الرقاق والأخلاق والآداب
الموت والحشر
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-الموت مكتوب على كل مخلوق. 2- حال الصحابة عند وفاة الرسول. 3- أحوال الناس في الآخرة. 4- موعظة في الاستعداد ليوم البعث والنشور.
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، لما أهبط الله أبانا آدم وزوجته إلى الأرض قال لهما: وَلَكُمْ فِى ?لأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـ?عٌ إِلَى? حِينٍ [البقرة:36] ، فأخبر الله أبانا آدم أن مستقره وذريته في الأرض إلى وقت محدد ليس إلى الأبد، وَلَكُمْ فِى ?لأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـ?عٌ إِلَى? حِينٍ [البقرة:36] ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف:25] .
أيها المسلم، كتب الله الموت على كل الخليقة، وكل صائر إلى ذلك: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ?لنَّارِ وَأُدْخِلَ ?لْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـ?عُ ?لْغُرُورِ [آل عمران:185] ، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبّكَ ذُو ?لْجَلْـ?لِ وَ?لإكْرَامِ [الرحمن:26-27] .
قضاء الله النافذ وحكمه الماضي في الخليقة كلِّها أن العبد له في الدنيا أجل محدود، متى انتهى وانقضى ذلك الأجل جاء الموت بحكمة الله جل وعلا: وَهُوَ ?لْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّى? إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ?لْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى? ?للَّهِ مَوْلَـ?هُمُ ?لْحَقّ أَلاَ لَهُ ?لْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ?لْحَـ?سِبِينَ [الأنعام:61-62] .
إنه الموت الذي قضاه الله وقدره، لا يمكن أن يُرَد ولا يحال بينه وبين ذلك، وَلَن يُؤَخّرَ ?للَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَ?للَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11] .
إنه القضاء النافذ، مهما فر العباد فلن يستطيعوا الفرار، ولن يستطيعوا الهروب، قُلْ إِنَّ ?لْمَوْتَ ?لَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـ?قِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ ?لْغَيْبِ وَ?لشَّهَـ?دَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:8] .
لن تستطيع أن تتحصن منه بأي وسيلةٍ كانت، أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ?لْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:78] .
إذا حان الأجل حارت القلوب، حارت العقول، وذهب كل قدرة بيدها، ولن يستطيع أحد أن يتصرف، لا أن يؤخر أجلًا ولا أن يزيد عمرًا، قال تعالى: فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ?لْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـ?كِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَـ?دِقِينَ [المعارج:83-87] .
إنه القضاء النافذ الذي قضاه الله وقدره، في الحديث القدسي يقول ربنا جل وعلا: (( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي من قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه ) ) [1] .
وما استُثنى أحد من الخلق من هذا القضاء النافذ، ما استثني أحد منه، بل القضاء على الخليقة كلها، وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ?لْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ ?لْخَـ?لِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ?لْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِ?لشَّرّ وَ?لْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:34-35] .
أخبر الله نبيه سيد أهل الكون كله، أخبر الله نبيه سيد الأولين والآخرين بقوله له: إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ?لْقِيَـ?مَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:30-31] ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ?لرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ?نقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ [آل عمران:1144] .
لما توفي المصطفى أصاب الصحابة ذهول، وأصابهم من الهم والكرب ما الله به عليم لِما تمكن في قلوبهم من محبة النبي المحبة الصادقة، حتى قام عمر وقال: (من قال: إن رسول الله مات لأفعلن ولأفعلن، إنه سيحيى ويقطع أيدي أقوام وأرجلهم) ، ذهول منهم رضي الله عنهم، فجاء الصديق، وثبَّت الله قلبه فصعد المنبر وأمر عمر بالتنحي فقال: (أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ، ثم قرأ: إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ، وقرأ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ?لرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ?نقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَـ?بِكُمْ [آل عمران:1144] [2] ، قال الصحابة: ما كنا نظن أن هذه الآية نزلت بعد، ما كنا نظن، غابت عن أذهانهم للهول الذي حل بهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
إن ذكر الموت يهوِّن مصائب الدنيا، إن ذكر الموت يعين على الطاعة والخير، إن ذكر الموت يحجز العبد عن الظلم والإجرام، إن ذكر الموت يذكِّر العبد ضعفَه وعجزه، فيحمله ذلك على طاعة ربه والتقرب إليه بما يرضيه.
في الحديث: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات، فما ذُكر في قليل من الدنيا إلا كثَّره، وما ذكر في كثير إلا قلَّله ) ) [3] .
إن تذكر الموت يزهِّد العبد في الدنيا، ويرغبه في الآخرة، إن ذكره للموت يجعله على صلة بربه، ويعلم أن هذه الدنيا دار ممر وعبور، دار عمل يكدح فيها العباد، فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ?لْحَيَو?ةُ ?لدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِ?للَّهِ ?لْغَرُورُ [لقمان:33] .
أيها المسلمون، تذكروا ما أنتم صائرون إليه من الموت وما بعده يوم تبعثون، تذكروا حالة الموت ومفارقة الأوطان والأهل والمال.
تذكروا ـ أيها الإخوة ـ حينما يدنو الرحيل من الدنيا فتكونون إلى الآخرة أقرب منكم للدنيا، أنتم على الآخرة مقبلون، وعن الدنيا وزينتها مدبرون.
تذكروا ـ إخواني ـ يوم ينقسم الناس عند تلك اللحظات إلى قسمين، فمنهم من تتوفاه الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم: إِنَّ ?لَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ?للَّهُ ثُمَّ ?سْتَقَـ?مُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ?لْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِ?لْجَنَّةِ ?لَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى ?لْحَيَو?ةِ ?لدُّنْيَا وَفِى ?لآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت:30-32] ، وقسم تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ?لَّذِينَ كَفَرُواْ ?لْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـ?رَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ?لْحَرِيقِ ذ?لِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ?للَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـ?مٍ لّلْعَبِيدِ [الأنفال:50-51] ، وَلَوْ تَرَى إِذِ ?لظَّـ?لِمُونَ فِى غَمَرَاتِ ?لْمَوْتِ وَ?لْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ ?لْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ?لْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ غَيْرَ ?لْحَقّ وَكُنتُمْ عَنْ ءايَـ?تِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93] .
أخي، تذكر إذا حملت على الرقاب إلى القبور، وفارقت الأهل والولد والمال والقصور، جليسك في هذا اللحد عملك الذي عملت، فإما خيرًا تزداد به فرحًا وسرورًا إلى يوم القيامة، وإما شرًا تزداد به وحشةً وسوءًا إلى يوم القيامة.
أخي المسلم، تذكر يوم ينفخ في الصور، وَنُفِخَ فِى ?لصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ?لسَّمَـ?و?تِ وَمَن فِى ?لأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ?للَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى? فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر:68] ، نقوم من قبورنا لرب العالمين، يَوْمَ يَقُومُ ?لنَّاسُ لِرَبّ ?لْعَـ?لَمِينَ [المطففين:6] ، حفاة عراة غرلًا، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَـ?عِلِينَ [الأنبياء:104] .
تذكر ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، قُلْ إِنَّ ?لأوَّلِينَ وَ?لآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى? مِيقَـ?تِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [المعارج:49-50] ، في ذلك اليوم تفَّتَّت الجبال وتظهر الأهوال وينزل إلى فصل القضاء الكبير المتعال، لِيُنذِرَ يَوْمَ ?لتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَـ?رِزُونَ لاَ يَخْفَى? عَلَى ?للَّهِ مِنْهُمْ شَىْء لّمَنِ ?لْمُلْكُ ?لْيَوْمَ لِلَّهِ ?لْو?حِدِ ?لْقَهَّارِ [غافر:15-16] ، وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ?لآزِفَةِ إِذِ ?لْقُلُوبُ لَدَى ?لْحَنَاجِرِ كَـ?ظِمِينَ مَا لِلظَّـ?لِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ ?لأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ?لصُّدُورُ وَ?للَّهُ يَقْضِى بِ?لْحَقّ [غافر:18-20] .
تذكر ـ أخي ـ ذلك اليوم العظيم الذي عظمه الله في كتابه، وعظم أهواله، ليكون واعظًا لقلوبنا من غفلتنا ونسياننا وتفريطنا في حق ربنا، ي?أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ?لسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ?لنَّاسَ سُكَـ?رَى? وَمَا هُم بِسُكَـ?رَى? وَلَـ?كِنَّ عَذَابَ ?للَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2] .
يوم مقداره خمسون ألف سنة، تدنو الشمس فيه من العباد حتى تكون منهم على قدر ميل، والناس في العرق متفاوتون على قدر أعمالهم، يَوْمَ يَفِرُّ ?لْمَرْء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وَصَـ?حِبَتِهُ وَبَنِيهِ لِكُلّ ?مْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] ، وَيَوْمَ تَقُومُ ?لسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا ?لَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَـ?تِنَا وَلِقَاء ?لآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى ?لْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم:14-16] .
تذكَّر ذلك اليوم الذي هو يوم التغابن الذي يقول الله فيه: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ?لْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ?لتَّغَابُنِ [التغابن:9] ، حقًا إنه يوم عظيم، وإنه التغابن حقًا؛ لأن الناس في ذلك اليوم يحشرون على قدر أعمالهم، فمنهم من يحشر إلى الرحمن وفدًا، وهم المتقون يحشرون إلى الرحمن وفدًا، عباد مكرمون، الوافدون عباد الرحمن، والموفود إليه الكريم المنان، يَوْمَ نَحْشُرُ ?لْمُتَّقِينَ إِلَى ?لرَّحْمَـ?نِ وَفْدًا [مريم:85] . وغيرهم: وَنَسُوقُ ?لْمُجْرِمِينَ إِلَى? جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم:86] ، يغلبهم الظمأ، تمثل لهم النار كسراب، يساقون إليها، فيجدون فيها النار والزفير، النار والسعير، والحر والزفير، إنها نار موقدة، أعاذنا الله وإياكم من شرها، إنه التغابن حقًا، التغابن الذي من غبن فيه فلا سعادة له، أما الدنيا وغبنها فعَرَض زائل.
فإياك ـ يا أخي ـ أن تغرك الدنيا بزخارفها وغرورها، وتنسى الآخرة، فتخسر الدنيا والآخرة، واهتم بآخرتك فإنها سعادتك في دنياك وآخرتك.
وتذكر ـ أخي ـ ذلك اليوم وصحائف أعمالنا نُعطاها، كل منا يأخذ صحيفة عمله، فآخذ كتابه بيمينه فرِحًا مستبشرًا مسرورًا، ينادي: هَاؤُمُ ?قْرَؤُاْ كِتَـ?بيَهْ