فهرس الكتاب

الصفحة 5342 من 5777

موقف من مواقف الرسول

سيرة وتاريخ

غزوات

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-أهمية دراسة السيرة النبوية. 2- قصة صلح الحديبية. 3- فوائد ودروس من القصة.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى.

عباد الله، إن في النظر في سيرة رسول الله والاعتبار بها والتفكير فيها لصلاحًا للقلب وزيادة في إيمان العبد واستقامة للحال وسعادة في المآل؛ ولذا كان لزامًا على كل مؤمن ومؤمنة النظر في سيرته للاقتداء به، امتثالًا لقوله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.

لأجل ذلك ولتكالب الأعداء على الأمة ولحاجة الفرد والمجتمع إلى الإصلاح كانت هذه الوقفة مع حدث من أحداث الجهاد، ومواقف رسول الله والمؤمنين معه في مواجهة الكفار، وكيف استطاع المسلمون التغلب على عدوهم.

أيها المسلمون، في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله ومعه ألف وأربعمائة متوجهًا إلى مكة يريد العمرة، فلما كان بذي الحليفة ميقات أهل المدينة قلد الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث عينًا له كافرًا من خزاعة يخبره عن قريش، فلما كان بعسفان أتاه عينه وأخبره أن قريشًا قد جمعوا له جموعًا وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت، فاستشار رسول الله أصحابه وقال: (( أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنق قطعها الله؟ أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ ) )فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي: (( فروحوا إذن ) )، فراحوا حتى إذا كان ببعض الطريق قال النبي: (( إن خالد بن الوليد بالتنعيم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين ) )، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي: (( ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ) )، ثم قال: (( والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا عطيتهم إياها ) )، ثم زجرها فوثبت به، فعدل بها حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله العطش، فتمضمض في ماء ومج فيه، وألقى فيه سهمًا من كنانته، فلم يزل يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.

وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه، فقال: يا رسول الله، ليس لي عشيرة تحميني، فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت، فدعا رسول الله عثمان، فأرسله إلى قريش، وقال: (( أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عمّارًا، وادعهم إلى الإسلام ) )، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان، فانطلق عثمان، فمر على قريش، فبلغ الرسالة، ثم أجاره أحد بني عمه، وحمله على فرس حتى دخل مكة، وقال المسلمون: خلص عثمان إلى البيت وطاف، فقال رسول الله: (( ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون ) )، قالوا: وما يمنعه؟ قال: (( ذاك ظني به، أن لا يطوف حتى نطوف معه ) ).

واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، وقتل رجل منهم وتحاجزوا، وبلغ رسول الله أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة على أن لا يفروا، وأخذ رسول الله بيد نفسه وقال: (( هذه عن عثمان ) )، ولما تمت البيعة رجع عثمان فقال له المسلمون: اشتفيت ـ يا أبا عبد الله ـ من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي، والذي نفسي بيده لو مكثت بها سنة ورسول الله مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، فقال المسلمون: رسول الله كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنًا.

وسارت الرسل بين رسول الله والمشركين لأجل الصلح، فجاء عروة الثقفي من المشركين، فرأى الصحابة كلما تنخم رسول الله سقطت في يد أحدهم فدلك بها وجهه وجلده، فرجع عروة إلى المشركين، فقال: لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ثم جاء رسول من المشركين وجاء آخر، حتى جاء سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله قال: (( قد سهل لكم من أمركم ) )، فقال: هات اكتب بيننا كتابًا، فدعا الكاتب، فقال: (( اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ) )، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: لا تكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي: (( اكتب: باسمك اللهم ) )، ثم قال: (( اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) )، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك، اكتب محمد بن عبد الله، ثم قال: (( على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به ) )، فقال سهيل: لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟!

فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في قيوده هاربًا من مكة، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه، فقال: (( إنا لم نقض الكتاب بعد ) )، فقال: فوالله، لا أقاضيك على شيء أبدًا، فقال النبي: (( فأجزه لي ) )، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (( بلى، فافعل ) )، فقال: ما أنا بفاعل، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟! ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عذب في الله عذابًا شديدًا، قال عمر بن الخطاب: والله، ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي فقلت: يا رسول الله، ألستَ نبي الله؟! قال: (( بلى ) )، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟! قال: (( بلى ) )، فقلت: علام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبين عدونا؟! فقال: (( إني رسول الله، وهو ناصري، ولست أعصيه ) )، قلت: أوَلست تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟! قال: (( بلى، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ ) )قلت: لا، قال: (( فإنك آتيه ومطوف ) )، قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت له كما قلت لرسول الله ، ورد عليه أبو بكر كما رد عليه رسول الله سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق، قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا.

فلما فرغ رسول الله من الكتاب قام فنحر هديه وحلق شعره، وكاد المسلمون أن يقتل بعضهم بعضًا في سرعة امتثالهم لما رأوا رسول الله يحلق شعره، وكتبت لهم عمرة، واستثنى الله المؤمنات إذا قدمن من عند الكفار أن لا يعدن إليهم، وكر رسول الله راجعًا إلى المدينة، فأنزل الله عليه في الطريق: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ، فقال عمر: أهو فتح يا رسول الله؟! قال: (( نعم ) )، فقال الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله، فما لنا فأنزل الله: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.

عباد الله، هذه قصة الحديبية، سماها الله فتحًا لما ترتب عليها من الخير العظيم للمسلمين ودخول الناس في دين الله وانتشار الدعوة، وإن كان الصلح في ظاهره فيه ظلم للمسلمين ومشقة عليهم، لكن حكمة الله وعلمه أعظم من كل شيء.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واقتدوا بسنة نبيكم، يجعل لكم ربكم من كل كرب فرجًا، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا.

عباد الله، لما رجع رسول الله من الحديبية أمره الله أن يخرج بمن كان معه في الحديبية إلى خيبر، فخرج إليها ففتحها الله عليهم، وحصل فيه من الغنائم الشيء الكثير، وكانت خالصة لأهل الحديبية لم يشاركهم فيها غيرهم.

وفي قصة الحديبية صالح رسول الله قريشًا على وضع الحرب عشر سنوات، وأنه يعتمر في السنة السابعة.

وفي قصة الحديبية فوائد عظيمة، منها استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المذمومة لقوله لما جاء سهيل: (( سهل أمركم ) )، ومنها تعظيم كبراء المسلمين أمام رسل العدو وإظهار مكانتهم كما فعل الصحابة بالرسول، ومنها أن المسلم يحتمل ما ظاهره الظلم والشدة إذا كان سيؤدي إلى عز ونصر في النهاية، فإن ظاهر الصلح ضيم وهضم للمسلمين، لكن حقيقته نصر وعز لهم، ومنها طاعة الله ورسوله والثبات للحق ولو كان في النفس شك وريبة، واستشارة أهل العلم والخير والصلاح في زمن الفتن كما حصل من عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما.

عباد الله، هذا بعض من سيرة رسول الله ، فاقتدوا به تفلحوا، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت