فهرس الكتاب

الصفحة 5341 من 5777

فضل الذكر

الرقاق والأخلاق والآداب

الدعاء والذكر, فضائل الأعمال

فريح بن محمد الفريح

الذيبية

جامع بلدة السمار

1-حرص الصحابة على الخير. 2- أنواع الصدقة. 3- فضل الذكر على الصدقة. 4- فضل الجمع بين الصدقة والذكر.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واذكروه ذكرًا كثيرًا، وسبحوه بكرة وأصيلًا.

في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب رسول الله قالوا للنبي: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضل أموالهم، قال: (( أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة ) )، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: (( أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ).

هذا حديث عظيم، فيه دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته، وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه فقال: وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ. وفي الحديث أن الفقراء غبطوا أهل الدثور ـ والدثور هي الأموال ـ بما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم، فدلهم النبي على صدقات يقدرون عليها.

عباد الله، لقد بين لنا نبينا في هذا الحديث أن الصدقة تكون بالمال وغيره، فمن عجز عن الصدقة بالمال فإن فضل الله واسع، فجميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة، فعن حذيفة عن النبي أنه قال: (( كل معروف صدقة ) )رواه مسلم.

واعلموا ـ يا عباد الله ـ أن الصدقة بغير المال نوعان:

أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق، فيكون صدقة عليهم، وربما كان أفضل من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دعوة إلى طاعة الله وكف عن معاصيه، وذلك خير من النفع بالمال، وكذلك تعليم العلم النافع وإقراء القرآن وإزالة الأذى عن الطريق والسعي في جلب النفع للناس ودفع الأذى عنهم، وكذلك الدعاء للمسلمين والاستغفار لهم، وفي الأثر عن ابن عمر: (من كان له مال فليتصدق من ماله، ومن كان له قوة فليتصدق من قوته، ومن كان له علم فليتصدق من علمه) .

ومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس، ففي الصحيحين عن أبي ذر أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله ) )، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (( أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا ) )، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (( تعين صانعًا أو تصنع لأخرق ) )، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: (( تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة ) ).

والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعه قاصر على فاعله، كأنواع الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وكذلك المشي إلى المساجد صدقة.

وقد جاءت النصوص الكثيرة بتفضيل الذكر على الصدقة وغيرها من الأعمال، عن أبي الدرداء عن النبي أنه قال: (( ألا أنبئكم بخير أعمالك، وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ) )قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( ذكر الله عز وجل ) )رواه الإمام أحمد.

عباد الله، هذا فضل الله لمن قل ماله وعجز عن العمل ببدنه، فعنده هذا الذكر الذي فضله رسول الله على غيره من الأعمال، فتمسكوا به، وأكثروا منه، فإنه رفعة في الدنيا والآخرة وسبب لصلاة الله وملائكته عليكم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.

الحمد لله رب العالمين، أمرنا بذكره، ووعد الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات مغفرة وأجرًا عظيمًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان يذكر الله على كل أحيانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واعلموا أن الله أمركم أن تذكروه ذكرًا كثيرًا وتسبحوه بكرة وأصيلًا؛ لأن ذكر الله تطمئن به القلوب، الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.

عباد الله، لئن كان ما مر معنا وصية رسول الله للفقراء، فإن الأغنياء يجمعون بينها وبين صدقة المال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن الفقراء المهاجرين أتوا النبي فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم! قال: (( وما ذاك؟ ) )قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله: (( أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلما صنعتم؟ ) )قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة ) )، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله: (( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) ).

عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت