الأسرة والمجتمع
الأبناء, قضايا المجتمع
حمزة بن فايع الفتحي
محايل
جامع الملك فهد
1-مرحلة الشباب. 2- صور من شباب الصحابة رضي الله عنهم. 3- وصية للشباب.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70] .
أيها الناس، لم تكن مرحلة الشباب في حياة المسلمين مرحلة للحياة البهيمية أو الثورة الشهوانية أو الطفرة الرياضية أو التعاسة الفنية، بل كانت مسرحًا للبطولات وميدانًا للتضحيات ومدرسة للفدائيات. وكانت فترة الشباب فترة لصناعة القوى العقلية وتأمين البنى الثقافية، فالشباب قوة متوهجة، هي حسّ الأمة ونبضها وصمودها، وإنها لفترة ذهبية للأمة، فتسارع في تقويتها وتربيتها وإعدادها الإعداد التام.
وليتذكر ـ إخواني الشباب ـ أنهم مسؤولون عن أعمارهم، وعن شبابهم خصوصًا، وكما في الحديث الصحيح: (( وعن شبابه: فيم أبلاه؟ ) ). فالعمر قصير، والزمان سريع، والفتن أخاذة، والأشغال كثيرة، فالبدار البدار، قال الإمام أحمد رحمه الله:"ما شبَّهت الشباب إلا بشيء كان في كُمي فذهب".
أيها الإخوة الكرام، إنَّ من أبلغ صور الشقاء والتعاسة أن تكون طاقات الشباب خائضة في محيط الملاهي، فتُهدر الطاقات في سفاهات، وتورد الألباب موارد الهلكة والتباب، ويجعل المواهب في مرارة الموائد واللذائذ، وإنه لمن النكسة أن يكون شبابها بلا عقول، يرومون الملذات، ويتهيّبون المعالي، ويستحسنون القبيح.
أين الشباب الذين يأنفون الذلة والهوان ويشتاقون للمعالي ويذلّلون الصعاب ويصنعون المستحيلات؟! لقد كان شبابنا الأوائل متَّقدي الهمم مشتعلي العزائم، يمتطون التضحيات ولا يرهبون الأزمات، صغيرهم لا يرضى بالدون ويطلب العلاء ولا يخشى الدوائر. هل تصدقون أن ناشئتهم فتية آمنوا بربهم فزادهم هدى ومتعهم بطولةً وإقداما وشجاعة وجهادًا؟!
وسوف أسوق لكم أمثلة نطّلع من خلالها على أسرار الهمة عند شباب الإسلام وعظمة البطولة وسمو المقاصد والتضحيات. وإذا كان هذا الزمان صعبًا فإن لدينا إمكانات ووسائل نُصلح بها همم الشباب ونطور عقولهم ونصنع بطولاتهم ونجعل منهم جيلًا ربانيًا معطاءً. ليس عسيرًا صياغة شبابنا صياغةً جادة إذا أعطيناهم اهتمامًا بارزًا ووقتًا معينًا وجهدًا كبيرًا يضاهي أشغالنا ورغباتنا وشهواتنا، فهل نفي هذه القضية ونعطيها حقها؟!
أيها الفضلاء، دعونا نحلِّق في سماء مجد الأبطال، فنستنشق عبير أخبارهم، ونستلهم طيب أحاديثهم، ونعيش روح قصصهم وأمجادهم، فالأرواح تشتاق إليهم، والأطماح تتوقهم، والأبصار تتصاعد وتشخص إليهم، فكم من حديث لهم فيه عبرات وقد حُشي بالمباهج والمكرمات.
أبدًا تحنُّ إليكمُ الأرواحُ ووصالكم ريْحانها والرّاحُ
وقلوبُ أهل ودادكم تشتاقكم وإلى لذيذ لقائكم ترتاحُ
وارحْمةً للعاشقين تكلّفوا ستر المحبة والهوى فضاح
بالسرّ إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تُباحُ
وإذا همُ كتموا تحدَّث عنهم عند الوداع الْمدمع السفاحُ
فإلَى لقاكم نفسه مرتاحة وإلَى رضاكم طرفه طمّاحُ
فتشبّهوا إنْ لم تكونوامثلهم إنَّ التشبهَ بالكرام فلاحُ
أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه من شباب المسلمين ومواليهم، شابٌ امتلأ قلبه بالإيمان وبمحبة الله ورسوله، فآثر دينه على دنياه، وجعل الفروسية فوق اللذاذة، فاستروح كل مكروه في سبيل الله، ولم يبالِ بكثرة التبعات وشدة البلاءات، فراحَ يهدّ صفوف المشركين هدًّا، في شجاعة وثابة وإقدام شديد.
أحبّه النبي ، فكان من حبه أن اصطفاه للإمرة في الجهاد، وليس في موضع الدعة والارتياح، فتكلم بعض الناس في إمرته لحداثة سنه، فجاءت التزكية الفاصلة والشهادة الغالية من النبي ، كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: (( إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل. وايمُ الله، لقد كان خليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده ) ).
بعث رسول الله أسامة على جيش من المسلمين، حيث قُتل أبوه ناحية البلقاء، وفي الطريق توقف في مواطن قضاعة يسيرًا، وبدأ بتتبع آثار المرتدين، حتى فروا وهربوا، ثم انتقل إلى جُذام، فأغار عليهم إغارة شديدة، وسبى وحرَّق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلهم حتى صارت أعاصير من الدخان، وأجَالَ الخيل في نواصيهم، وقضى يومه في تعبئة ما أصابوا من غنائم ثم لم يقم، وإنما كرّ راجعًا من مساء يومه وعاد بالجيش بلا ضحايا. وقال عنه المسلمون يومئذ: ما رأينا جيشًا أسلمَ من جيش أسامة.
وكان هرقل بحمص حين بلغه ما صنع أسامة بعملائه من العرب، فدعا بطارقته وقال لهم: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني، قد صارت العرب تأتي من مسيرة شهر فتُغيرُ عليكم، ثم تخرج من ساعتها ولم تُكلم أي: تجرج، لله درك يا أسامة! ما أشجعك وأصبرك على ميادين البطولة ومنازل الشهادة.
وشاب آخر هو حيدرة الأبطال علي بن أبي طالب ، فكان سيفًا مُصلتًا على الأعداء، ارتضع البطولة من صباه، وتدرع بالحماسة والجسارة، فكسر أعناق المشركين وزلزل قلوب المعتدين، وكان من فرط شجاعته وإيمانه أنه نام مكان رسول الله في حديث الهجرة، وخرج في بدر مبارزًا صناديد قريش، فاستأصل طليعتهم وأباد بارقَهم.
وفي غزوة الخندق يخرج كبش الكتيبة عمرو بن عبدود العامري من رؤوس المشركين، وكان ممن جاز الخندق، فصاح طالبًا النزال، ويقول: أين جنتكم يا مسلمون؟! هل من مبارز؟! فيخرج له على متَّشحًا بالبسالة، وعلى رأسه لهيب الإقدام والنضال، فيحتدّ البراز بينهما ساعة، ويثور العجَاج، فيمكّن الله عليًا من ضربه وبقر بطنه، فيكبر ويكبر رسول الله ويكبر المسلمون فرحًا واستبشارًا.
وفي غزوة خيبر يقول النبي: (( لأُعطينَّ الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه ) )، فيعطي الراية عليًا، فيكون خير فاتح ومجاهد، ودكّ حصون اليهود، وكسر شوكتهم.
وفي الغزوة يخرج فارس خيبر مَرحب اليهودي، وكان أشدَّهم وأجلدهم، فيخرج له علي بلا حَيرة أو تردّد، متطلّعًا لمدارج العز أو منازل الشهادة، فقال مرحب:
قد علمت خيبر أني مرحبُ شاكي السلاح بطل مجرَّبُ
إذا الحروب أقبلت تلهَّبُ
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غاباتٍ كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيلَ السندره
فالتقى حيدرة بمرحب، فما أخطأ رأسه، وكان الفتح على يديه.
لأدفع عن مكارمَ صالحاتٍ وأحمي بعدُ عن عرضٍ صحيحِ
معاشر المسلمين، إن حلاوة الإيمان لتتلذّذ بألوان التنكيل والعذاب حبًا لله ولرسوله، فها هم آل ياسر يعذبون في مكة على الإسلام، صغيرهم وكبيرهم ونساؤهم، فلا يرتدّون أبدًا عن دينهم، بل يصمدون ويحتسبون، ويمرّ عليهم رسول الله ولا يملك لهم حَولًا ولا طَولًا، فيقول لهم مثنيًا: (( صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة ) )أخرجه الحاكم وغيره بسند حسن.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين...
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول الله تعالى: مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] .
لقد كان هذا الإيمان العجيب الذي فاض على صحابة رسول الله طريقًا للصدق الذي صنع منهم جيلا يترسّم معاني البطولة بشتى أنواعها، ولا يرضى بالدون والدناءة، ولا يغتر بالدنيا وزخارفها.
فذلكم مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه أعطر أهل مكة وأجملهم نضارة وشبابًا، صار بالإسلام رمزًا للفداء والتضحية، وتلذّذ بخشونة العيش على النعومة والرفاهية. كان مصعب سفير الإسلام إلى المدينة، والداعية الأول الذي بثَّ النور في المدينة، وأسلم على يديه ساداتها ورجالها.
ومن التعليم والدعوة ينتقل مصعب إلى ميدان الجهاد، ليكون كوكب الشهداء، فيضرب مثلًا ساميًا في علو الهمة والصبر والثبات.
ذكر أهل السير أن مصعبًا شهد أُحدًا وكان حامل اللواء، فقاتل بضراوة بالغة يدافع عن النبي ، فضربه ابن قمئة على يمناه حتى قُطعت، فأخذ اللواء بيده اليسرى وصمد في وجوه الكفار، فضربه المشرك حتى قُطعت يسراه، ثم برك عليه بصدره وعنقه، حتى قتل رضي الله تعالى عنه.
فيقول خباب رضي الله تعالى عنه مشيرًا إلى فضل مصعب وما حصل له من الكرامة: هاجرنا مع رسول الله نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قُتل يوم أحد، وترك نَمِرة، فكنا إذا غطَّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه شيئًا من إذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهدِبُها، أي: يجتنيها.
وفي غزوة أحد يأتي الشباب الصغار لكي يشهدوا الغزوة مع رسول الله ، فيردهم لحدَاثة أسنانهم، فقال رافع بن خَديج: إني رامٍ كما يرمي الشيوخ، فيجيزه عليه الصلاة والسلام، فيأتي سَمُرة بن جندب فيقول: يا رسول الله، أجزت رافعًا ولم تُجزني، ولو صارعته لصرعته، فيأمرهما أن يتصارعا، فيصرع سمرة رافعًا، فيجيز الاثنين معًا.
وهكذا ـ يا معاشر المسلمين ـ تتصاعد همم الأبطال، وتتسامى عقولهم، زاهيةً في رياض الإيمان، طامحة للمعالي، وراغبة عن السفاسف والمغريات.
يا إخواني الشباب، لكم في هؤلاء البررة أسوة حسنة، تعلَّموا من أخلاقهم، واحملوا من مبادئهم، واستمتعوا بأحاديثهم، فلقد توخّوا الانتصارات في شدائد الملمات، وحازوا اللذائذ على جسر المصاعب، ورَموا بالنفوس مرامي العز والشرف، وصانوها عن منازل السفه والعبث.
وعلى المستوى العلمي والثقافي يغرس الإسلام غرسًا بالغًا، يتطلع للعلم وللمعرفة، فيؤثره على الحجاب والشهوات، من هؤلاء زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه الإمام الفرضي الحجة الذي جمع القرآن وكان أهلًا لذلك، ففي الصحيح أن أبا بكر قال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن فاجمعه.
وهو الذي تعلَّم السُّريانية لغة اليهود في سبع عشرة ليلة، كما عند الحاكم. وعند أبي داود والترمذي بسند حسن زيد قال: أمرني رسول الله أن أتعلم له كتاب يهود، فقال: (( إني ما آمن يهود على كتاب ) )، قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته وكان إذا كتب إلى يهود كتبتُ إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم. قال ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
وقفوا على هامِ الزمان رجالا يتوثّبون تطلعًا ونضالًا
وحي السماء يَجيش فِي أعماقهم ونداؤه من فوقهم يتعالى
شباب الإسلام، يقول الشيخ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في وحي القلم:"يا شباب العرب، يقولون: إن في شباب العرب شيخوخةَ الهمم والعزائم، فالشباب يمتدون في حياة الأمم وهم ينكمشون، وإن اللهو قد خف بهم حتى ثقلت عليهم حياة الجد، فأهملوا الممكنات فرجعت لهم كالمستحيلات، وإن الهزل قد هون عليهم كل صعبة فاختصروها، فإذا هزؤوا بالعدو في كلمة فكأنما هزموه في معركة، وإن الشاب منهم يكون رجلًا تامًا، ورجولة جسمه تحتج على طفولة أعماله. يا شباب العرب، اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزًا وإما أن تموتوا، إما أن يحيا الإسلام عزيزًا وإما أن تموتوا".
اللهم اهد شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أنزلهم منازل العز والفضيلة، وجنبهم مسالك اللهو والرذيلة، اللهم اجعلهم لأمتهم فخارًا ولدينهم أنصارًا، اللهم احفظهم من ألوان العبث والسفه والبلادة، واجعلهم من أهل المروءة والشهامة...