة على من دخل فيها وعلى المستطيع إليها سبيلًا.
إذًا فالحج عبادة مفروضة كَأَيِّ عبادة أخرى، يجب على المسلم أن يتعلمها قبل الشروع والدخول فيها، وهي في غاية اليسر والسهولة، فعلى المسلمين أن يعرفوا ويتعلموا أحكام الحج أحد أركان الإسلام الخمسة الذي يجب على كل مسلم ومسلمة أداؤه مع الاستطاعة، وحتى يقوموا بأدائه على أكمل وجه وأفضله بإذن الله عز وجل فعليهم أن يعلموا ذلك ابتداءً ليسيروا على علم وبصيرة، وبذلك يكونون قد أراحوا أنفسهم وأراحوا غيرهم وعلموا معنى قول الله عز وجل في آخر سورة الحج: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] .
فعلى المسلم أن يتعلم ذلك وغيره، ومتى لم يعلم أي أمرٍ من أمور دينه فعليه أن يسأل أهل العلم امتثالًا لقول الله عز وجل: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7] ، ولقول رسول الله في الحج عند كل منسك: (( خذوا عني مناسككم ) ).
وأورد أعمال الحج مُلَخَّصَةً ومُسْتَقَاةً من كتب أهل العلم مع ذكر بعض الأدلة وليس كلها لأن زمن خطبة جمعة واحدة لا يتسع لها.
فإذا عزم المسلم على السفر للحج يستحب له أن يوصي أهله وأصحابه وأقاربه ومن يودّعه من المسلمين بتقوى الله عَزَّ وجلَّ كما هي الوصية بالتقوى أيضًا لنفسه في أي مكان وزمان، وهي وصية الله للأولين والآخرين بفعل الأوامر وترك النواهي واجتنابها، قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: 131] . ويجب عليه أنْ يكتبَ مَا لَهُ ومَا عَلَيْهِ من الدَّيْن ويُشْهِدَ على ذلك إذا كان الدين لم يحلَّ موعدُه أو حلَّ وسمح له صاحب الدين بالتأجيل، والسماح المقصود هنا والذي يتعلّق به كثير من الناس حسب مفهومهم هو للديْن الذي حلَّ موعدُه أو قَرُبَ وليس له مالٌ يُسَدِّدُ منه صاحبُ الدين، أو أن نفقة الحج كثيرة على الحاج لا يطيق بعدها أو معها سدادَ الدين، ففي هذه الأحوال هي التي لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ استئذان صاحب الدين، أما إذا كانت نفقةُ الحج قليلةً أو أن المدين لديه أموال سوف تسدد منها الديون أو أنَّ موعد سداد الدين بعد أشهر أو سنوات فهذا لا يمنع أي مسلم من أداء الحج كما اتخذ ذلك كثير من المسلمين حجةً لعدم تأديتهم الحج لدرجة أن بعضهم بلغ الستين والسبعين من عمره وهو لم يحج مع الاستطاعة وهو قريب من مكة المكرمة بحجة الدين القليل الذي عليه مع أنه يسافر الأسفار الطويلة والبعيدة ويصرف فيها أضعاف ما يصرف في الحج ولا يسأل عن ذلك ولا يحتجّ بالدين الذي عليه ولا يستأذن صاحب الدين كما يدعي ويزعم، والمقصود بالدين في الحج والجهاد في سبيل الله وغيرهما هو الاهتمام بأمر الدَّين وقضائه؛ لأن الميت يبقى معلقًا به حتى يُقضى عنه، والشهيد يُغفر له عند أول قطرة تُهراق من دمه كلُّ شيء من الذنوب إلا الدين، وليس المقصود عدم جواز حج من كان عليه دين، بل هو لتعظيم شأن الدين ووجوب المبادرة بقضائه والوفاء به وتقديمه على فريضة الحج في الأداء والقضاء.
وأعود للقول بأن على الحاج المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب واختيار الرفقة الصالحة، وكذلك اختيار النفقة الطيبة من المال الحلال للحج أو العمرة كما هو الحال في حياته كلها لما صحَّ عن الرسول محمد في قوله: (( إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا ) )، وللحديث الوارد في ذلك أيضًا: (( إذا خرج الرجل حاجًا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغَرْزِ فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور ) ). والحج المبرور جزاؤه الجنة كما جاء ذلك على لسان رسول الله حيث قال: (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ).
وإذا وصل الحاج إلى الميقات يُسَنُّ له قبل الإحرام الأخْذُ من مشاربه وقَلْمُ أظفاره وحَلْقُ عَانَتِهِ ونَتْفُ إِبْطَيْهِ والاغتسال والتطيب، وإن فعل ذلك في منزله وخاصة مَنْ منزلُه قريب من الميقات فلا بأس لئلا يعطّل رُفْقَتَهُ أو لقرب الوقت كالمسافر في الطائرة أو الذي لا يسير ليالي وأيامًا حتى يصل الميقات، ثم يلبس الرجل إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين بعد أن يتجرَّدَ من المَخِيط، والمخيط هو ما يُخَاطُ للبدن أو بعضه كالفلينة والسروال والثوب وما شابه ذلك، وليس من المخيط الحزام والساعة والحذاء التي فيها خيوط، فليس هذا هو المقصود والمنهي عنه، بل هو الأول. أما المرأة فتلبس المخيط وتحرم فيما شاءت من الثياب السوداء أو الحمراء أو الخضراء أو غيرها بعيدة عن الزينة وفتنة الرجال ودون التشبه بالرجال في اللباس الأبيض أو الأخضر كما هو الحال فيمن يتقيّدن بلباس معيّن لهن في الإحرام كما تفعله بعض النساء ويُقِرُّهُنَّ الرجالُ على ذلك.
والحاج مُخَيَّرٌ بين أنواع النسك الثلاثة: الإفراد أو التمتع أو القِران، ويجب على الحاج أن ينوي الدخول في النسك الذي يريده ويحدده من عمرة أو حج، ويشرع له التلفظ بما ينوي، فإن كانت نيته الحج قال: لبيك حجًا، أو: اللهم لبيك حجًا، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وإن كانت نيته العمرة قال: لبيك عمرة، أو: اللهم لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك... إلى نهاية التلبية، وله أن يشترط في حجه أو عمرته خاصة من كان له عذر كالمريض أو الخائف من الحَصْرِ وعدم إكمال نسك الحج أو العمرة وذلك بقوله بعد التلبية:"فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"، فبهذا الاشتراط إن حصل له ما يعوقه عن إتمام النسك جاز له التحلل.
ولا يجوز للمحرم بعد نية الإحرام من الميقات أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره ولا يمسّ طيبًا ولا يلبس مخيطًا بالنسبة للرجال، ومن الواجب عليه أن يترك الرفث والفسوق والجدال في الحج امتثالًا لقول الله جل جلاله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: 197] ، ولقول رسول الله: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ).
وينبغي الإكثار من التلبية في الطريق إلى مكة، فإذا وصل المسجد الحرام ورأى الكعبة قطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف. ويضطبع الرجل أي: يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وهذا هو المشروع في الاضطباع من حين يرى الكعبة حتى ينتهي من الطواف فقط، وعندما يريد أداء ركعتي الطواف فعليه أن يعيد الرداء على كتفيه ويسترهما في الصلاة، وليس كما يفعله معظم المسلمين من الاضطباع وإبداء الكتف الأيمن من حين لبس ملابس الإحرام حتى الانتهاء من أعمال العمرة أو الحج وعدم سَتْر الكتف الأيمن حتى في الصلاة فهذا خلاف المشروع.
ثم يطوف بالبيت ابتداءً من الحجر الأسود أو ما يوازيه من المسجد وانتهاءً بنفس المكان من كل شوط سبعة أشواط، يرمل الرجل في الثلاثة الأولى إن تيسر له ذلك ويمشي في الأربعة الباقية، ويدعو الله بما شاء إلا أنه بين الركن اليماني والحجر الأسود يُشرع له أن يقول عند نهاية كل شوط: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201] ، وهذا الدعاء هو الذي ثبت قولُه في الطواف قبل نهاية كل شوط. فإذا فرغ من الطواف أعاد الرداء على كتفيه ثم يصلي ركعتين خلف المقام أو في أي ناحية من المسجد الحرام لا سيما في الزحام، وتبتعد المرأة عن الرجال والاختلاط بهم خاصة في الصلاة، ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [سورة الكافرون] وفي الثانية بعد الفاتحة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص] . ويدعو بما تيسر له من الدعاء النافع سواء بعد صلاة الركعتين أو بعد الشرب من ماء زمزم والتَّضَلُّع منه.
ثم يخرج إلى الصفا من بابه ويرقى عليه ويستقبل القبلة ويوحّد الله ويثني عليه ثلاث مرات، هذا هو الأفضل، ويدعو بما شاء، ثم ينحدر إلى المروة ويفعل كما فعل على الصفا، ومن السنة أن يُسْرِعَ الرجلُ في المشي الإسراعَ المسمى بالخَبَبِ فيما بين العلمين الأخضرين في الأشواط السبعة كلها، وأما المرأة فلا يُشرع لها الإسراعُ لأنها عورة، وإنما المشروع لها المَشْيُ العاديُّ في السعي وكذلك الطواف.
وبعد السعي يقصّر أو يحلق، وبذلك تتم عمرته إن كان متمتعًا، والتقصير هنا أولى إذا كان قريبًا من الحج ليترك الحلق للحج حتى يتوفَّرَ شعرُه، أما المرأة فتأخذ قدر أَنْمُلَةٍ من طرف شعرها في هذا أو غيره من حج أو عمرة مفردة بسفر خاص، وهذا الحلق أو التقصير في الحج للمتمتع. وإن كان الحاج مفردًا أو قارنًا فلا يحلق ولا يقصّر بل يبقى على إحرامه حتى يُتِمَّ أعمالَ يوم النحر، وإن كان المشروع للمفرد أن يجعلها عمرة حتى يكون متمتعًا، وكذلك القارن إذا لم يَسُقِ الهديَ معه، وإذا أراد المفرد والقارن تقديم سعي الحج بعد الطواف الأول للقدوم فلا بأس، وإلا فلا سعي عليهما بعد طواف القدوم إلا بعد طواف الإفاضة فيَسْعَيَان سعي الحج إذا لم يُقدِّماه.
وفي اليوم الثامن يُهلّ بالحج من كان متمتعًا لأنه قد حلّ من إحرامه، أما من كان قارنًا أو مفردًا فإنه باقٍ على إحرامه بالحج ولم يحلّ منه، ثم يتّجه الحاج إلى منى ويصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر اليوم التاسع، كل صلاة في وقتها يقصر الرباعية فقط الظهر والعصر والعشاء، ثم بعد طلوع الشمس يوم عرفة يتوجه من منى إلى عرفة، ويُسَنّ له النزول بنَمِرَةَ إن تيسر له ذلك حتى زوال الشمس، ثم يصلي الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين، ثم يقف بعرفة ويتنبه لمكان وقوفه وبقائه من بعد الصلاة حتى غروب الشمس بأن لاَ يكون خارج حدود عرفة؛ لأن بعض الحجاج لا يقفون داخل عرفة خاصة من يُصَلُّون في مسجد نمرة أو أمامه وبجوانبه، علمًا بأن مقدمة المسجد واقعة في بطن وادي عُرَنَة وليس في عرفة، فليتنبه الحجاج لذلك ومن يقوم على شؤونهم لإرشادهم وتوجيههم وعدم تركهم خاصة وهم يجهلون المواقع.
ويكثر الحاج من الدعاء والتلبية والتهليل والتكبير وذكر الله عمومًا وخاصة كلمة التوحيد والإخلاص:"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير"حتى غروب الشمس، وينبغي للمسلم في هذا الموقف العظيم أن يكون مخبتًا لله متواضعًا خائفًا وجلًا منكسرًا بين يدي الله يرجو رحمته ومغفرته ورضوانه، ويخاف ويخشى الله وغضبه ومقته وأليم عقابه، وعليه أن يحاسب نفسه ويجدّد التوبة النصوح ليجود الله عليه ويغفر ذنبه ويعتق رقبته من النار ويباهي به الله ملائكته.
فإذا غربت الشمس ينصرف إلى مزدلفة ويصلي بها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا للعشاء، بأذان واحد وإقامتين من حين وصوله، والمبيت بمزدلفة واجب إلا في حق الضعفة من النساء والصبيان ونحوهم، فيجوز لهم أن يدفعوا إلى منى في آخر الليل، أما من هو متعيّن عليه المبيت فبعد صلاة الفجر بمزدلفة يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة ويكثر من ذكر الله وتكبيره والدعاء مع رفع اليدين حال الدعاء، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه، ويجب على الحاج أن يعلم أنه داخل حدود مزدلفة إلا من لم يجد مكانًا بعد اجتهاده في ذلك أو من كان له عذر، ويكون الذكر والدعاء حتى يُسْفِرَ ويظهرَ الضوءُ جليًا بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس، لقول الله عز وجل: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 198، 199] . والسنة لَقْطُ سبع حَصَيَاتٍ فقط لرمي جمرة العقبة بعد أن يدفع من مزدلفة إلى منى، وفي الأيام الباقية يلتقط كل يوم إحدى وعشرين حصاة من منى لرمي الجمرات الثلاث.
وإذا وصل الحاج إلى منى قطع التلبية عند جمرة العقبة التي يجب رميُها في هذا اليوم، يرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. وبعد الرمي ينحر هديه أو يذبحه إن كان متمتعًا أو قارنًا، ثم يحلق الرجل رأسه أو يقصره، والحلق أفضل لأن الرسول دعا بالرحمة للمحلقين وردّد ذلك ثلاث مرات وللمقصرين واحدة، ولا يكفي تقصير بعض الرأس بل لا بد من تقصيره كله كالحلق، والمرأة تقصّر من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل.
وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير للمفرد أو الذبح للقارن والمتمتع يُباح للمحرم بفعل اثنين كلُّ شيء حَرُمَ عليه إلا الزوجة، ويسمى هذا التحلل الأول.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 200-202] .
الحمد لله العظيم القهار، القوي القدير الجبار، فرض الفرائض وحدّ الحدود وأمر بتعظيم شعائره وجعل ذلك من تقوى القلوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المطّلع على الظواهر والبواطن وهو علام الغيوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيُسنُّ بعد التحلل الأول أن يتطيب الحاج ويتوجه إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يتمّ الحج إلا به، ثمّ بعد الطواف وصلاة الركعتين يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا، فهذا السعي لحجه والأول لعمرته، وكذلك إن كان مفردًا ولم يسبق له أن قدّم السعي في قدومه، أما القارن بين الحج والعمرة فليس عليه إلا سعيٌّ واحد، فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإن لم يَسْعَ بعد طواف القدوم فعليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة.
والأفضل للحاج أن يرتِّب يوم النحر هذه الأمور الأربعة؛ فيبدأ أولًا برمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق أو التقصير ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع، وكذلك للمفرد والقارن إذا لم يسعيا بعد طواف القدوم، وإن قدّم بعض هذه الأمور على بعض أجزأه ذلك ولا حرج عليه لثبوت الرخصة عن النبي لمن قدم أو أخّر في ذلك وقوله لكل من سأله: (( افعل ولا حرج ) ).
ثم يرجع الحاج إلى منى ويقيم بها ثلاثة أيام بلياليها أي: يوم النحر اليوم العاشر ويومي الحادي عشر والثاني عشر لمن أراد التعجل، والثالث عشر لمن أراد أن يتأخر، يرمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس في كل يوم من الأيام الثلاثة غير يوم النحر، ويجب الترتيب في رميها فيبدأ بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخَيْفِ ثم يرمي الجمرة الثانية ثم الثالثة وهي جمرة العقبة، ويجوز لمن كان له عذر يمنعه عن مباشرة الرمي بنفسه أن يستنيب من يرمي عنه، والذي يُسْتَناب في هذا يرمي عن نفسه أولًا ثم يرمي عمّن استنابه وفي مكانه دون أن يرجع مرة أخرى، سواء كان الحجُّ فرضًا أو نفلًا، ومن تعجل في يومين بعد يوم النحر فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، قال تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى [البقرة: 203] .
ثم على الحاج بعد أن ينزل من منى ويريد مغادرة مكة عليه أن يطوف طواف الوداع وهذا واجب، وبهذا يتم حجه، ولا يسقط طواف الوداع إلا عن الحائض والنفساء حيث ورد الترخيص لهما في حديث رسول الله.
ولنتدبر هذه الآيات المتتابعة والموضحة لأعمال الحج وأحكامه وإن كان هناك آيات غيرها في مواضع أخرى، قال الله عزَّ شأنُه وجلَّ جلالُه: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة: 196-203] .
أما المقيمون في بلادهم من المسلمين ولم يحجوا فقد جعل الله لهم أبوابًا من الخير ينبغي لهم أن يسارعوا إليها ويغتنموها بالعمل الصالح في أيام العشر من ذي الحجة من صيام وصدقة واستغفار وتكبير وذكر لله عز وجل وقراءة القرآن وجميع أنواع القربات، يقول رسول الله: (( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ) )يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: (( ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء ) )رواه البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم.
ومن أعظم الأعمال في أيام العشر الصوم وخاصة صوم يوم عرفة للمقيمين وليس للحجاج، فلقد سئل رسول الله عن صوم يوم عرفة فقال: (( يكفر السنة الماضية والباقية ) )رواه مسلم.
عباد الله، أحيوا ـ رحمكم الله ـ سنة التكبير المطلق في كل وقت في هذه الأيام من أيام العشر في الأسواق والطرقات والمساجد والبيوت، وكذلك المقيد بعد الصلوات المكتوبة من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فمن أحيا سنة قد أماتها الناس أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب، وصفة التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وإذا دخلت عشر ذي الحجة فلا يجوز أخذ شيء من الشعر والأظفار لمن أراد أن يضحي حتى يذبح أضحيته للأحاديث الواردة في ذلك، ومنها ما ورد في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (( من كان له ذبح يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي ) )رواه مسلم، وفي الحديث الآخر: (( إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي ) )رواه مسلم.