الأسرة والمجتمع, الإيمان, فقه
اللباس والزينة, الولاء والبراء, قضايا المجتمع
ناصر بن عمر العمر
المدينة المنورة
جامع جابر الأحمدي
1-ذم التشبه بالكفار بقصد أو بغير قصد. 2- حرص النبي على تميز المجتمع الإسلامي. 3- من مفاسد التشبه بالكافرين. 4- نصوص نبوية في مخالفة الكفار وأهل الكتاب. 5- آثار الصحابة في مخالفة المشركين. 6- ظاهرة انتشار بعض الألبسة الغريبة بين الفتيان والفتيات. 7- النهي من تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال.
أما بعد: فما زال الحديث حول اللباس والزينة، وكان الكلام في الجمعة الماضية حول التشبه بالكافرين في اللباس، وإتمامًا للكلام عن هذا الموضوع المهم لأننا نرى في الشباب من الجنسين اليوم ولعًا بالتشبه بالكفار والفاسقين في لباسهم وهيئاتهم مع أننا قد نهينا أشد النهي عن ذلك، حتى ولو قال قائل: إنني لم أقصد التشبه بهم، فيقال: إن التشبه مذموم بكل حال، فإن قصد التشبه بهم فهو على خطر عظيم في دينه، وإن لم يقصد فقد وقع في النهي عن التشبه بهم الذي امتلأ به القرآن والسنة وأقوال الصحابة الكرام. يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: (( لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعًا بذراع وشبرًا بشبر وباعًا بباع، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه ) )، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ، قالوا: يا رسول الله، كما ضعت فارس والروم وأهل الكتاب؟! قال: (( فهل الناس إلا هم؟! ) ).
ألا ترى حرص النبي على مخالفة غير المسلمين من اليهود والنصارى وعامة المشركين حاثًا أمته على ذلك، وهذه المخالفة التي أُمرنا بها قد تكون لمجرد المخالفة، وقد تكون للمخالفة مع ما فيها من عاقبه غير حميدة، ومقصود الشارع في ذلك أن يجعل من الأمة المسلمة أمةً لها كيانها وشخصيتها، ولئن جرت نواميس الكون على أن الضعيف دائمًا ما يتأثر بالقوى فإن ذلك لا ينطبق على المسلمين الذين ينطلقون من تشريع سماوي رباني، وأما غيرهم فلا يحكمهم إلا المصالح والأهواء والتعلق بتراب الدنيا.
إننا لا نقول: لا نأخذ من المشركين كل شيء، بل نستفيد من علومهم وما يفيد، أما أن نقلدهم في معتقداتهم وعاداتهم فالتشبه بهم في عقائدهم وعباداتهم هو إظهار لأديانهم الباطلة الفاسدة ونشر لها، فتقاليدهم في لبس الدبلة مثلًا ولو كان جميلًا هو نشر لمذهبهم الباطل الذي ينصّ على أن الرجل يلبس المرأة الدبلة في يدها اليسرى على رأس الإبهام ويقول: باسم الأب، ثم ينقله من الإبهام إلى السبابة ويقول: باسم الابن، ثم يضعه على رأس الوسطى ويقول: باسم الروح القدس، وعندما يقول: آمين يضعه أخيرًا في البنصر حيث يستقرّ، ويعتقد النصارى أن هناك عرقا في البنصر يرتبط بالقلب مباشرة.
وكما أن التشبه بالكفار والفاسقين في اللباس والهيئات والمظهر والخلق والعادات هو إهانة للأمة المسلمة وشعورٌ بالضعف من المتشبِّه والتبعية والدونية. عن أبي أمامه رضي الله عنه قال: خرج رسول الله على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: (( يا معشر الأنصار، حمّروا وصفّروا وخالفوا أهل الكتاب ) )، قال: فقلنا: يا رسول الله، إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال رسول الله: (( تسروَلوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب ) )، قال: فقلنا: يا رسول الله، إن أهل الكتاب يتخفَّفون ولا ينتعلون، فقال النبي: (( فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب ) )، فقلنا: يا رسول، إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم ويوفرون سبالهم، قال: فقال: (( قصروا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب ) ). ففي هذا الحديث الأمر بخضاب الشعر الأبيض مخالفه لأهل الكتاب، ولبس الإزار مخالفة لأهل الكتاب، وقص الشوارب وتوفير اللحى مخالفة لأهل الكتاب.
وجاءت السنة في مخالفة اليهود في الصلاة في النعال والخفاف؛ فإنهم لا يصلون فيها. وجاء الأمر بأكلة السحور مخالفة لأهل الكتاب في أنهم لا يتسحرون. وكذلك الحال في تعجيل الفطور في رمضان فإن اليهود والنصارى يؤخرون الفطور. وجاء الأمر بمخاطلة النساء ومعاشرتهم في حال حيضهن دون الجماع مخالفة لليهود الذين لا يؤاكلون المرأة ولا يجامعونها في حال حيضها. وفي الصيام لما علم النبي بأن اليهود تصوم يوم عاشوراء أمر بصوم يوم قبله أو بعده إمعانًا في مخالفتهم. ونهى عن الوصال في الصوم وأخبر أنه فعل النصارى. وفي باب الصلاة نهى النبي عن التخصّر في الصلاة، وهو أن يجعل المصلي يده في خاصرته؛ لأن اليهود تفعله. وأمر المأمونين أن يصلوا قعودا إذا صلى إمامهم قاعدًا لمرض ونحوه وقال في هذا: (( لا تفعلوا فعل فارس والروم ) ). وفي باب دفن الموتى أمر النبي باللحد في عمل القبور وقال: (( اللحد لنا، والشق لغيرنا ) )، وفي رواية: (( والشق لأهل الكتاب ) ). وجاء في الترمذي وأبي داود وصححه الألباني حديث عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله إذا اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فتعرض له حبر فقال: هكذا نصنع يا محمد، قال: فجلس رسول الله وقال: (( خالفوهم ) ). وقال عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تتشبهوا باليهود ولا بالنصارى؛ فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف ) ).
ويروى عن النبي قوله: (( فرق ما بننا وبين المشركين العمائم على القلانس ) )، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التعليق على هذا الحديث:"وهذا بين في أن مفارقة المسلم والمشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع". وأمر النساء بعدم وصل الشعر وما يسمى بالباروكة، ففي الصحيح أن معاوية صعد المنبر وتناول قصّة من شعر كانت في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟! سمعت رسول الله ينهى عن مثل هذه ويقول: (( إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم ) )، وفي رواية عن معاوية: (( إنكم أحدثتم زيّ سوء ) ).
وفي باب الحج كان المشركون ينفرون من مزدلفة بعد شروق الشمس، فخالفهم النبي. ولما قدم المدينة وجد للناس يومان يلعبون فيهما فقال: (( ما هذان اليومان؟ ) )قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله: (( إن الله قد أبدلكما بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر ) ).
وفي باب الأذان كان النبي مهتمًا كيف ينادي للصلاة وينبه الناس لدخول الوقت، فذُكر له البوق فقال: (( هو من أمر اليهود ) )، وذكر له الناقوس فقال: (( هو من أمر النصارى ) ).
وفي باب العادات فإن النبي مر بأحد أصحابه وهو جالس قد وضع يده اليسرى خلف ظهره متكِئا على إلية يده، فقال عليه الصلاة والسلام منكرًا عليه: (( أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟! ) ). فالنبي نهى عن مجرد جلسة، وظاهر في أن الصحابي لم يكن يعلم ولم يكن يقصد أن يتشبّه باليهود، فكيف بمن يكون مقصده ونيته هو التشبه بكافر من الكفار في لباسه وشعره وهيئته؟!
ومما جاء من الآثار عن صحابة رسول الله ـ وهم أعرف الناس بما دلّ عليه القرآن والسنة ـ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر قوّاده في المدن التي يفتحها ويسيطر عليها المسلمون أن لا يُلبَس الكفار لباس المسلمين، فلا يلبسون العمامة ولا القلانس ولا النعال، ولا يفرقون شعورهم كالمسلمين، ولا يتكلمون بكلام المسلمين، ولا يتكنون بكناهم. كل ذلك حتى يتميز أهل الإسلام عن أهل الكفر، وكتب عمر إلى قائد جنده في أذربيجان قائلًا: (إياكم والتنعُّمَ وزِيَّ أهل الشرك ولَبوس الحرير) . وعندما فتح الله على المسلمين بيت المقدس ودخلها خليفة المسلمين عمر بن الخطاب وأحب أن يصلي استشار كعبًا في المكان الذي يصلي فيه، فأشار عليه أن يصلي خلف الصخرة حتى تكون القدس كلها بين يديه، فقال عمر لكعب: (لقد ضاهيت اليهود، لا ولكن أصلي حيث صلى الرسول ) .
وورد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: (من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) .
ولقد أجمع علماء الإسلام على وجوب مخالفة المشركين سواء كان ذلك من باب العقائد أو العبادات أو العادات.
تلكم كانت بعض الأدلة الشرعية مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله وفعل أصحابه، وما تركناه أكثر مما أوردناه، حتى قال اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه! ولكن يكفي هذا للدلالة على عظيم الأمر وخطورة باب التشبه؛ لأن من شابه قومًا كان هناك نوع ارتباط ومودة بينهم، فالذي يلبس لباس العلماء يكون هناك نوع ارتباط وحب بينهم، والذي يلبس لباس الجنود يكون هناك نوع ارتباط وحب بينهم، والذي يلبس لباس الكفار يكون هناك نوع ارتباط وحب بينهم.
والمسلم يقرأ كل يوم في صلاته: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6، 7] . فالطريق المستقيم هو طريق واحد لا يوجد غيره، وهو طريق الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وأما طرق المغضوب عليهم وهم اليهود والضالين وهم النصارى فهي طرق كثيرة متشعبة، وكلها لا توصل إلا إلى نار جهنم، فمن أراد سبيل النجاة فليستمسك بكتاب الله وسنة رسوله ومصطفاه وسلف هذه الأمة.
لقد انتشرت في صفوف الشباب والفتيات أصناف من اللباس لم يعهدها المسلمون من قبل، ألبسة ليس لها قانون أو مفهوم حتى في الجمال، يجمعها الغرابة، فتجد بنطلونات الجينز الضيقة جدًا أو الواسعة جدًا، تجد فيها ما يلبس بالمقلوب، وتجد منها البنطلونات المشرشرة، وكأن لها سنين طوالا، تجد منها ما تراه ممسوحًا وكأنه قد غسل مئات المرات، تلبس لأنها هكذا لبسها الغرب، تجد الألوان الغريبة الفاقعة والفسفورية، تجد ألبسة تبرز الصدر والعضلات، فتجد الواحد يذهب لأندية اللياقة ويلعب الحديد حتى تبرز له عضلات، ليس للصحة أو للجهاد وإنما والعياذ بالله للفت الأنظار وفتنة الفتيات. تجد الملابس التي عليها صور ورسومات ذوات الأرواح، ولا يعنيهم أن الملائكة لا تمشي معهم ولا تدخل مكانا فيه صور، وفرق كبير في حمل صورة في بطاقة شخصية تكون في محفظة مستترة في ستار خلف ستار، وبين صورة توضع على الصدور أو الظهور وتكون بارزة.
جاء عن النسائي وغيرة بسند جيد أن النبي كان على موعد مع جبرائيل عليه السلام، فلما أتى جبرائيل امتنع من دخول البيت، فسأله النبي فقال: إن في البيت تمثالًا وسترًا فيه تصاوير وكلبًا، فمُر برأس التمثال أن يقطع، وبالستر أن يأخذ منه وسادتان منتبذتان توطآن، ومُر بالكلب أن يخرج، ففعل ذلك النبي ، فدخل جبرائيل عليه السلام.
وجرت الفتوى لعلماء هذا البلد من أمثال الشيخ ابن عثيمين وابن جبرين وغيرهم على تحريم بعض الألبسة مثل البنطلون، وخاصة للنساء؛ لما يشتمل عليه من التشبه ويحجّم من العورات، وكذلك الألبسة التي لا تستر العورات. والحديث عن الألبسة التي لا تستر العورات يستلزم معرفة حدود عورة الرجل وعورة المرأة، سواء في الصلاة أو في النظر، وما يباح كشفه وما ينهى عن كشفه.
أقول قولي هذا...
ومن التشبه المذموم في الشريعة الإسلامية أن يتشبه الرجل بالمرأة وأن تتشبه المرأة بالرجل. في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
أتعلمون ما اللعن ومن اللاعن؟! اللعن هو الدعاء بالطرد والإبعاد عن رحمة الله، واللاعن هو الرسول ، فالتشبه كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله التي تستوجب إن لم يتب المسلم منها العقوبة من الله، وأي عقوبة أكبر من أن يدعو الرسول على أحد بأن يطرده الله من رحمته؟!
وللأسف الشديد فإن الملابس الحديثة أو الموضة كما تسمّى تجدها في الأسواق لا تستطيع بسهوله أن تفرّق لباس الرجل من لباس المرأة، تجد ذلك في الفانيلات والقمصان والبناطيل والأحذية.
والنبي لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء؛ ولهذا تعجب من شاب قد ذاب رقّةً ونعومهةً، قد تكسّر في مشيه وحلق لحيته وتزين بأزياء غريبة وقصّ شعره على الموضة، فبدا وكأنه ورقة منديل تطير في الهواء، وتجد من الفتيات من ترجّلت فلبست ألبسة مشابهة للرجل، فقلدته في مشيته وقصّت شعرها حتى ربما يخطي الرائي للوهلة الأولى هل هذا رجل أم امرأة.
تجد بعض النساء ـ هداهن الله ـ وكأنها رجل تحب أن تخرج لأسواق الرجال، وترفع صوتها بالبيع والشراء ومجادلة الرجال، خشنةً في التعامل والأخلاق، بل ربما وقفت مع الرجال في صفّ الانتظار من غير حياء ولا خجل. ووجد من الرجال والنساء من يلبس ثياب الآخر لبسًا صريحًا ويتكلم بكلام الآخر كلامًا صريحًا من باب المزاح والتمثيل.
وإنني أعظكم ـ عباد الله ـ من فعل هذا الأمر ومشاهدته والرضا به؛ فإنه فعل من سخط الله ولعنه الله ورسوله، وكيف يطيب للمسلم الذي يرجو الله والدار الآخرة أن تطيب نفسه بالضحك على أمر فيه لعنة الله؟! بل إن الإيمان في القلوب يدعو المسلم المؤمن أن يحزن لما يجري، وأن يغضب لمحارم الله أن تنتهك ويستهزأ بها، وأن يتمعّر وجهه غيضا وغضبًا لله ومحارمه، أما الضحك والرضا بهذه الأمور ولو كانت من قبيل المزاح والتسلية والتمثيل فإن لعنة الله وغضبه لا يمزَح بها ولا يتسلَّى بها، وبعض الممثلين ـ هداهم الله ـ قد اعتادوا على تمثيل دورِ المرأة، فرجل أكرمه الله بالرجولة والفحولة كيف يرضى أن يحلق شاربه ولحيته ويضع الأصباغ على وجهه ويلبس لبس النساء؟! مثل هذا وغيره ما كان ليستمرّ في أداء دوره لو أن الناس أنكروا عليه وأغلقوا التلفاز وراسلوا ونصحوا لله ورسوله، مثل هذا الفعل فيه اللعنة والغضب من الله، فلا ينبغي للمسلم أن يتهاون بالدين وبقول سيد المرسلين.
ثم صلوا وسلموا على خير البرية...