فقه
الصلاة
يزيد بن الخضر ابن قاسي
بوزريعة
علي مغربي
1-الصلاة أعظم العبادات. 2- تعظيم قدر الصلاة. 3- وعيد ترك الصلاة. 4- حكم تارك الصلاة. 5- شبهات التاركين للصلاة. 6- فوائد الصلاة.
اتقوا الله عبادَ الله، واعلموا أن الله جل وعلا خلقنا لعبادته، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ ?لْجِنَّ وَ?لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ ?للَّهَ هُوَ ?لرَّزَّاقُ ذُو ?لْقُوَّةِ ?لْمَتِينُ [الذاريات:56-58] .
وإن من أعظم العبادات عند الله وأرفعها شأنا وأجلّها قدرا إقامة الصلاة، فالصلاة ركنُ الدين وفريضة الله على المسلمين ومعراجُ المؤمنين المتّقين، وهي الصلة بين العبد وبين ربه، وهي أفضل أعمال الإسلام، فلا دينَ لمَن لا صلاةَ له، ولا حظَّ في الإسلام لمَن ترك الصّلاة، فإنه لا يستهين بأمرها ولا يعرف قدرها ولا يُعظّم شأنها إلا من نقص تعظيم الله في قلبه، لأن تعظيم قدر الصلاة هو تعظيم لله عز وجل، فينبغي على كل مسلم أن يعرف عظم قدر هذه الصلاة التي أوجبها الله على عباده.
ومما يعرف به قدر الصلاة عند الله أنها الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، فالصلاة عمود الإسلام، قال: (( رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة ) ).
ويتجلى كذلك تعظيم قدرها أن كل الأحكام والتشريعات شرعت والنبي على أرض جزيرة العرب، وأما الصلاة ـ عباد الله ـ فلعظم قدرها عند الله فرضت ليلة المعراج، وذلك لما عرج بالنبي إلى السموات العلى، ففي الصحيح قَالَ النَّبِيُّ: (( ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلام،ِ فَفَرضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاة، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِك؟ قُلْت: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاة، قَال: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَها، فَقَال: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِك، فَرَاجَعْتُهُ فَقَال: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُون، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) ).
نعم، هكذا فرضت الصلاة أيها الإخوة المسلمون، فرضت فوق السموات العلى، ليلة أسري بالنبي ، خمس صلوات في العدد باعتبارالتكليف والعمل، وخمسون في الأجر والثواب، فالحسنة بعشر أمثالها.
ولا يخفى ـ عباد الله ـ أن الصلاة أكثر الفرائض والواجبات ذكرا في القرآن الكريم تبيانا لعظم قدرها عند الله.
ويتجلى عظم قدرها كذلك أنه لا عذر لأحد على أيّ حال من الأحوال أن يتركها، بخلاف بقية الواجبات والفرائض التي قد يكون لك العذر في تركها كالصيام والحج وغيرهما، بل الصلاة لا تترك حتّى إذا عجز المسلم عن شروطِها وأركانِها، يصليها ما دامَ العقل سليما، والصلاة لا تسقط بمرضٍ ولا خوف ولا فزع ولا قتال، قال تعالى: حَـ?فِظُواْ عَلَى ?لصَّلَو?تِ و?لصَّلَو?ةِ ?لْوُسْطَى? وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـ?نِتِينَ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَ?ذْكُرُواْ ?للَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ [البقرة:238، 239] ، فالجهاد الذي هو ذروة سنام هذا الدين، ومع ذلك لا يجوز للمجاهد وهو في ساحة الوغى أن يترك الصلاة، ولأجل ذلك شرعت صلاة الخوف في الجهاد، فعلى أيّ حالٍ لا بدّ أن يصليَ المسلم، حتى وإن عجز عن طهارةٍ أو ستر عورة أو غير ذلك صلّى على أيّ حال، وحتى وإن تعذرت الصلاة بركوعها وسجودها يصليها إيماء برأسه أو تحريكا بعينه أو بأصبعه، فإن لم يستطع فبقلبه، وإن تعذر الوضوء أو الغسل لفقدان الماء أو المرض شرع التيمم، وهذا كله حتى لا يترك المسلم صلاته لعظم قدرها عند الله.
ولعظم قدرها كذلك شرع للمسلم أن يصلي في أي مكان، وعلى أي أرض كان، مجتنبا في ذلك المقابر ومواطن النجسات إلا أن يتعذر ذلك، قال: (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) ).
وعند السفر الذي هو قطعة من العذاب ـ كما وصفه النبي ـ رخِّص للمسلم المسافر قَصر الصلاة، وكذلك في الحضر والسفر رخِّص له الجمع بين الصلاتين والمسح على الخفين وهذا كلّه حتى لا يتركها.
ولأجل الصلاة ولأجل هذه الشعيرة العظيمة بنيت المساجد وشيِّدت، وشُرع الأذان، وشرعت صلاة الجماعة تعظيما لقدر الصلاة.
ولعظم قدر الصلاة عند الله أن النبي أمر بتعليمها الصبيان إذا بلغوا سبع سنين، وضربهم عليها في السن العاشر، قال: (( مُروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ) ).
ولا يخفى أن الصلاة كانت وصيّةَ رسول الله عندَ فِراق الدّنيا وهو يغالِب سكراتِ الموت، تخرج روحُه الشريفة وهو مشفِق على أمّته، يجود بنفسِه وينادي: (( الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانُكم ) )، وكانت همَّه وهو في الرّمَق الأخيرِ يسأل: (( هل صلّى الناس؟ مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ) )، نعم كل هذا لعظم قدر الصلاة.
وفريضة الصلاة لعظم قدرها كانت فريضة مشتركة بين النبيين، فكلُّهم أُمِروا بها، قال الله سبحانه عن إبراهيم ولوطٍ ويعقوبَ وإسماعيل عليهم السلام: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ ?لْخَيْر?تِ وَإِقَامَ ?لصَّلو?ة [الأنبياء:73] ، وهي دعوةُ أبينا إبراهيم حينَ دعا ربَّه بقوله: رَبّ ?جْعَلْنِى مُقِيمَ ?لصَّلو?ةِ وَمِن ذُرّيَتِى [إبراهيم:40] ، وقال: رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ?لْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ?لصَّلو?ةَ [إبراهيم:37] . وقال سبحانه عن عيسى عليه السلام: وَأَوْصَانِى بِ?لصَّلَو?ةِ وَ?لزَّكَو?ةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31] . وفي كلامِ الله تعالى لموسى عليه السلام: إِنَّنِى أَنَا ?للَّهُ لا إِلَـ?هَ إِلا أَنَاْ فَ?عْبُدْنِى وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ لِذِكْرِى [طه:14] ، ولنبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] ، أَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ لِدُلُوكِ ?لشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ ?لَّيْلِ وَقُرْءانَ ?لْفَجْرِ إِنَّ قُرْءانَ ?لْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78] ، وقال سبحانه عن عبادِه الصالحين المصلحين: وَ?لَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِ?لْكِتَـ?بِ وَأَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ?لْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170] .
ولقد وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تترى في تأكيد تعظيم قدر الصلاة، وفي بيان الوعيد الشديد لمن تركها وضيّعها، من ذلك قوله سبحانه: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] ، وقال تعالى في وصف الوجوه الباسرة أي: الكالحة العبوسة: فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى? وَلَـ?كِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى? ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى? أَهْلِهِ يَتَمَطَّى? أَوْلَى? لَكَ فَأَوْلَى? ثُمَّ أَوْلَى? لَكَ فَأَوْلَى? أَيَحْسَبُ ?لإِنسَـ?نُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:31-36] ، وقال تعالى: إِلاَّ أَصْحَـ?بَ ?لْيَمِينِ فِى جَنَّـ?تٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ ?لْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ?لْمُصَلّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ?لْمِسْكِينَ [المدثر:39-44] ، أصحاب اليمين في الجنات يتساءلون عن سبب دخول المجرمين سقر وهي جهنم، فأول شيء أجاب به هؤلاء المجرمون اعترافا بذنوبهم في الدنيا هو ترك الصلاة وتضييعها، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث الصحيحة قول النبي: (( أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائرُ عمله، وإن فسَدت فسَد سائرُ عمله ) )، وقال أيضا: (( العهد الذي بننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ) )، وقال: (( من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ) )، وقال: (( ليس بينَ الرّجل والكفرِ أو الشرك إلاّ ترك الصّلاة ) ).
وإزاء هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة اختلف الأئمة والعلماء في حكم تارك الصلاة، والخلاف فيه معتبر لا يستهان به، وينبغي على كل المسلم أن يكون على علم به، وخلاصته وحقيقته أن من الأئمة الفضلاء والعلماء الأجلاء فقهاء ومحدثين من السلف والخلف من قالوا بتكفير تارك الصلاة، وإن كان الراجح من ذلك هو قول الجمهور القائلين بعدم كفر تارك الصلاة، وأن تارك الصلاة يبقى على إسلامه، وإن مات يصلّى عليه ويدفَن في مقابر المسلمين، ويحمَل ما جاء في الأحاديث من إطلاق الكفر على الكفر العملي لا الكفر الاعتقادي الذي يخلد صاحبه في النار، ولكن ولكن مع هذا لم يختلف الجمهور على تفسيق تارك الصلاة، وأنه قد قارب الكفر بعمله، وأنه يستتاب من طرف الإمام، وأنه مردود الشهادة، وإن مات على تلك الحال فذلك من سوء الخاتمة والعياذ بالله، ويبقى في حقه الوعيد الشديد، وهو تحت مشيئة الله سبحانه، وحكمه إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
فيكفي تارك الصلاة أن علماء المسلمين قد اختلفوا في شأنه، أمسلم فاسق هو أم كافر، أفيسرّك ويرضك ـ يا تارك الصلاة ـ أن يكون هذا حكمك وحالك في الإسلام؟! أترضى بأن تكون لك قدم في دائرة الإسلام والقدم الأخرى في دائرة الكفر؟!
فترك الصلاة ـ عباد الله ـ ليس بالأمر الهين كما قد يعتبره بعض االناس، فإن ترك الصلاة جرم كبير وشنيع، ومنكر خطير وفظيع، قد يؤدي والعياذ بالله إلى الردة عن الدين واللحوق بالمشركين، فتارك الصلاة قد هدم عمود الإسلام، وفتح على نفسه بابا قد يؤدي به إلى الكفر والخروج من الإسلام، وهو جاحد لنعمة الله عليه. يا سبحان الله، الله الذي أنعم عليك بنعمة الإسلام وبنور الإيمان، وجعل لك فؤادا وعقلا، وأعطاك صحة وقوة وسمعا وبصرا، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة تكريما وتشريفا، وأنت ترفض أن تركع له ركوعا وتسجد له سجودا، واللهِ إنها لمن المصائب العظمى والبلايا الكبرى في هذا الزمان، أن تجد الواحد قد بلغ العشرين أو الثلاثين أو الأربعين ولا تعرف له صلاة ولا ركوعا ولا سجودا، أو تجده قد جاوز الخمسين أو حتى الستين ولم يسجد لله سجدة واحدة والعياذ بالله.
قال تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] ، وقال سبحانه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ?لسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَـ?شِعَةً أَبْصَـ?رُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ?لسُّجُودِ وَهُمْ سَـ?لِمُونَ [القلم:42، 43] .
قال ابن كثير رحمه الله:"أي: لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة".
فإن قضية الصلاة لأمر جلل، ولا يستهان بها، لا في حالة الجزع ولا في حالة الملل، لا في الصغر ولا في الكبر، لا في الشدة ولا في الرخاء.
فخذوا ـ عباد الله ـ بأيدي إخوانكم وأهاليكم وأبنائكم بالنصيحة والتعليم والإرشاد والتوجيه في أمر الصلاة، قال الله لنبيه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] ، وقد امتدح الله إسماعيلَ عليه السلام بقوله: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِ?لصَّلَو?ةِ [مريم:55] ، وقال: (( مُروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ) ).
ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ?لنَّاسُ وَ?لْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ?للَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
وللحديث بقية، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم.
أيها المسلمون، إن مما يحسن في هذا المقام الرد على بعض الشبه الداخلة على بعض تاركي الصلاة، فإن الشيطان يجتهد كل الجهد في إبعاد الناس عن الصلاة بكل وسائله وشبهه الباطلة.
فبعض الناس بسبب إدمانهم على معصية أو وقوعهم في كبيرة معينة يرفضون الصلاة، وذلك بزعمهم خشية الوقوع في النفاق مع الله، وفي ظنهم أنه يشترط للإنسان أن يكون صافيا وخاليا من المعاصي ليصبح مصلّيا، وهذا في الحقيقة هو من تلبيس إبليس عليهم، ومكيدة من مكائده الخبيثة، والمشكلة أن هذه الشبهة قد شاعت في الكثير من الناس وخاصة عندنا في الجزائر.
اعلم ـ يا عبد الله ـ أن فعلك للكبيرة وأنت تقيم الصلاة أهون عند الله من فعلك الكبيرة وأنت مضيّع وتارك لها، بل كونك تصلّي فصلاتك تكون لك عونا في التخلّص مما أنت فيه من المعاصي، قال تعالى: إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] .
والبعض الآخر له حجته الباطلة في تركه للصلاة، فيقول: الإسلام ليس فقط الصلاة (الإسلام ماشي غير الصلاة) ، المهم في المسلم أنه لا يسرق ولا يخدع ولا يكذب ويتصدق، هذا هو الصحيح والأهم في نظره، فيستهين بأمر الصلاة، فنجيبه ونقول: صحيح أن كل ما ذكرته من عدم سرقة وخداع وغير ذلك من الإسلام، ولكن هذه الأمور متعلقة بحقوق الناس، أما الصلاة فهي حق الله، وحق الله مقدّم ومؤكّد على حقوق الناس، وزد على هذا فقد تجد من الكفار من لا يسرق ولا يخدع ويتصدق وهل ينفعه ذلك عند الله وهو مضيع لحقوق الله من إيمان وتوحيد وصلاة؟!
وبعض الناس إذا قلت له: لماذا لا تصلي؟ يجيبك بكل جرأة ووقاحة: لقد رأينا الذين يصلون ماذا يفعلون، أو: لقد رأينا أصحاب المساجد ماذا يعملون، هذا الجواب الضعيف الذي ليس له أصل في دين الله، فالمسلم لا يعلق دينه بالناس، بل يعلقه برب الناس وبدينه، فما لك وللآخرين؟! إذا كان غيرك على اعوجاج، فصلِّ أنت وكن خيرا منهم، وكن أكثر استقامة منهم، وكن قدوة لهم، وزيادة على هذا فأنت لا تصلي من أجل الناس، فالصلاة حق الله وحده، فلماذا تعلقها بالناس؟!
والبعض الآخر يترك الصلاة أو يتهاون بها من أجل عمل ما أو وظيفة ما، ويقول: الوظيفة ما تركتني أصلي، ما عندي الوقت لأصلي، فيترك الصلاة. سبحان الله، صلاة الظهر مثلا بعدد ركعاتها وأركانها تأخذ منك خمس دقائق، فأيّ عذر أقبح من أن تقول: ليس عندي وقت لأصلي؟! أليس عندك وقت لتأكل وأنت في وظيفتك؟! أوما تجد وقتا لقضاء حاجتك وأنت في عملك؟! فكيف تهون عليك الصلاة من ذلك كلّه حتى لا تجد لها وقتا يسيرا أثناء وظيفتك وعملك؟! ولكنه حب الدنيا ونسيان الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا الله.
ومنهم من يترك الصلاة ويشتغل كلّ وقته بعمله أو تجارته ويقول: العمل عبادة، وكلنا نعلم بطلان هذه المقولة مما تقدم من الخطبة، فأعظم العبادات عند الله الصلاة، وهي أفضل أعمال الإسلام كما أخبر الصادق المصدوق.
عباد الله، إن للصلاة فوائد عظيمة وكثيرة، فالصلاة هي عنوانُ الفلاحِ وطريق النجاح، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ ?لْمُؤْمِنُونَ ?لَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـ?شِعُونَ [المؤمنون:1، 2] ، إلى أن قال في آخر نعتِهم: وَ?لَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلَو?تِهِمْ يُحَـ?فِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ ?لْو?رِثُونَ ?لَّذِينَ يَرِثُونَ ?لْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـ?لِدُونَ [المؤمنون:9-11] .
ومن فوائد الصلاة تكفير الخطايا والذنوب، واسمَع قول الله تعالى: وَأَقِمِ ?لصَّلَو?ةَ طَرَفَىِ ?لنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ?لَّيْلِ إِنَّ ?لْحَسَنَـ?تِ يُذْهِبْنَ ?لسَّيّئَـ?تِ ذ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذكِرِينَ [هود: 114] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: (( أرأيتُم لو أنّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسِل منه كلَّ يومٍ خمسَ مرّات، هل يبقى من درنِه شيء؟ ) )قالوا: لا يبقى من درنِه شيء، قال: (( فذلك مثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنّ الخطايا ) ).
والصلاةُ بابٌ للرزق، قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِ?لصَّلو?ةِ وَ?صْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ?لْعَـ?قِبَةُ لِلتَّقْوَى? [طه:132] .
إنّ الصلاةَ أوّل شروط النصرِ والتمكين، قال تعالى: ?لَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـ?هُمْ فِى ?لأرْضِ أَقَامُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَاتَوُاْ ?لزَّكَو?ةَ وَأَمَرُواْ بِ?لْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ?لْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَـ?قِبَةُ ?لأمُورِ [الحج:41] ، فلا ينصر الله أمة ضيعت صلاتها ولم تعرف للصلاة تعظيما ولا قدرا وركنت إلى الدنيا باتباع الشهوات، قال تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ?لصَّلَو?ةَ وَ?تَّبَعُواْ ?لشَّهَو?تِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا [مريم:59] ، فجعل الله سبحانه سبب تضييع الصلاة الركون إلى الدنيا باتباع الشهوات.
وإن الصلاة ـ عباد الله ـ تنهى عن الفحشاء والمنكر، فتطهِّر القلوبَ من درن الذنوب والمعاصي، إِنَّ ?لصَّلَو?ةَ تَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] .
والصلاة هي المفزَع عند الجزَع، وإليها الهرَب عند الهلَع واللجوء عند الخوف، ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?سْتَعِينُواْ بِ?لصَّبْرِ وَ?لصَّلَو?ةِ إِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لصَّـ?بِرِينَ [البقرة:153] ؛ لذا كانت قرَّة عين النبيِّ ، فإذا حَزَبه أمرٌ أو نزل به كرب فزع إلى الصّلاة.
والصلاة راحة النفس وطمأنينة القلب قال: (( أرِحنا بها يا بلال ) ).