التوحيد
الشرك ووسائله
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
1-إيمان المسلم بالغيب. 2- انفراد الله تعالى بعلم الغيب. 3- ادِّعاء المشعوذين علم الغيب. 4- تلبيس السحرة والكهّان على الناس. 5- الالتجاء إلى العرافين يخدش التوحيد. 6- استعانة السحرة بالشياطين. 7- التحذير من أبراج الصحف. 8- تحصّن المؤمن بالله تعالى وبالأوراد الشرعية.
أمَّا بعد: فيا أيَّها الناس، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التَّقوى.
عبادَ الله، إنَّ مِن أخلاق المؤمِنين إيمانَهم بالغَيب، فهم يؤمِنون بما غابَ عَنهم ممّا مضَى وممّا سيكون ويحدُث، وقال جلَّ وعلا: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:2، 3] ، فيؤمِنون بأخبارِ الماضين ممّا أخبرهم به ربُّهم في كتابِه أو أخبَرهم به نبيُّهم ، فالله أصدَقُ القائلين، ولا أصدَق منَ الله حديثًا، ومحمَّد هو الصادِق المصدوق أصدَقُ الخلق مَقالًا ، قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49] ، وقال: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران:44] .
أيَّها المسلِم، فنؤمِن بأخبارِ الماضين ممّا بيَّنَه الله في كتابِه عِظَةً وعِبرة، لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف:111] . ونُؤمن بما أخبَر به الله ورسولُه عمّا سَيَكون في آخرِ الزمان وعن يَومِ الآخرة وما سَيكون في ذلك اليومِ من الأمور العِظام.
أيّها المسلم، وإنَّ مِن كمال علم الله علمَه بأعمالِ الخَليقة أجمعين، فهو جلّ وعلا عالمٌ ما العبادُ عامِلون، كتَب هذا العلمَ عنده في كتابٍ قبلَ أن يخلقَ الخليقة بخمسين ألفَ سنَة، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70] . وعِلمُه تعالى عامّ للسِّرِّ والجهر، فاستَوى في علمِه ما أُسرَّ وما جهِرَ به، قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [آل عمران:29] ، وقال: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:13، 14] ، وأَخبرَ تعالى عن كمالِ عِلمِه بدقيقِ أعمالِ العِباد وجَليلها: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس:61] .
أيّها المسلِم، وأخبر تعالى عن استِئثار عِلمِه بخمسةِ أحوالٍ، قال جلّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34] .
أيّها المسلم، إنَّ علمَ المغيَّبَات ممّا استأثر الله بعلمِه، ولا يستطيع أحدٌ كشفَ ذلك، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65] ، وقال جلّ وعلا لنبيِّه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188] ، فلا محمّد يعلَم الغيبَ، ولا سائرُ الأنبياء والمرسلين، ولا الملائكةُ المقرَّبون، قال تعالى عنهم أنهم قالوا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32] .
أيّها الإخوةُ، وفي هذا الزّمَن يدّعي مدَّعون ويتقوَّل متقوِّلون أنهم يستطِيعون أن يحدِّدوا للعبد مسارَ حياته ويخبروه بمستَقبَله وحظِّه وماذا سيكون له وماذا سيَجني وماذا سيصيرُ عليه، وهؤلاء الضَّرب من النّاس من مدَّعِي الكِهانة والاطِّلاع [على] علمِ الغَيب سواءً كانوا جَهَلةً أو على مستوًى من الثّقافة والعِلم لكنهم على ضلالٍ في أمورهم كلِّها، هؤلاء يأتيهم الجهلةُ والحمقَى والمغفَّلون، فيقول له: أعطِني حظِّي وصِف لي حَظّي في هذه الدّنيا، ماذا سأجني؟ وماذا سيكون؟ وماذا سيحصُل؟ فيُعطيه قيلًا وقال، كلُّها كذِبٌ وافتراء وادِّعاء عِلمِ غيبٍ لا يعلمه إلا الله، يظنّ الظّانُّ أنّ هؤلاء صادقون، وأنَّ لديهم قدرةً على الاطلاع على المغيَّبات، وهذا من الجهلِ والضّلال، بل اعتقادُ ذلك كفرٌ والعياذ بالله.
لقَد كانتِ الشياطين قبل مبعَثِ محمّد يسترِقون السمعَ، فربّما سمعوا كلمةً فأضافوا إليها تسعًا وتسعين كلِمة، كذبوا معها، فلمّا اقترب المبعَث النبويّ حرِسَت السّماء ورُمِيَت الشياطين بالشُّهب، فلم يستطيعوا أن يتطرَّقوا إلى الوحي، قال تعالى عنهم: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:8-10] . نَعم، لقد أرادَ الله بالخلقِ الرشَّد بمبعَثِ محمّد ، فحمايةً للوحيِ وصيانةً له مِن أن تطرَّق إليه أيدي الشياطين حرِسَت السماء وحفِظَت، فلا يمكِن لشيطانٍ أن يستَرِق، قال تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:210، 211] .
أيّها المسلِم، السَّحَرة والمشعوِذون لهم في هذا البابِ حِكايات ضالّة وأخبارٌ سيِّئة، يأتيهم المريضُ فيقول له: ائتِني بثيابِك وملابسِ آبائِك أو أهلك، ثمّ يقول له: لقد سَحَرك فلان وفلان وفلانةٌ بنت فلان في موضِع كذا.. وإلى آخره، فيظنّ الظّانّ أنّ هؤلاء صادقون وأنهم مطَّلعون على علمِ الغيب، وكذَبوا واللهِ، ولو صَدقوا حِينًا فَهم الكَذَبة دائمًا وأبدًا؛ لأنَّ هذا لا يعلمه إلا الله، لكن اتِّصال القرين بالقرينِ الشيطان بالشيطان ربما ينقُل له أخبارًا، فيظنّ الظّانّ أنَّ هذا علمُ الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله.
أيّها المسلِم، الكُهَّان والعرَّافون وأمثالُهم كلُّ هؤلاء يبتَزّون أموالَ الناس ويأكلونَها ظلمًا وعُدوانًا؛ بِدعواهم أنهم يشخِّصون الأمراضَ ويعلَمون العائنَ والسّاحر ويخبِرون ويخبِرون، وكلُّ هؤلاء كذَّابون دجَّالون آكلو أموالِ الناس بالباطل، ليسوا بصادقين، ولكنهم الكذَبَة الضالون، ولهذا نُهينا عن إتيانهم، فيقول لنا نبيُّنا: (( مَن أتى كاهنًا فسأله عن شيءٍ لم تقبَل له صلاةٌ أربعين يومًا ) ) [1] ، وقال: (( من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزِلَ على محمّد ) ) [2] .
أيّها المسلِم، استقِم على طاعةِ الله، وخذ بالأسبابِ التي تنجيك من عذاب الله، وخُذ بالأسباب التي شرِعَت لك في تحقيقِ مصالح دنياك وسلامةِ بدنِك وأهلك من البلاء، وفوِّض أمرَك إلى الله، واعلم أنَّ الأمر كلَّه بيد الله، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17] .
إنَّ تعلُّقَ القلوب بهؤلاء ودعوَى الالتجاء إليهم والفزَع إليهم عند كلِّ المصائب ممّا يضعِفُ التوكّلَ على الله، ممّا يقوِّض التوكُّل على الله، ويجعل هذا العبدَ متعلقًا قَلبُه بغير الله، يظنّ أنَّ غيرَ الله عنده الشفاءُ وعنده رفعُ البلاء، ولا يعلَم المسكين أنَّ هذا من تلبيسِ الشيطان.
كَم نسمَع عن كهّانٍ هنا وهناك تدفَع إليهم أموالٌ طائلة، ويصدَّقون بما يقولون، وربَّما أخذوا مالًا ودلُّوا على أمرٍ ثمّ عادوا ثانيًا ليجعَلوا هذا الإنسانَ متعلِّقًا بهم يدِين لهم بالولاءِ ويأخذونَ أموالَه ويستعبِدونه لغير الله.
أيّها المسلِم، إنَّ الشياطين لا ينفعونَ إلاَّ من عبدَهم من دون الله واستمتَعوا به من دونِ الله، قال تعالى عنهم: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام:128] ، فيستمتِع الجنِّيُّ بالإنسيّ بأن يعبدَه الإنسيّ ويذبَحَ له من دون الله وينذرَ له من دون الله وينفِّذ أوامرَه، ويستمتِع الإنسيّ بالجنّ بأن يبلِّغَه بعضَ الأخبار وينقُلَ له الأمورَ البعيدة التي عمِلها بعضُ النّاس؛ لما أعطى الله أولئك من قوّةِ الحرَكة وسرعةِ الانطلاقِ، فيظنُّ الظانّ أنّ هذا علمُ غيب.
فلنَحذر ـ أيّها المسلم ـ من خداعِ أولئك، ولنحذَر من الاغترار بهم، ولنجعَل ثقتَنا بربِّنا والتجاءَنا إلى ربِّنا وتوكّلَنا على ربِّنا واعتمادَنا على ربّنا، وأن تتعلَّقَ قلوبنا بربِّنا خوفًا ومحبّة ورجاءً، وأن نعلمَ أنَّ الله مالك النّفع والضّرّ، والأمورُ بيدِه، والأسبابُ التي شرَعَها لنا نأخذُ بها، وأمّا الأسباب الباطلةُ التي تفسِد عقيدتَنا وتبعِدنا عن ربِّنا وتشكِّكنا في كمال قدرتِه وعلمه فلا يجوز لنا أن نلتجِئ إليها، ولا أن نأخذَ بها، ولا أن نغترَّ بأولئك المشعوِذين الدجّالين الكذّابين.
تقرَأُ في بعضِ الصحف أحيانًا، يسمّونَه الفلكيّ، يتوقَّع هذا الفلكيُّ في برجِ كذا سيحدثُ كذا وفي برجِ كذا سيحدثُ كذا وإن كان برجُك كذا لك كذا، كلُّ هذه دِعايات ضالّة، وكلُّها أكاذيبُ، وكلّها افتِراء، وكلُّها ادِّعاء لعلمِ غيبٍ، فمَن صدَّق أولئك في دَعواهم أنَّهم يعلمون الغيبَ فهذا كافرٌ بالله مكذِّب لله ورسولِه؛ لأنَّ علمَ الغيبِ ممّا استأثر الله به، ولا يجوز لأحدٍ أن يدَّعيَ ذلك، أسأل الله لي ولَكم التوفيقَ والسداد، إنّه على كلِّ شيء قدير.
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ، فاستغفروه وتوبُوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.
[1] رواه مسلم في السلام (2230) عن صفية عن بعض أزواج النبي نحوه.
[2] أخرجه البزار (3045 ـ كشف الأستار ـ) من حديث جابر رضي الله عنه، وجوَّده المنذري في الترغيب (3/619) ، وقال الهيثمي في المجمع (5/117) :"رجاله رجال الصحيح خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وصححه الألباني في غاية المرام (285) . وله شواهد منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه زيادة، أخرجه أحمد (9290، 9536) ، وأبو داود في الطب (3904) ، والترمذي في الطهارة (135) ، والنسائي في الكبرى (9017) ، وابن ماجه في الطهارة (639) ، والدارمي (1136) ، وابن الجارود (107) ، والحاكم (1/8) ، وقال الترمذي:"ضعف البخاري هذا الحديث من قبل إسناده"، ونقل المناوي في الفيض (6/24) تضعيفَ البغوي وابن سيّد الناس والذهبي لهذا الحديث، ووافقهم على ذلك.
الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، في الحديث عنه قال: (( مَن تعلَّقَ بِشيءٍ وُكِلَ إليه ) ) [1] . نعم، من تَعلَّق بالسّحَرة من تعلَّق بالكهّان مَن تعلَّق بالعرّافين مَن تعلَّق بالمنجّمين مَن تعلَّق بأولئك الضالّين وكِل إليهم وتعلَّق قلبُه بهم، ولن ينفَعوه ولن يدفَعوا عنه ضرَرًا، وصار قلبُه متعلِّقًا بهم، وربما أعطاهم شيئًا من حقِّ الله وأشرَكهم في عبادةِ الله، أمّا المؤمن فهو متعلِّق بالله، واثقٌ بالله، مفوِّض أمرَه إلى الله، راضٍ بما قضَى الله وقدَّره، عالمًا أنَّ ما يجرِي فبقضاءِ الله وقدَرِه، فهو مؤمنٌ مطمئنّ، يسأل الله العفوَ والعافيَة دائمًا في الدّنيا والآخرة، ويصبِر ويرضَى ويحتسِب كلَّ ذلك في سبيلِ الله.
هكذا المؤمنُ حقًّا، لا تراه متعلِّقًا بأولئك، وإنما يعلَم أنَّ له ربًّا مدبِّرًا، آمَن به ربًّا وإلهًا، عبَده وأخلَص العبادةَ لله، وتعلَّق قلبُه به، وأيقَنَ أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلَم يلتفِت لأولئك، ولم يغترَّ بهم، ولم ينخدِع بهم، وإنما هو دائمًا:"حسبُنا الله ونِعمَ الوكيل، لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله، تحصَّنتُ بالله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم، واستدفعتُ الشرَّ كلَّه بلا حول ولا قوة إلا بالله"، يحصِّن نفسَه بالأوراد، فيقرأ الأورادَ الشرعيّة مما في كتابِ الله أو صحَّ عن رسول الله ، يقول إذا أصبحَ وإذا أمسى ثلاثَ مرات: بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، أعوذُ بكلمات الله التامّة التي لا يجاوِزها برٌّ ولا فاجر من غضَبِه وعقابه وشرِّ عباده ومن همَزات الشياطين وأعوذ بكَ ربِّ أن يحضرونِ، أعوذ بكلِمات الله التامّة من شرِّ ما خلق وذرَأ وبَرأ ومن شرِّ ما يلج في الأرض وما يخرُج منها وما ينزِل من السماء وما يعرُج فيها ومِن طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرُق بخير يا رحمن، أعوذُ بكلمات الله التامّة من كلِّ شيطانٍ وهامّة ومن كلّ عين لامّة. فيحصِّن نفسَه بالأوراد التي في القرآنِ والسنّة، فيكون ذا سببًا لراحةِ قلبِه وطمأنينةِ نفسِه، ويعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والأمور كلُّها بيدِ الله، لكن أولئك الضالّون ولكن أولئك الأدعياء للغيب لا يصغِي إليهم، ولا يلتفت إليهم، ولا يتعلَّق قلبُه بهم، بل يبغِضهم لله ويكرَهُم ويبتعِد عنهم ويعلَم كذِبَهم وضلالَهم.
واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعَة، ومن شذّ شذّ في النّار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ علَى عبد الله ورسوله محمّد كما أمرَكم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللَّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللَّهمَّ عن خلَفائه الراشدين...
[1] أخرجه أحمد (4/311) ، والترمذي في الطب، باب: ما جاء في كراهية التعليق (2072) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2576) ، وابن قانع في معجم الصحابة (2/117) ، والحاكم (7503) ، والبيهقي في الكبرى (9/351) من حديث عبد الله بن عكيم رضي الله عنه بلفظ: (( من تعلّق شيئا ) )، وقال الترمذي:"حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي ، وكان في زمن النبي يقول: كتب إلينا رسول الله"، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1691) . وفي الباب عن عقبة بن عامر وأبي هريرة رضي الله عنهما.